تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

بدايات الفتنة في عهد عثمان رضي الله عنه



 أوكار الفتنة في الكوفة

كانت السمة العامة لأمصار الدولة الإسلامية في عهد عثمان الاستقرار والأمان والطمأنينة والرضا والعافية من الفتن وإثارتها والسير بها وإشاعتها، والعامة مشغولون بين الجهاد والفتح وترسيخ قواعد الإسلام وبناء الدولة، وانحصرت الفتن وإشعالها وإذاعتها في ثلاثة أمصار فقط هي: الكوفة ومصر بصورة كبيرة، ثم البصرة بالدرجة الثانية، وهذه الأمصار لا تشكل شيئا كبيراً من جسم الدولة، لكنها أحدثت شروخا هائلة أدت إلى أخطر انقلاب في تاريخ الإسلام.
وبالنظر في تلك البؤر التي أنتجت الفتنة وأنضجتها وروجت لها وسعت فيها إلى آخر الشوط؛ نجد أن مورثيها ليسوا من الصحابة ولا من المهاجرين والأنصار، وليس فيهم قرشي أو أنصاري أو مزني أو جهني أو..... بل هم من مسلمة الفتوحات، وعامتهم من النخع والأزد من القبائل اليمانية والسماعين لهم ممن نزلوا الكوفة والبصرة ومصر.
وكانت الكوفة أول الأمصار وأسبقها في طريق الشر والفتنة، وقد حدث الإمام عامر الشعبي فقال: (الكوفة أول مضر نزغ الشيطان بينهم
في الإسلام).
وقد ضجر الفاروق عمر بأهل الكوفة، وأصابه هم كبير حتى رأى الصحابة ذلك عليه واضحاً وعبر عن مصيبته فيهم فقال: (وأي نائب أعظم من مئة ألف لا يرضون عن أمير، ولا يرضى عنهم أمير!).
والمتتبع لأوكار الشرور في الكوفة يجد أن الفتنة نمت فيها، واشتهر عن أهلها تألبهم على ولاتهم ورفضهم لهم مهما استرضوهم؛ فقد شكوا سعد بن أبي وقاص، وأرجفوا بالوليد بن عقبة، وطردوا سعيد بن العاص وخلال سني خلافة عثمان وقعت أحداث شتى يقع مثلها في أي دولة كبيرة أو أمة متعددة الأعراق والأجناس. وكانت تلك الأحداث تتحرك تحت السطح، ورمادها يتقد على هينته، وقامت الأيدي الخبيثة والنفوس الماكرة الحاقدة بجمع رفاتها والنفخ في رمادها، وضمت إليها فريقاً من اللصوص والمحدودين والموتورين وضعاف النفوس وسفهاء الأحلام ومبتغي الفتنة ومحبي الزعامة.
ذكر الطبري وغيره أن الوليد بن عقبة ولي الكوفة وكان أحب الناس في الناس وأرفقهم بهم، فكان كذلك خمس سنين، وليس على داره باب، ثم إن شباباً من شباب أهل الكوفة نقبوا على ابن الحيسمان الخزاعي وكاثروه، فنذر بهم، فخرج عليهم بالسيف، فلما رأى كثرتهم استصرخ، فقالوا له: اسكت، فإنما هي ضربة حتى نريحك من روعة هذه الليلة، وأبو شريح الخزاعي مشرف عليهم فصاح بهم وضربوه فقتلوه وأحاط الناس بهم فأخذوهم، وفيهم: زهير بن جندب الأزدي، ومورع بن أبي مورع الآسدي، وشبيل بن أبي الأزدي، في
عدة فشهد عليهم أبو شريح وابنه أنهم دخلوا عليه فمنع بعضهم، من الناس فقتله بعضهم.
فكتب الوليد فيهم إلى عثمان فكتب إليه في قتلهم فقتلهم على باب القصر في الرحبة، وقال في ذلك عمرو بن عاصم التميمي :
لا تأكلوا أبدا جيرانكم شرفاً
أهل الزعارة في ملك ابن عفان
إن ابن عفان الذي جربتم
فطم اللصوص بمحكم الفرقان
مازال يعمل بالكتاب مهيمناً
في كل عنق منهم وبنان

وغضب أهل هؤلاء الذين قتلوا قصاصاً، واضطغنوا على الوالي الوليد بن عقبة، وعلى رأسهم: أبو زينب بن عوف وأبو مورع الأسدي وجندب الأزدي، وأخذوا يتتبعون غرة للوالي واقتحموا عليه بيته ليلفقوا له تهمة، فلم يظفروا بمرادهم وخرجوا يتلاومون وأقبل عليهم الناس يسبونهم أما الوليد فسامحهم وستر عليهم وطوى الأمر عن عثمان.
