نسبه
هو أسيد بن الحضير بن سماك بن عتيك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأشهلي الأوسي.
يكنى
أبا يحيى وأبا عتيك، وكان أبوه حضير فارس الأوس ورئيسهم يوم بُعاث وواحد
من كبار أشراف العرب في الجاهلية، وكان أسيد يكتب بالعربيّة في الجاهليّة،
وكانت الكتابة في العرب قليلًا، وكان يُحسن العوم، والرمي، وكان يُسَمّى من
كانت هذه الخصال فيه في الجاهليّة الكامل،
إسلامه رضي الله عنه
لما
انصرف الأنصار من البيعة مع رسول بعث معهم رسول الله مصعب بن عمير، وأمره
أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، وكان مصعب يُسمَّى
بالمدينة المقرئ، وكان منزله على أسعد بن زرارة، ثم إن أسعد بن زرارة خرج
بمصعب فدخل به حائطًا من حوائط بني ظفر، فجلسا في الحائط واجتمع إليهما
رجال ممن أسلم، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: انطلق إلى هذيْن الرجلين
اللذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما؛ فإن أسعد بن زرارة ابن
خالتي، ولولا ذاك لكفيتكه.
وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي قومهما
من بني عبد الأشهل، وهما مشركان، فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إلى مصعب
وأسعد وهما جالسان في الحائط، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا
سيِّد قومه، قد جاءك فاصدق الله فيه. قال مصعب: إنْ يجلس أكلمه. قال: فوقف
عليهما متشتمًا، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟! اعتزلانا إن
كانت لكما في أنفسكما حاجة. فقال له مصعب: أوَ تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا
قبلته، وإن كرهته كُفَّ عنك ما تكره. قال: أنصفت. ثم رَكَز حربته وجلس
إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن، فقالا: والله لقد عرفنا في
وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا
الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له:
تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي. فقام فاغتسل وطهر
ثوبيه وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين.
واختُلف في شهوده بدرًا،
وكان ممن ثبت يوم أُحد، وجرح حينئذ سبع جراحات. كان شريفًا كاملاً، وقد آخى
رسول الله بينه وبين زيد بن حارثة .
مواقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته
كان
رضي الله عنه مولعاً بالقرآن وكان أيضاً من القراء فعن أبي سعيد الخدري
وابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد بن حضير أن النبي قال له: "اقرأ
يا أسيد، فقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود".
قال ابن مالك: كان
أُسيد بن الحُضير، وعبّاد بن بشر عند رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في
ليلةٍ ظلماء حِنْدَسٍ، فتحدّثا عنده حتى إذا خرجا أضاءتْ لهما عَصَا
أحَدِهما، فمشيا في ضوئها، فلمّا تفرّق لهما الطريق أضاءت لكلّ واحدٍ منهما
عصاه، فمشى في ضوئها.
وعن أنس قال: جاء أسيد بن حضير إلى النبي وقد كان
قسم طعامًا، فذكر له أهل بيت من الأنصار من بني ظفر فيهم حاجة، وجُلّ أهل
ذلك البيت نسوة، فقال له النبي: "تركتنا يا أسيد حتى ذهب ما في أيدينا،
فإذا سمعت بشيء قد جاءنا فاذكر لي أهل ذلك البيت". فجاءه بعد ذلك طعام من
خيبر شعير أو تمر، فقسّم رسول الله في الناس وقسم في الأنصار فأجزل، وقسم
في أهل البيت فأجزل. فقال أسيد بن حضير متشكرًا: "جزاك الله أي نبي الله
أطيب الجزاء". فقال النبي: "وأنتم معشر الأنصار، فجزاكم الله أطيب الجزاء؛
فإنكم ما علمت أعفة صُبُر، وسترون بعدي أثرة في الأمر والقسم، فاصبروا حتى
تلقوني على الحوض".
وقال أسيد بن حضير للنبي صلى الله عليه وسلم يوم
بدر: يا رسول الله، الحمد لله الذي ظفرك، وأقر عينك، والله يا رسول الله ما
كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوًّا، ولكني ظننت أنها العير، ولو
ظننت أنه عدو ما تخلفت. فقال رسول الله: "صدقت".
