مثله مثل بعض الصحابة غير منسوب، ولكن ذكره أبو الفرج بن الجوزي في كتابه
(صفة الصفوة) عن ابن سعد قال: وسمعت من يذكر أنَّ جليبيبًا كان رجلًا من
بني ثعلبة حليفًا في الأنصار.
صحابي جليلٌ لا يعرفه الكثير؛ لأنه كان
فقيرَ الحال، لكنه كان غنيًّا بالإيمان، لقد كان في فترة شبابه، فترة
الطاقة والحيوية والنشاط، فترة الصحة والقوة والرشاقة، فترة إذا أُحْسِن
استغلالها، كان لها عظيم الأثر النافع على الشخص ومَن حوله، وهكذا حدث وتم
معه على أكملِ وجهٍ، فنتج لنا ذلك عظيمًا من العظماء، قد سجل التاريخ اسمه
بحروفٍ من نور.
كان رضي الله عنه حسن الخلق، وكانت فيه دعابة، وكان عزبًا لم يتزوج بعدُ، أحبه النبي صلى الله عليه وسلم حبًّا شديدًا.
قال
له النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم مداعبًا إياه: يا جليبيب ألا تتزوج؟
فقال: يا رسول الله، ومَن يزوِّجني؟! استنكر السؤال؛ لأنه ليس له أسرة
معروفة ولا مال ولا جمال، فقال له صلى الله عليه وسلم: أنا أزوِّجك يا
جليبيب.
فالتفتَ جُليبيب إلى الرسول، فقال: إذًا تجدني كاسدًا يا رسول الله، فقال الرسول: غير أنك عند الله لست بكاسد.
ولقد
حدث مرة أن سيدنا نضلة بن عبيد المشهور بكنيته "أبو برزة الأسلمي" رضي
الله عنه والذي كان يهتم بالأرامل والفقراء والمساكين، وكان يطعمهم غدوة
وعشيًّا، شكا بأن جليبيبًا كان يدخل على النساء يمر بهنَّ ويلاعبهنَّ، فقال
لامرأته يومًا: "لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ جُلَيْبِيبٌ؛ فَإِنَّهُ إِنْ
دَخَلَ عَلَيْكُمْ، لَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ"، يبدو أن خبر جليبيب
وصل للنبي صلى الله عليه وسلم، فأراد بتربيته الحكيمة أن يُعيد تأهيل سيدنا
جليبيب، وأن يصنع منه عظيمًا من العظماء، ولم يزل النبي صلى الله عليه
وسلم يتحيَّن فرصة تزويجه إلى أن سنحت له الفرصة بذلك، حتى جاءه رجل أنصاري
يعرض ابنته عليه. وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ
أَيِّمٌ لَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى يَعْلَمَ هَلْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا حَاجَةٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: "زَوِّجْنِي
ابْنَتَكَ".
فَقَالَ: نِعِمَّ وَكَرَامَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ وَنُعْمَ
عَيْنِي. قَالَ: "إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُهَا لِنَفْسِي". قَالَ: فَلِمَنْ
يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " لِجُلَيْبِيبٍ."
فقال الرجل: "أُشَاوِرُ أُمَّهَا".
فَأَتَى أُمَّهَا فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ابْنَتَكِ.
فَقَالَتْ: نِعِمَّ، وَنُعْمَةُ عَيْنِي.
فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ يَخْطُبُهَا لِنَفْسِهِ إِنَّمَا يَخْطُبُهَا لِجُلَيْبِيبٍ.
فَقَالَتْ:
أَجُلَيْبِيبٌ إنيه؟ أَجُلَيْبِيبٌ إنيه؟ أَجُلَيْبِيبٌ إنيه؟، لَا،
لَعَمْرُ اللهِ لَا نُزَوِّجُهُ، أمَا وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلا جليبيبًا؟! منعناها من فلان وفلان، والجارية في خدرها وسترها تسمع
أمَّها، رفضته الأم؛ لأنهم منعوا مَن هو أفضل منه وأقدر في وجهة نظرها.
سألت
البنت أبويها: مَنْ خَطَبَنِي إِلَيْكُمْ؟ فَأَخْبَرَتْهَا أُمُّهَا،
فَقَالَتْ: أَتَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَمْرَهُ؟ ادْفَعُونِي؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُضَيِّعْنِي، وقالت: إن
كان قد رضِيه لكم فأنكحوه.