لكن هؤلاء المفترين مشوا في طريق الضلال وأتوا عبد الله بن ‏مسعود، وقالوا: إن الوليد يعتكف على شرب الخمر، وأذاعوا ذلك حتى طرح على ألسن الناس. واستمروا في الافتئات على الوليد وإثارة أهل الكوفة عليه، ويروي: أن الوليد أتى بساحر، فأرسل إلى ابن مسعود يسأله عن حده، فقال: اقتله فانطلق الوليد لإقامة الحد عليه، ونودي في المسجد أن رجلاً يلعب بالسحر عند الوليد فأقبلوا، وأقبل جندب الأزدي واغتنمها بقول: أين هو؟ أين هو؟ حتى أريه فضربه.
اجتمع ابن مسعود والوليد على حبس جندب حتى كتب إلى عثمان فأجابهم عثمان: أن استحلفوه بالله ما علم برأيكم فيه، وإنه لصادق بقوله فيما تظن من تعطيل حده، وعزروه وخلوا سبيله وتقدم إلى الناس في أن لا يعملوا بالظنون، وأن لا يقيموا الحدود دون السلطان، فإنا نقيد المخطئ ونؤدب المصيب.
وهكذا نرى أن جندبا الأزدي الموتور على الوالي الوليد بن عقبة قد افتات عليه وتدخل في عمله وقتل الساحر، وليس لجندب أن يتدخل في إقامة الحد مع وجود الوالي وكان يمكنه أن يطالبه بإقامة الحد لو تأخر في ذلك.
وغضب لجندب أصحابه، فخرجوا إلى المدينة، فيهم: أبو خشة الغفاري وجثامة بن الصعب بن جثامة ومعهم جندب، فاستعفوه من
الوليد، فقال لهم عثمان: تعملون بالظنون، وتخطئون في الإسلام وتخرجون بغير إذن! ارجعوا، فردهم فلما رجعوا إلى الكوفة لم يبق موتور في نفسه إلا أتاهم فاجتمعوا على رأي فأصدروه، ثم تغفلوا الوليد وكان ليس عليه حجاب فدخل عليه أبو زينب الأزدي
وأبو مورع الأسدي، فسلا خاتمه، ثم خرجا إلى عثمان، فشهدا عليه، ومعهما نفر من يعرف من أعوانهم. فبعث إليه عثمان، فلما قدم
أمر به سعيد بن العاص، فقال الوليد: يا أمير المؤمنين، أنشدك الله، فوالله إنهما لخصمان موتوران! فقال: لا يضرك ذلك، إنما نعمل بما ينتهي إلينا، فمن ظلم فالله ولي انتقامه، ومن ظُلم فالله ولي جزائه.
وتوضح رواية أخرى أن الرجل الذي استل خاتم الوليد استغل نومه العميق فاستل خاتمه.
ولفق هؤلاء المجرمون الموتورون على الوليد أنه كان يشرب الخمر، وقد شهدوه وهو يقيء الخمر فأقام عثمان الحد على الوليد لتوفر الشهود لا لصحة الواقعة، فحلف له الوليد وأخبره خبرهم، فقال عثمان: نقيم الحدود ويبوء شاهد الزور بالنار، فأصبر يا أخي.
قطع أمير المؤمنين عثمان دابر الفتنة فعزل الوليد عن الكوفة، وولى عليها سعيد بن العاص، وكان في المدينة، فاتجه إلى الكوفة ومعه أولئك الذين قدموا على عثمان في شكاية الوليد، الأشتر النخعي، وأبو خشة الغفاري، وجندب بن عبد الله وأبو مصعب بن جثامة، فلما وصل سعيد الكوفة صعد المنبر، فحمد الله وأثني عليه ثم قال: (والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ولكني لم أجد بداً إذ أمرت أن أتمر.
ألا إن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها، ووالله لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني، وإني لرائد نفسي اليوم) ونزل.