وعن أسيد بن حضير قال:
بينما هو يحدّث القوم وكان فيه مزاح، بَيْنَا يضحكهم، فطعنه النبي في
خاصرته بعود، فقال: أَصْبِرْنِي أَقِدْني من نفسك. فقال: "اِصْطَبِرْ"
اسْتَقِدْ، قال: إن عليك قميصًا وليس عليَّ قميص. فرفع النبي عن قميصه،
فاحتضنه وجعل يقبّل كشحه (الكشح هو ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلفي)، قال:
"إنما أردت هذا يا رسول الله".
وفي غزوة بني المصطلق تحركت مغايظ
عبد الله بن أبيّ فقال لمن حوله من أهل المدينة: "لقد أحللتمومهم بلادكم،
وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير
دياركم ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل" سمع
الصحابي الجليل زيد بن الأرقم هذه الكلمات، فأخبر رسول الله صلى الله عليه
وسلم فتألم كثيراً، فقابله أسيد بن حضير فقال له النبي عليه الصلاة والسلام
: "أوما بلغك ما قال صاحبكم؟" قال أسيد: "وأيّ صاحب يا رسول الله؟" قال
الرسول: "عبد الله بن أبيّ" قال أسيد: "وماذا قال؟" قال الرسول: "زعم أنه
إن رجع إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل" قال أسيد: فأنت والله، يا
رسول الله، تخرجه منها إن شاء الله، هو والله الذليل، وأنت العزيز ثم قال
أسيد: " يا رسول الله ارفق به ، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون
له الخرز ليتوّجوه على المدينة ملكا، فهو يرى أن الإسلام قد سلبه ملكاً".
وروى
أبو عطارد، أنه قال: جاء عامرُ بن الطّفيل، وزَيْد إلى رسولِ الله صَلَّى
الله عليه وآله وسلّم، فسألاه أنْ يجعل لهما نصيبًا من تمر المدينة، فأخذ
أُسيد بن حضير الرَّمْحَ، فجعل يَقْرَع رؤوسهما، ويقول: اخْرُجا أيها
الهِجْرسان، فقال عامر: مَنْ أنت؟ فقال: أنا أُسَيْد بن حضير، قال: حُضير
الكتائب؟ قال: نعم، قال: كان أبوك خيرًا منك، قال: بل، أنا خيرٌ منك، ومن
أبي؛ مات أبي، وهو كافرٌ.
وروى أسيد بن حضير ــ وكان من أحسن الناس
صوتًا بالقرآن، أنه قال: قرأت ليلة سورة البقرة، وفرس لي مربوط، ويحيى
ابني مضطجع قريب مني، وهو غلام، فجالت الفرس، فقمت، وليس لي هم إلا ابني،
ثم قرأت، فجالت الفرس، فقمت، وليس لي هم إلا ابني، ثم قرأت، فجالت الفرس،
فرفعت رأسي، فإذا شيء كهيئة الظلة في مثل المصابيح، مقبل من السماء فهالني،
فسكت، فلما أصبحت غدوت على رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم،
فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "اقْرَأْ يَا أَبا يَحْيَى"، فَقُلْتُ قَدْ
قَرَأْتُ، فَجَالَتْ، فَقُمْتُ لَيْسَ هَمٌّ لِي إِلَّا ابْنِي، فَقَالَ
لِي: "اقْرَأْ يَا أَبَا يَحْيَى"، فَقُلْتُ: قَدْ قَرَأْتُ، فَجَالَتِ
الفَرسُ فَقَالَ: "اقْرَأْ أَبَا حُضَيْر"، فَقُلْتُ: قَدْ قَرَأْتُ،
فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا كَهَيْئَةِ الظُّلَّةِ فِيهَا المَصَابِيحُ،
فَهَالَنِي، فَقَالَ: "تِلْكَ المَلَائِكَةُ دَنَوْا لِصَوْتِكَ، وَلَوْ
قَرَأْتَ حَتَّى تُصْبِح؛ لأَصْبَحَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ".
