نسبه وإسلامه
هو زيد بن ثابت بن الضّحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد
عوف بن غنم بن مالك بن النجار بن ثعلبة الأنصاري من بني النجار أخوال رسول
الله بالمدينة، زوجته: أم العلاء الأنصارية ووالدة ابنه خارجة بن زيد بن
ثابت.
يوم قدم رسول الله المدينة كان يتيماً فوالده توفي يوم بعاث
وعُمره كانَ لا يتجاوز إحدى عشرة سنة، وأسلم مع أهله وباركه الرسول محمد
صلى الله عليه وسلم بالدعاء.
خرج مع قوم من الأنصار إلى غزوة بدر، لكن
رسول الله رده لصغر سنه وجسمه، وفي غزوة أحد ذهب مع جماعة من أترابه إلى
الرسول محمد يرجون أن يضمهم للمجاهدين وأهلهم كانوا يرجون أكثر منهم، ونظر
إليهم الرسول شاكرا وكأنه يريد الاعتذار، ولكن رافع بن خديج وهو أحدهم تقدم
إلى الرسول وهو يحمل حربة ويستعرض بها قائلا: " إني كما ترى، أجيد الرمي
فأذن لي " فأذن له، وتقدم سمرة بن جندب وقال بعض أهله للرسول: " إن سمرة
يصرع رافعا ". فحياه الرسول وأذن له.
قال زيد بن ثابت: كانت وقعة بعاث
وأنا بن ست سنين وكانت قبل هجرة رسول الله بخمس سنين فقدم رسول الله
المدينة وأنا بن إحدى عشرة سنة وأتي بي إلى رسول الله فقالوا غلام من
الخزرج قد قرأ ست عشرة سورة فلم أجز في بدر ولا أحد وأجزت في الخندق.
وكانت
مع زيد راية بني النجار يوم تبوك، وكانت أولاً مع عُمارة بن حزم، فأخذها
النبي منه فدفعها لزيد بن ثابت فقال عُمارة: يا رسول الله! بلغكَ عنّي
شيءٌ؟!. قال الرسول: "لا، ولكن القرآن مقدَّم، وزيد أكثر أخذا منك للقرآن".
وكان
عمر بن الخطاب يستخلفه إذا حجّ على المدينة، وزيد هو الذي تولى قسمة
الغنائم يوم اليرموك، وهو أحد أصحاب الفَتْوى الستة: عمر وعلي وابن مسعود
وأبيّ وأبو موسى وزيد بن ثابت، فما كان عمر ولا عثمان يقدّمان على زيد
أحداً في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة، وقد استعمله عمر على القضاء
وفرض له رزقاً.
وبعد وفاة الرسول اجتمع الناس في سقيفة بني ساعدة،
لاختيار خليفة منهما، فقد قال الأنصار للمهاجرين رجل منا ورجل منكم، ولكن
زيد بن ثابت كاتب الوحي قال رأياً سديداً جعل الناس جميعاً ترضى بحكمه، قال
:(إن رسول الله كان من المهاجرين ونحن أنصاره، وإني أرى أن يكون الإمام من
المهاجرين ونحن نكون أيضا أنصاره).
ففي غزوة تبوك حمل عُمارة بن حزم
أولا راية بني النجار، فأخذها النبي منه فدفعها لزيد بن ثابت فقال عُمارة: "
يا رسول الله! بلغكَ عنّي شيءٌ؟ " فقال له الرسول: " لا، ولكن القرآن
مقدَّم ".
وذكر ان زيد ذهب ليركب، فأمسك ابن عباس بالركاب، فقال له زيد:
" تنح يا ابن عم رسول الله! " فأجابه ابن عباس: "لا، فهكذا نصنع
بعلمائنا". كما قال ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت: " ما رأيت رجلا أفكه في
بيته، ولا أوقر في مجلسه من زيد ".
علم زيد بن ثابت رضي الله عنه
كان
زيد مثقفا وتفوق في العلم والحكمة، وحين بدأ الرسول في إبلاغ دعوته للعالم
الخارجي، وإرسال كتبه لملوك الأرض وقياصرتها، أمر زيدا أن يتعلم بعض
لغاتهم فتعلمها في وقت وجيز، يقول زيد: «أُتيَ بيَ النبي مَقْدَمه المدينة،
فقيل: هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة. فقرأت عليه فأعجبه ذلك،
فقال: " تعلّمْ كتاب يهود، فإنّي ما آمنهم على كتابي ". ففعلتُ، فما مضى لي
نصف شهر حتى حَذِقْتُهُ، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأتُ له».