وهكذا يتبين لنا معرفة سعيد ببدايات الفتنة وإرهاصاتها التي أخذت تظهر في الكوفة، وأنه تهدد أصحابها بالقضاء عليهم وعليها ثم أخذ يتعرف على أحوال الكوفة ويستقصي أخبار أهلها ثم كتب تقريراً وجهه إلى أمير المؤمنين يقول فيه: (إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات والسابقة والقدمة، والغالب على تلك البلاد روادف ردفت، وأعراب لحقت، حتى ما ينظر إلى ذي شرف ولا بلاء من نازلتها ونابتتها).
فكتب إليه عثمان: (أما بعد، ففضل أهل السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها بسببهم تبعاً لهم، إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به وقام به هؤلاء واحفظ لكل منزلته، وأعطهم جميعاً بقسطهم من الحق، فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل).


وتدل هاتان الرسالتان المتبادلتان بين الخليفة والوالي عن إدراكهما لمصدر المشكلات في الكوفة، وهو وجود الأعراب الروادف الذين
نزلوا البلاد بعد أهلها الذين نبتوا فيها والسابقين الذين فتحوها، ونافسوهم في تصريف الأمور ولم يعرفوا مكانة لذوي الشرف ولا فضلاً لذوي السابقة والقدم في الإسلام، فلم يتورعوا عن الأذى وإلصاق التهم وإثارة الفتن.
وقد اتخذ الوالي سعيد بن العاص إجراء حكيماً يحد من تسلط أولئك الدخلاء عملا بنصيحة أمير المؤمنين عثمان؛ فأرسل إلى وجوه الناس من أهل الأيام والقادسية فقال: أنتم وجوه من وراء كم والوجه ينبئ عن الجسد فابلغونا حاجة ذي الحاجة وخلة ذي الخلة وأدخل معهم من يحتمل من اللواحق والروادف وخلص بالقراء والمتسمتين في سمره، فكأنما كانت الكوفة يبساً شملته نار، فانقطع إلى ذلك الضرب ضزبهم، وفشت القالة والإذاعة، وأوقف سعيد أمير المؤمنين عثمان على حقيقة الأمر بالكوفة واضطراب أمر هؤلاء الفتانين، فقام عثمان ثانية وخطب الناس، وكان مما قاله: يا أهل المدينة استعدوا واستمسكوا، فقد دبت إليكم الفتن.
بقي أهل الشر والانحراف على أخلاقهم الفاسدة يهتبلون كل فرصة لإثارة الفتن والطعن على الولاة والخليفة، ووالي الكوفة سعيد بن العاص على عادته كان مجلسه الخاص لا يغشاه إلا نازلة أهل الكوفة ووجوه أهل الفتوحات والقراء، وكان هؤلاء دخلته إذا خلا، فأما إذا جلس للناس فإنه يدخل عليه كل أحد.
جلس سعيد للناس يوما، فدخل عليه جمع فيهم الأشتر النخعي، وابن ذي الحبكة، وجندب، وصعصعة، وابن الكواء، وكميل بن زياد، وعمير بن ضابئ، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وعلقمة بن قيس، وفيهم خنيس بن حبيش وابنه عبد الرحمن وغيرهم وبينما هم يتحدثون قال خنيس: ما أجود طلحة بن عبيد الله! فقال سعيد: إن من ‏له مثل (النشاستج) لحقيق أن يكون جواداً، والله لو كان لي مثله لأعاشكم الله منها عيشاً رغداً، فقال عبد الرحمن بن خنيس وهو حدث: والله لوددت أن هذا الملطاط لك (يعني ما كان لآل كسرى على جانب الفرات مما يلي الكوفة) فثار عليه القوم الأشتر ومن معه وقالوا: فض الله فاك، والله لقد هممنا بك فقال أبوه: حدث فلا تؤاخذوه فقالوا: يتمنى له من سوادنا؟! قال: ويتمنى لكم أضعافه، قالوا: لا يتمنى لنا ولا له، ثم قالوا: أنت أمرته بذلك، وثاروا إليه فحاول أبوه منعهم، فضربوهما حتى غشي عليهما وسعيد يناشدهم ويأبون، حتى قضوا منهما وطرا، وسمعت بذلك بنو أسد، فجاؤوا وأحاطوا بمجلس الوالي ليدافعوا عن رجليهما، فتلافى سعيد بحكمته هذه الفتنة، ورد بني أسد عن الأشتر وجماعته.
ولما أفاق الرجلان قال لهما سعيد: أبكما حياة؟ قالا: قتلنا غاشيتك! قال: لا يغشوني والله أبدا، فاحفظا علي السنتكما، ولا تجرئا علي الناس ففعلا.
