روى البخاري بسنده عن أنس رضي الله عنه أن الربيع
وهي ابنة النضر كسرت ثنية جارية فطلبوا الأرش وطلبوا العفو فأبوا فأتوا
النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بالقصاص فقال أنس بن النضر أتكسر ثنية
الربيع يا رسول الله لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فقال: «يا أنس
كتاب الله القصاص» فرضي القوم وعفوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من
عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» فرضي القوم وقبلوا الأرش.
غاب
أنس بن النضر رضي الله عن غزوة بدر، فلم يحضرها. وليس هذا مما يطعن فيه
فإنّ كثيرًا من الصحابة الكبار قد غابوا عنها أيضًا، حيث لم يدعُ رسول الله
-صلى الله عليه وسلّم- إليها أحدًا، ولا نادى منادٍ بكل الناس أن يحشدوا
إليها، بل جاء إليها فقط من “كان ظهره حاضرًا” يومئذٍ.
فلمّا جاء يوم غزوة أحد، وأراد المسلمون الخروج إلى ملاقاة العدو، جاء أنس بن النضر رضي الله عنه وقال لرسول الله:
يَا
رَسُولَ اللَّهِ، غِبْتُ عن أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ فِيهِ
الْمُشْرِكِينَ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ قِتَالَ
الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ.
وبعد أن نزل الرُماة
من على الجبل وتركوا مواقعهم مكشوفة، وبعد أن هجمَ خالدٌ بن الوليد عليهم
من جديد شاع نبأ مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هنا يأتي دور أنس
بن النضر رضي الله عنه حيث يقول الحديث: انْتَهَى أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ
عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَطَلْحَةَ بْنِ
عُبَيْدِ اللَّهِ، فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، قَدْ
أَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ: مَا يُجْلِسُكُمْ؟ فَقَالُوا: قُتِلَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا
تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ فَقُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ
عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ.
ولم يكتفي بذلك، بل يخرجُ بعدها فيقول:
“اللَّهُمُّ إِنِّي أعَتْذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ، يَعْنِي:
الْمُسْلِمِينَ، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلاءِ، يَعْنِي:
الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ،
فَقَالَ: أَيْ سَعْدٌ، هَذِهِ الْجَنَّةُ، وَرَبِّ أَنَسٍ أَجِدُ رِيحَهَا
دُونَ أُحُدٍ، قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: فَمَا اسْتَطَعْتُ مَا صَنَعَ،
فَقَاتَلَ، قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ مَا
بَيْنَ ضَرْبَةٍ بِسِيْفٍ، أَوْ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةٍ
بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ، وَمَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ،
فَمَا عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ إِلا
بِبُنَانِهِ”.
وهذه من كرامته على الله عزّ وجل جعله الله يشمّ ريح
الجنّة قبل أن يدخلها في الحياة الدنيا. ويعترفُ سعدٌ بن معاذ، وهو الذي
اهتزّ عرش الله جل جلاله يومَ وفاته، أنّه لم يستطع فعل ما صنع هذا الصحابي
الكريم. ثم استشهد رضي الله عنه وفيه بضعٌ وثمانون ضربةً في جسده، فقالت
عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه، واستشهد رضي الله عنه بعد
أن أبرّ قسمه على الله وأوفى به.
ويقول عنه أنس بن مالك: “وَكُنَّا
نَرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وَفِي
أَشْبَاهِهِ: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ
عَلَيْهِ).
هو أبو عمرو أنس بن النضر بن ضخم النجاري الخزرجي الأنصاري
عم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أسلم رضي الله عنه
بعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد أثنى النبي صلى الله عليه
وسلم عليه خيرًا.

إرسال تعليق