مواقفه مع الصحابة
عن
عبد الله بن هبيرة أن أسيد بن حضير كان يؤم بني عبد الأشهل وأنه اشتكى
فخرج إليهم بعد شكواه، فقالوا له: تقدم. قال: لا أستطيع أن أصلي. قالوا: لا
يؤمنا أحد غيرك ما دمت. فقال: اجلسوا؛ فصلى بهم جلوسًا.
ومن مواقفه مع
الصحابة رضي الله عنهم، عن أسيد بن حضير قال: سمعت رسول الله يقول: "إنكم
ستلقون بعدي أثرة". فلما كان زمان عمر قسّم حُللاً فبعث إليَّ منها بحلة،
فاستصغرتها فأعطيتها ابني، فبينا أنا أصلي إذ مر بي شاب من قريش عليه حلة
من تلك الحلل يجرها، فذكرت قول رسول الله: "إنكم ستلقون أثرة بعدي". فقلت:
صدق رسول الله، فانطلق رجل إلى عمر فأخبره، فجاء وأنا أصلي فقال: صلِّ يا
أسيد. فلما قضيت صلاتي قال: كيف قلت؟ فأخبرته، قال: تلك حلة بعثت بها إلى
فلان وهو بدريّ أحديّ عقبيّ، فأتاه هذا الفتى فابتاعها منه فلبسها، فظننت
أن ذلك يكون في زماني. قلت: قد والله يا أمير المؤمنين ظننت أن ذلك لا يكون
في زمانك.
وموقف أسيد بن الحضير مع آل أبي بكر فعن عائشة رضي الله
عنها زوج النبي: أنها قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون إلى
المدينة، فأناخ رسول الله ونزل، فبينا رسول الله في حجري راقد أقبل أبي
فلكزني لكزة، ثم قال: حبست الناس! ثم إن رسول الله استيقظ وحضرت الصبح
فالتمس الماء فلم يوجد، ونزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ} [المائدة: 6]. قال أسيد بن حضير: لقد بارك الله
للناس فيكم يا آل أبي بكر! ما أنتم إلا بركة.
وكان رضي الله عنه سبباً
في إسلام سعد بن معاذ فقد قال لمصعب: إن ورائي رجلاً (أي سعد بن معاذ) إن
اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن. فأرسله إليهما،
فأسلم سعد بن معاذ، ومن ثَمَّ أسلمت الأوس.
وفي يوم السقيفة، إثر
وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أعلن فريق من الأنصار، وعلى رأسهم
سعد بن عبادة أحقيتهم بالخلافة، وطال الحوار، واحتدمت المناقشة، فكان موقف
أسيد - وهو زعيم أنصاري كبير - فعالا في حسم الموقف، وكانت كلماته كفلق
الصبح في تحديد الاتجاه، فقد وقف مخاطباً فريق الأنصار من قومه: " تعلمون
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين فخليفته إذاً ينبغي أن
يكون من المهاجرين ، ولقد كنا أنصار رسول الله، وعلينا اليوم أن نكون أنصار
خليفته".
وفاته رضي الله عنه
عن عروة أن أسيد بن حضير مات وعليه
دين أربعة آلاف درهم فبيعت أرضه، فقال عمر : لا أترك بني أخي عالة. فردَّ
الأرض وباع ثمرها من الغُرماء أربع سنين بأربعة آلاف، كل سنة ألف درهم. وقد
تُوُفِّي سنة 20 من الهجرة، ودُفن بالبقيع. رضي الله عنه وأرضاه.
عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله : "نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم
الرجل أبو عبيدة بن الجراح، نعم الرجل أسيد بن حضير، نعم الرجل ثابت بن قيس
بن شماس، نعم الرجل معاذ بن جبل، نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح".
وعن
عائشة رضي الله عنها قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد منهم يلحق في
الفضل، كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر
رضي الله عنهم جميعًا.

إرسال تعليق