لكن الأشتر وأصحابه جلسوا في بيوتهم، وأقبلوا على شتم عثمان وسعيد، وأقبل الناس عليهم، حتى جاء صلحاء الكوفة سعيداً في أمرهم، فقال: هذا عثمان قد نهاني أن أحرك شيئاً، فمن أراد منكم شيئا فليكتب إلى عثمان.
فكتب أشراف أهل الكوفة وصلحاؤهم إلى عثمان في إخراجهم، فكتب أمير المؤمنين إلى سعيد وأهل الكوفة: (إذا اجتمع ملؤكم على ذلك، فألحقوهم بمعاوية) فسيرهم إلى معاوية بالشام، وسموا المسيرين، وهم: الأشتر النخعي، وابن الكواء اليشكري، وصعصعة بن صوحان العبيدي، وأخوه زيد، وكميل بن زياد النخعي، وجندب بن زهير الغامدي، وجندب بن كعب الأزدي، وثابت بن قيس النخعي، وعروة بن الجعد البارقي، وعمرو بن الحمق الخزاعي.
وكتب عثمان إلى معاوية: (إن أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفرا قد خلقوا للفتنة، فرعهم وقم عليهم، فإن آنست منهم رشدا فاقبل منهم، وإن أعيوك فارددهم عليهم)، وكان ذلك سنة 33ه‍.
وباستعراض أسماء هؤلاء المنحرفين الفتانين مساعير الشر والفتنة، نرى أن لهم علاقة قوية بالافتيات على الوليد بن عقبة، ثم هاهم يثيرون الإضطراب والفتنة على سعيد بن العاص، وهم كذلك ستكون لهم يد طولى في الخروج على أمير المؤمنين وقتله.

قصة المسيرين
استقبل والي الشام معاوية بن أبي سفيان المسيرين، وتولاهم برعايته وشملهم بحلمه، وتعاهدهم بأدبه وحسن سياسته، وبذل لهم الترغيب ولوح بالترهيب، وتقلب بهم بين الشدة واللين، وأنزلهم كنيسة تسمى مريم، وأجرى عليهم بأمر عثمان ما كان يجرى عليهم بالعراق، وجعل لا يزال يتغدى ويتعشى معهم، فقال لهم يوما: (إنكم قوم من العرب لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفاً، وغلبتم الأمم وحويتم مراتبهم ومواريثهم، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشاً، وإن قريشاً لو لم تكن عدتم أذلة كما كنتم إن أئمتكم لكم إلى اليوم جنة، فلا تشذوا عن جنتكم، وإن أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور، ويحتملون منكم المؤونة والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم، ثم لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاء لهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد موتكم).
فقال صعصعة بن صوحان: (أما ما ذكرت من قريش، فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية، فتخوفنا وأما ما ذكرت من الجنة، فإن الجنة إذا اخترقت خلص إلينا).
وهذا يعبر عن مخبوء أنفس هؤلاء، وأنهم ما أرادوا وجه الله، ولا تقويم الأخطاء التي أذعوا وجودها، فهم يرون أن الجنة وهم الولاة إذا اخترقت خلص الأمر إليهم، وأصبحوا ولاة الأمر.
وهنا رد عليه معاوية فقال مخاطباً جماعتهم: (عرفتكم، الآن علمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول، وأنت خطيب القوم، ولا أرى لك عقلا أعظم عليك أمر الإسلام وأذكرك به، وتذكرني الجاهلية، وقد وعظتك؟! وتزعم لما يجنك أنه يخترق، ولا ينسب ما يخترق إلى الجنة أخزى الله أقواما أعظموا أمركم، ورفعوا إلى خليفتكم افقهوا ولا أظنكم تفقهون أن قريشاً لم تعز في جاهلية ولا إسلام إلا بالله عز وجل، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدهم، ولكنهم كانوا أكرمهم أحساباً، وأمحضهم أنساباً، وأعظمهم أخطاراً، واكملهم مروءة، ولم يتمنعوا في الجاهلية والناس يأكل بعضهم بعضا إلا بالله الذي لا يستذل من أعز، ولا يوضع من رفع، فبؤاهم حرماً آمنا يتخطف الناس من حولهم).