ثم طلب إليه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتعلم "السريانية" فتعلمها في
سبعة عشر يوماً.
وعن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت قال: قال لي رسول
الله: "أتحسن السريانية؟" قلت: لا. قال: "فتعلمها فإنه تأتينا كتب". قال
فتعلمتها في سبعة عشر يومًا. قال الأعمش: كانت تأتيه كتب لا يشتهى أن يطلع
عليها إلا من يثق به، من هنا أطلق عليه لقب ترجمان الرسول.
وعن عامر
قال: كان فداء أهل بدر أربعين أوقية أربعين أوقية فمن لم يكن عنده علم عشرة
من المسلمين الكتابة فكان زيد بن ثابت ممن علم، لقد كان مثقفًا متنوع
المزاي، يتابع القرآن حفظ، ويكتب الوحي لرسوله.
وقال النبي عنه: " أفرض أمتي زيد بن ثابت".
وكان عمر بن الخطاب يستخلفه إذا حج على المدينة.
وقد
قرأ زيد على رسول الله صلى الله عليه و سلم في العام الذي توفي فيه مرتين،
وإنما سميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت لأنه كتبها لرسول الله وقرأها
عليه، وشَهِدَ العرضة الأخيرة، وكان يُقرئ الناس بها حتى مات.
قال
الزهري: لو هلك عثمان وزيد في بعض الزمان، لهلك علم الفرائض، لقد أتى على
الناس زمان وما يعلمها غيرهما، وقال جعفر بن برقان: سمعت الزهري يقول: لولا
أن زيد بن ثابت كتب الفرائض، لرأيت أنها ستذهب من الناس.
قال ابن سيرين: " غلب زيد بن ثابت الناس بخصلتين، بالقرآن والفرائض ".
زيد بن ثابت وجمع القرآن
بعد
وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد انتهاء معركة اليمامة كان عدد
الشهداء من حفظة القرآن كبيرا، ففزع عمر بن الخطاب إلى الخليفة أبي بكر
الصديق راغبا في أن يجمع القرآن قبل أن يدرك الموت بقية القراء والحفاظ،
واستخار الخليفة ربه، وشاور صحبه ثم دعا زيد بن ثابت وقال له: " إنك شاب
عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتَتَبَّع
القرآنَ فاجْمَعْهُ ". فقلت : كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى
الله عليه وسلم! فقال : هو والله خير. وقال زيد بن ثابت، فلم يزل أبو بكر
يراجعني، حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر.
ونهض زيد
بالمهمة يقابل ويعارض ويتحرى مكانه، وقال زيد بن ثابت في جمع القرآن قال:
«والله لو كلفوني نقل جبل من مكانه لكان أهون علي مما أمروني به من جمع
القرآن». كما قال: «فكنتُ أتبع القرآن أجمعه من الرّقاع والأكتاف والعُسُب
وصدور الرجال». وأنجز المهمة وجمع القرآن في مصحف واحد.
وفي خلافة عثمان
بن عفان ازداد أعداد المسلمين فأصبح جليا ما يمكن أن يفضي إليه تعدد
المصاحف من خطر حين بدأت الألسنة تختلف على القرآن حتى بين الصحابة
الأقدمين الأولين، فقرر عثمان والصحابة وعلى رأسهم حذيفة بن اليمان ضرورة
توحيد المصحف، فقال عثمان: " مَنْ أكتب الناس؟ ". قالوا: " كاتب رسول الله
زيد بن ثابت ". قال: " فأي الناس أعربُ؟ ". قالوا: " سعيد بن العاص ". وكان
سعيد بن العاص أشبه لهجة برسول الله، فقال عثمان: " فليُملِ سعيد وليكتب
زيدٌ "، فجمع زيد أصحابه وأعوانه وجاءوا بالمصاحف من بيت حفصة بنت عمر
وباشروا مهمتهم.
وفاة زيد بن ثابت
توفي سنة 45هـ في عهد معاوية، ولما مات رثاه حسان بقوله:
فمن للقوافي بعد حسان وابنه
ومن للمعاني بعد زيد بن ثابت
و عن يحيى بن سعيد قال: لما مات زيد بن ثابت قال أبو هريرة: مات اليوم حبر هذه الأمة، ولعل الله يجعل في ابن عباس منه خلف.

إرسال تعليق