اقتنع الأبوان برأي ابنتهما وقالا لها:
صدقتِ، وانْطَلَقَ أَبُوهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: شَأْنَكَ بِهَا فَزَوَّجَهَا
جُلَيْبِيبًا، إن كنت قد رضيته فقد رضيناه.
تمَّ أمرُ زواجهما، وبارك
النبي صلى الله عليه وسلم زواجهما داعيًا لتلك الفتاة: "اللهم صُبَّ عليها
الخير صبًّا صبًّا، ولا تجعل عيشها كدًّا كدًّا"، واجتمعا معًا تحت سقفٍ
واحدٍ في بيتٍ دعائمه الحكمة والإيمان بالله تعالى، والتقوى والرضا، وغيرها
من الدعائم القويمة التي سوَّاها النبي صلى الله عليه وسلم وهيَّأها لنشأة
ذلك البيت الجديد!
ولم تمض إلا أيام قليلة على زواجهما، ونادى منادِي
الجهاد: يا خيل الله اركبي بأن الرسول صلى الله عليه وسلم خارجٌ في مغزى
له، فخرج سيدنا جليبيب رضي الله عنه ليشارك النبي وأصحابه في ذلك المغزى.
آثر
جليبيب الجهاد والخروج في سبيل الله، وطلب ما عند الله من الخير الدائم
وترك زوجته، وهو ما زال في أيام عُرسهِ، فَخَرَجَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ومَن معه مِن أصحابه. وخاضوا معًا عناءَ السفر ومشقة الغزو، وكتب
الله تعالى لهم النصر، وأخذ الصحابة يتفقدون إخوانهم الذين كتب الله لهم
الشهادة، ويضمدون جراح المصابين، ويجمعون ما أفاء الله به عليهم، وبينما هم
كذلك إذ برسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي عليهم: "هَلْ تَفْقِدُونَ
مِنْ أَحَدٍ؟"، قَالُوا: نَفْقِدُ فُلَانًا وَنَفْقِدُ فُلَانًا، فتركهم
النبي يبحثون ويفتشون عن هؤلاء المفقودين، ثم نادى عليهم ثانيةً، قَالَ:
"انْظُرُوا هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟"، قَالُوا: لَا، قَالَ:
"لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا، فَاطْلُبُوهُ فِي الْقَتْلَى"،.
فبحثوا
وفتشوا في أرجاء المكان، وطَلَبُوهُ فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ
قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَا هُوَ
ذَا إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَاهُ
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عَلَيْهِ فَقَالَ:
"قَتَلَ سَبْعَةً وَقَتَلُوهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي
وَأَنَا مِنْهُ، هذا مني وأنا منه".
ثمَّ وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَاعِدَيْهِ وَحُفِرَ لَهُ، مَا لَهُ
سَرِيرٌ إِلَّا سَاعِدَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
ثُمَّ وَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ غَسَّلَهُ؛ لأن
الشهيد لا يُغسَّل.
رجع الرسول وأصحابه إلى ديارهم فرحين بنصر الله تعالى مستبشرين بمن رزَقهم الله الشهادة في سبيله، ووصل خبر استشهاد جليبيب لأهله.
وقد
فتح لها الله أبواب الخير الكثير؛ مما جعلها أنفق أيِّم في الأنصار، وجعل
الناس يتحدثون عن غناها الذي أغناه الله تعالى لها، قال سيدنا أَنَسُ بْنُ
مَالِكٍ عن زوجة جليبيب: "فَمَا رَأَيْتُ بِالْمَدِينَةِ ثَيِّبًا أَنْفَقَ
مِنْهَا"، وقال سيدنا أُنَيس بن الضحاك: "فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا
لَأَنْفَقُ بِنْتٍ بِالْمَدِينَةِ"، وقَال سيدنا ثَابِتٌ البناني: "فَمَا
كَانَ فِي الْأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا"، أغناها الله تعالى وفتح
لها أبواب الرزق الواسعة ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لها:
"اللهُمَّ صُبَّ عَلَيْهَا الْخَيْرَ صَبًّا، وَلَا تَجْعَلْ عَيْشَهَا
كَدًّا كَدًّا".

إرسال تعليق