ثم أنبهم ووبخهم وقرعهم، ثم بذل لهم النصح، وأرشدهم إلى طريق الحق إن كانوا يريدونه، فقال: (وبعد فإن أردتم النجاة فالزموا جماعتكم، وليسعكم ما وسع الدهماء، ولا يبطرنكم الإنعام، فإن البطر لا يعتري الخيار، اذهبوا حيث شئتم، فإني كاتب إلى أمير المؤمنين فيكم).
فكتب معاوية إلى عثمان: (إنه قدم علي أقوام ليس لهم عقول ولا أديان، أثقلهم الإسلام، وأضجرهم العدل، لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجة، إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة، والله مبتليهم ومختبرهم، ثم فاضحهم ومخزيهم وليسوا بالذين ينكون أحدا إلا مع غيرهم، فانه سعيداً ومن قبله عنهم، فإنهم ليسوا لأكثر من شغب أو
نكير).
فكتب إليه عثمان أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة، فردهم إليه، فلم يكونوا إلا أطلق ألسنة منهم حين رجعوا، وضج بهم سعيد، فكتب إلى عثمان بذلك، فكتب عثمان إليه بأن يسيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان أميراً على حمص، وكتب إلى الأشتر وأصحابه: (أما بعد، فإني قد سيرتكم إلى حمص، فإذا أتاكم كتابي هذا فاخرجوا إليها، فإنكم لستم تألون الإسلام وأهله شراً، والسلام).
فلما قرأ الأشتر الكتاب قال: (اللهم أسوأنا نظراً للرعية، وأعملنا فيهم بالمعصية؛ فعجل له النقمة).
وقدم سعيد بن العاص على عثمان بالمدينة، واستعمل عمرو بن حريث على الكوفة، والقعقاع بن عمرو على الحرب.
ولما قدم المسيرون على عبد الرحمن بن خالد قبض عليهم بمثل مخالب أبيه رضي الله عنهما، وأنزلهم بجزيرة ابن عمر، وقال لهم: (يا آلة الشيطان، لا مرحباً بكم ولا أهلاً! قد رجع الشيطان محسوراً وأنتم بعد نشاط! حسر الله عبد الرحمن إن لم يؤدبكم حتى يحسركم يا معشر من لا أدري أعرب أم عجم، لكي لا تقولوا لي ما يبلغني أنكم تقولون لمعاوية، أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من قد عجمته العاجمات، أنا ابن فاقئ الردة، والله لئن بلغني يا صعصعة ابن ذل أن أحداً ممن معي دق أنفك ثم أمصك، لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى).
ولوح لهم عبد الرحمن بهذه الكلمات التي هي كبريق سيف أبيه، وأقامهم أشهراً كلما ركب أمشاهم، فإذا مر به صعصعة قال: (يا ابن الخطيئة؛ أعلمت أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر؟! ما لك لا تقول كما كان يبلغني أنك تقول لسعيد ومعاوية! فيقول ويقولون: نتوب إلى الله، أقلنا أقالك الله! فما زالوا به حتى قال: تاب الله عليكم)، ثم سرح الأشتر إلى عثمان، وقال لهم: ما شئتم، إن شئتم فاخرجوا، وإن شئتم فأقيموا وخرج الأشتر، فأتى عثمان بالتوبة والندم والنزوع عنه وعن أصحابه، فقال عثمان للأشتر: احلل حيث شئت، فقال: مع عبد الرحمن بن خالد، وذكر من فضله، فقال عثمان: ذاك إليكم فرجع إلى عبد الرحمن)، وأثناء رجوع الأشتر إلى عبد الرحمن بن خالد في حمص قابل رسول من الكوفة يحمل رسالة من يزيد بن قيس الأرحبي إلى الأشتر ومن معه يخبرهم فيها ببدأ تحركهم ضد عثمان كما سيأتي تفصيله فيما بعد.

أوكار الفتنة في البصرة

مثلما افترى بعض أهل الكوفة على ولاتهم مثل سعد بن أبي وقاص والوليد بن عقبة وسعيد بن العاص، كذلك كان في البصرة من في قلبه دغل وفي نفسه حب للفتنة ورغبة في الافتراء والطعن على ولاة الأمر، فقد مات عمر وعلى البصرة الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري، وقد أوصى عمر الخليفة من بعده أن يقره عليها أربع سنين تمييزاً له عن بقية ولاة الأمصار، ففعل عثمان، بل بقي أبو موسى نحو ست سنين إلى سنة ٢٩ه‍.
وكان يسوس أهل البصرة بالعدل والرحمة مع الجهاد والفتح، وحدث أنه انتقض الأكراد على الدولة، فحث أبو موسى على الجهاد لتأديبهم، وخرج الناس وخرج هو في ثقله، فرآه بعض أصحاب الهوى والفتنة وتمسكوا بعنان دابته وأرادوه على الترجل مثلهم، فحاورهم حتى قنعهم لكن المفترين ما قبلوا ذلك، فأغدوا السير إلى المدينة وطلبوا من الخليفة عزل أبي موسى، وقالوا: (ما كل ما نعلم نحب أن نقوله، فأبدلنا به، فقال: من تحبون؟ فقال غيلان بن خرشة: في كل أحد عوض من هذا العبد الذي قد أكل أرضنا، وأحيا أمر الجاهلية فينا، فلا ننفك من أشعري كان يعظم ملكه عن الأشعريين، ويستصغر ملك البصرة وإذا أمرت علينا صغيراً كان فيه عوض منه، أو مهتراً كان فيه عوض منه، ومن بين ذلك من جميع الناس خير منه). فدعا عبد الله بن عامر فأمره على البصرة.
وكلام هذا المفتري وطعنه على الوالي الجليل، يدل على المستوى الديني والأخلاقي والنفسي الذي ينطوي عليه هؤلاء، ومدى افترائهم وضلالهم وحبهم للفتنة والإزراء على الكبار. وسار فيهم ابن عامر على خير سير الولاة، في العدل والرحمة والإنصاف ورغد العيش، والجهاد والفتوحات الواسعة، لكن الفتانين بقوا على أخلاقهم وسوء سيرتهم وخبث سريرتهم، وإن كانوا أقل حدة في ذلك من أهل الكوفة. كان حمران بن أبان قد تزوج امرأة في عدتها، فنكل به عثمان، وفرق بينهما، ونفاه إلى البصرة، فلزم أميرها عبد الله بن عامر لكنه افترى على التابعي الجليل الزاهد العابد عامر بن عبد قيس، ووشى به إلى الأمير: أنه لا يرى لآل إبراهيم عليه السلام عليه فضلاً ولا يشهد الجمعة، ولا يرى التزويج، ولا يأكل اللحم. فكشف عبدالله بن عامر عن أمره، فوجده مكذوباً عليه.
لكن حمران لج في افترائه، وتتبع عامر بن عبد قيس، وسعى به، وشهد معه قوم، فأمر عثمان رضي الله عنه عبد الله بن عامر والي البصرة أن يرسل التابعي الجليل عامر بن عبد القيس إلى معاوية بالشام، وفتش معاوية عن أحوال عامر، فوجده من خيار الناس تقوى وعبادة وزهداً وورعاً، فطلب إليه أن يرجع إلى بلده البصرة، فقال عامر: لا أرجع إلى بلد استحل أهلها مني ما استحلوا، ولكني أقيم بهذا البلد الذي اختاره الله لي.
ومن أمثال غيلان بن خرشة ومن قاموا معه على أبي موسى الأشعري، وحمران ومن شهد معه زوراً على ذاك العبد الصالح؛ كانت بذور الفتنة في أرض البصرة، فأنتجت ثماراً مرة.
وكان في البصرة اللص حكيم بن جبلة، وقد نزل عليه عبد الله بن سبأ، واجتمع إليه نفر فطرح لهم أضاليله وافتراءاته، فقبلوا منه واستعظموه، فعلم به عبد الله بن عامر فأخرجه من البصرة، فذهب إلى الكوفة، ثم إلى مصر فاستقو بها، وجعل يكاتبهم ويكاتبونه، ويختلف الرجال بينهم.

أوكار الفتنة في مصر

تعود بذور الشر والفتنة في مصر إلى أيام واليها الفاتح عمرو بن العاص؛ وذلك أن الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو مقهورين معه، لا يستطيعون أن يتكلموا بسوء في خليفة ولا أمير، فما زالوا حتى شكوه إلى عثمان لينزعه عنهم ويولي عليهم من هو ألين منه، فلم يزل ذلك دأبهم حتى عزل عمرو عن الحرب وتركه على الصلاة، وولى على الحرب والخراج عبد الله بن سعد بن أبي سرح ثم سعوا بينهما بالنميمة، فأرسل عثمان إلى عمرو أن يقدم عليه، وجمع لابن أبي سرح ولاية مصر كلها.
وكان الذي مشى بينهما بالنميمة سودان بن حمران وكنانة بن بشر وأشباههما ومن بذور الفتنة أولئك الذين تغضبوا على ابن أبي سرح عندما أخذ خمس الخمس من الغنائم كما وعده أمير المؤمنين فاستنكروا ذلك وارتعدت له آنافهم، وساروا إلى المدينة وشكوا واليهم وطلبوا من عثمان أن يأمره برد النفل فاستجاب لهم عثمان وأداً للفتنة.
ومن رؤوس الفتنة والسعاة فيها محمد بن أبي حذيفة، سأل سائل سعيد بن المسيب عن محمد بن أبي حذيفة: ما دعاه إلى الخروج على عثمان؟ فقال: كان يتيماً في حجر عثمان، فكان عثمان والي أيتام أهله، ومحتمل كلهم فسأل عثمان العمل حين ولي، فقال: يا بني، لو كنت رضا ثم سألتني العمل لاستعملتك ولكن لست هناك قال: فأذن لي فلاخرج فلأطلب ما يقوتني، قال: اذهب حيث شئت وجهزه من عنده، وحمله وأعطاه، فلما وقع إلى مصر كان فيمن تغير عليه أن منعه الولاية.
ولما قدم عبد الله بن سبأ مصر، وأخذ يلقي أباطيله على بعض رؤوس الشر مثل كنانة بن بشر وسودان بن حمران والغافقي بن حرب كان من أسرع الناس استجابة له محمد بن أبي حذيفة، وكان له دور في التأليب على فاتح مصر عمرو بن العاص واستمر في إثارة الفوضى وتأريث الفتنة على الوالي ابن أبي سرح، وذلك في وقت الجهاد والناس يخوضون قتالاً شرساً في معركة ذات الصواري، وبعد انتهاء المعركة جعل ابن أبي حذيفة يقول للرجل: أما والله لقد تركنا خلفنا الجهاد حقاً، فيقول الرجل: وأي جهاد؟ فيقول: عثمان بن عفان فعل كذا وكذا، وفعل كذا وكذا حتى أفسد الناس فقدموا بلدهم وقد أفسدهم، وأظهروا من القول ما لم يكونوا ينطقون به.
ويقول الزهري: (خرج محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر عام خرج عبد الله بن سعد، فأظهرا عيب عثمان وما غير وما خالف أبا بكر وعمر، وأن دم عثمان حلال ويقولون: استعمل عبد الله بن سعد رجلاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح دمه ونزل القرآن بكفره، وأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً وأدخلهم عثمان، ونزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعمل سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر فبلغ ذلك عبد الله بن سعد فقال: لا تركبا معنا، فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين، ولقوا العدو، وكانا أكل المسلمين قتالاً فقيل لهما في ذلك، فقالا: كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكمه عبد الله بن سعد استعمله عثمان، وعثمان فعل وفعل فأفسدا أهل تلك الغزاة، وعابا عثمان أشد العيب فأرسل عبد الله بن سعد إليهما ينهاهما أشد النهي، وقال: والله لولا أني لا أدري ما يوافق أمير المؤمنين، لعاقبتكما وحبستكما.
وأرسل ابن أبي سرح إلى أمير المؤمنين ليوقفه على الأمر، ويخبره أن محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر قد أفسدا عليه البلاد، فكتب إليه عثمان: (أما ابن أبي بكر فإنه يوهب لأبيه ولعائشة، وأما ابن أبي حذيفة فإنه ابني وابن أخي وتربيتي وهو فرخ قريش)، فكتب إليه ابن أبي سرح: (إن هذا الفرخ قد استوى ريشه ولم يبق إلا أن يطير!).
وحاول أمير المؤمنين ووالي مصر استصلاحهما، وأصر ابن أبي حذيفة على اتهام عثمان وابن أبي سرح، وأخذ يكيل التهم ويصدر الأكاذيب هو ومن معه، ومن ذلك أن عثمان بعث إليه مالاً في مصر، فأخرج ابن أبي حذيفة المال أمام عامة الناس، وقال: إن عثمان يريد أن يرشوني، فزاده ذلك في نظر العامة تعظيماً، وزاد في إفساده فقام بتزوير الكتب على ألسنة أمهات المؤمنين، وهكذا كانت مصر تضطرم بنار الفتن ونشر الشائعات والأكاذيب، بفعل أولئك المنحرفين والموتورين وأصحاب الأهواء.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب