نسبه
هو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن النعمان بن أبي حزيمة بن
ثعلبة بن طريف بن الخزرج الأنصاري، سيِّد الخزرج، يكنى أبا ثابت وأبا قيس،
وكانت أمُّه عمرة بنت مسعود من المبايعات، وقد توفيت بالمدينة في زمن النبي
سنة خمس، وكان يكتب بالعربية في الجاهلية، وكان يحسن العوم والرمي؛ ولذلك
سُميَ الكامل.
إسلامه رضي الله عنه
بعد أن تمت بيعة العقبة سراً،
وأصبح الأنصار يتهيئون للسفر، علمت قريش بما كان من مبايعة الأنصار
واتفاقهم مع الرسول محمد على الهجرة إلى يثرب حيث يقفون معه ومن ورائه، جنّ
جنون قريش فراحت تطارد الركب المسافر حتى أدركت من رجاله سعد بن عبادة،
فأخذه المشركون وربطوا يديه إلى عنقه بشراك رحله وعادوا به إلى مكة، حيث
احتشدوا حوله يضربونه وينزلون به ما شاءوا من العذاب.
بعد أن هاجر
الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يثرب، سخّر سعد أمواله لخدمة المهاجرين، فقد
كان سعد جوادا بالفطرة وبالوراثة فهو ابن عبادة بن دليم بن حارثة الذي
كانت شهرة جوده في الجاهلية أوسع من كل شهرة. ولقد صار جود سعد في الإسلام
آية من آيات إيمانه، فقد قال الرواة عن جوده هذا: « كانت جفنة سعد تدور مع
النبي في بيوته جميعا». وقالوا: «كان الرجل من الأنصار ينطلق إلى داره
بالواحد من المهاجرين أو بالاثنين أو بالثلاثة، وكان سعد بن عبادة ينطلق
بالثمانين».
كان سعد بن عبادة حاله كحال آبائه في الجاهلية في السخاء
والكرم، وكان مشهورًا بالجود، وكان لهم أُطُم يُنادى عليها كل يوم: "من أحب
الشحم واللحم، فليأتِ أُطُم دليم بن حارثة".
من أجل هذا كان سعد يسأل
ربه دائما المزيد من خيره ورزقه. وكان يقول: «اللهم إنه لا يصلحني القليل،
ولا أصلح عليه». ومن أجل هذا كان خليقا بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم
له: « اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة ».
ولم يضع سعد
ثروته وحدها في خدمة الإسلام، بل وضع قوته ومهارته. فقد كان يجيد الرمي،
وفي غزواته مع الرسول كانت فدائيته حازمة وحاسمة. يقول ابن عباس: «"كان
لرسول الله في المواطن كلها رايتان، مع علي بن أبي طالب راية المهاجرين،
ومع سعد بن عبادة راية الأنصار"».
ومن مواقف سعد بن عبادة مع النبي
صلى الله عليه وسلم موقفه يوم بدر، فقد أراد النبي أن يعرف رأي الأنصار،
فشاور النبي أصحابه حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال: فتكلم أبو بكر فأعرض
عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقال سعد بن عبادة: "إيانا تريد يا رسول الله،
والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب
أكباد الإبل الغماد لفعلنا". فندب رسول الله الناس.
وموقفه يوم
الخندق: قال أبو عمر: أرسل رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم إلى سعد بن
معاذ وسعد بن عبادة يوم الخندق يشاورهما فيما أراد أن يُعطيه يومئذ عُيينة
بن حصن من تمر المدينة، وذلك أنه اراد أن يعطيه يومئذ ثلث أثمار المدينة،
لينصرف بمن معه من غطفان، ويخذل الأحزاب، فأبى عُيينة إلا أن يأخذ نصف
التمر، فأرسل رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ وسعد بن
عبادة دون سائر الأنصار؛ لأنهما كانا سيّديْ قومهما؛ كان سَعْدُ بن معاذ
سيدًا لأوّسِ، وسعد بن عُبادة سيّدًا لخرزج، فشاورهما في ذلك، فقالا: يا
رسول الله؛ إن كنت أمَرْتَ بشيء فافعله وامْض له، وإن كان غَيْر ذلك فوالله
لا نعطيهم إلا السّيف. فقال رسولُ الله: "لِم أَومَر بِشَيْءٍ، وَلَوْ
أُمِرْتُ بِشَيْءٍ مَا شَاوَرْتُكُمَا، وَإِنَّمَا هُوَ رَأْيٌ أَعْرِضُهُ
عَلَيْكُمَا" فقالا: والله يا رسول الله ما طمعوا بذلك منّا قطّ في
الجاهليّة، فكيف اليوم؟ وقد هدانا الله بك وأكرمنا وأعزّنا. والله لا
نعطيهم إلا السَّيف. فسُرّ بذلك رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم ودعا
لهما، وقال لعيينة بن حصن ومن معه: "ارجعوا فليس بيننا وبنيكم إلا
السّيف"، ورفع بها صوته.
وفي سعد بن عبادة وسعد بن معاذ جاء الخبر المأثور: إن قريشًا سمعوا صائحًا يصيح ليلًا على أَبي قبيس:
فَإِنْ يُسْلِمِ السَّعْدَانِ يُصْبِحْ مُحَمَّدٌ بِمَكَّةَ لَا يَخْشَى خِلَافَ مُخَالِفِ
قال: فظنَّتْ قريش أنهما سعد بن زيد مناة بن تميم وسعد بن هُذَيم، من قضاعة، فلما كان اللّيلة الثّانية سمعوا صوتًا على أَبي قبيس:
أَيَا سَعْدَ سَعْدَ الأَوْسِ كُنْ أَنْتَ نَاصِرًا
وَيَا سَعْدَ سَعْدَ الخَزْرَجَينِ الغَطارِفِ
أَجِيبَا إِلِــى دَاعِي الـهُدَي وَتَـمَنَّيَا
عَلَى اللَّهِ فِي الفِرْدَوْسِ مُنْيَةَ عَارِفِ
فَـإِنَّ ثَـوَابَ الـلَّـهِ لِـلـطَّالِـبِ الـهُدَى
جِنـَانٌ مِنَ الـفْـرْدَوْسِ ذَاتُ رَفَارِفِ
قال فقالوا: هذان والله سعد بن معاذ، وسعد بن عُبادة.
وكذلك
مواقفه عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث اجتمع المهاجرون والأنصار
في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة للنبي وكان سعد بن عبادة بينهم وبه وعكة
ألمت به. وفقا لرواية ذكرها البخاري في صحيحه نقلاً عن عمر بن الخطاب، فإن
خطيب الأنصار خطب قائلاً: « أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم
معشر المهاجرين رهط وقد دفت دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا من
أصلنا وأن يحضنونا من الأمر»، ولما سكت أراد عمر بن الخطاب أن يتكلم ولكن
أبا بكر أسكته وتحدث هو وقال مخاطبا: «ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل
ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد
رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة عامر بن الجراح
فبايعوا أيهما شئتم».
فرد عليه الحباب بن المنذر قائلا: «أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش»
وبعد
ذلك كثر اللغط وارتفعت الأصوات فقال عمر بن الخطاب ابسط يدك يا أبا بكر
فبسط يده فبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار ويقول ابن الخطاب ثم نزونا على
سعد بن عبادة فقال قائل منهم، أي من معشر الانصار، «قتلتم (أي خذلتموه)
سعد بن عبادة» فرد عمر بن الخطاب وقال: «قتل الله سعد بن عبادة وإنا والله
ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم
ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا فإما بايعناهم على ما لا نرضى
وإما نخالفهم فيكون فساد»، وبقي سعد بن عبادة ثابتاً على رأيه، ولم يبايع
أحدًا إلى أن مات.
منزلة سعد بن عبادة ومكانته:
روى أبو داود من حديث قيس بن سعد أن النبي قال: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة".
وروى أبو يعلى من حديث جابر قال: قال رسول الله: "جزى الله الأنصار خيرًا، لا سيما عبد الله بن حرام وسعد بن عبادة".
وعن
ابن عباس قال: لما نزلت {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ
يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً
وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 2]، قال سعد بن عبادة
وهو سيد الأنصار: هكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله: "يا معشر
الأنصار، ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟" قالوا: يا رسول الله، لا تلمه؛ فإنه
رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرًا، وما طلق امرأة قط فاجترأ رجل
منا أن يتزوجها من شدة غيرته. فقال سعد: "والله -يا رسول الله- إني لأعلم
أنها حق، وأنها من عند الله، ولكني تعجبت أني لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل،
لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فو الله لا آتي بهم
حتى يقضي حاجته!".
يروي أنس أن النبي جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز
وزيت فأكل، ثم قال النبي: "أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصائِمُونَ، وأكَلَ
طَعَامَكُمُ الأبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلاَئِكَةُ".
كان سعد بن عبادة يقول: "اللهم هب لي مجدًا ولا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم لا يصلحني القليل ولا أصلح عليه".
يقول
عبد الله بن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي يعوده مع
عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه
وجده في غاشية أهله، فقال: "قد قضي؟" قالوا: لا، يا رسول الله. فبكى النبي
r، فلما رأى القوم بكاء النبي بكوا، فقال: "ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب
بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم، وإن
الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه".
لما أُصيب زيد بن حارثة أتاهم رسول
الله، فجهشت بنت زيد في وجه رسول الله r، فبكى رسول الله حتى انتحب، فقال
له سعد بن عبادة: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: "هذا شوق الحبيب إلى حبيبه".
ولم
يقتصر التعليم أو التربية على الإيمان فقط، بل امتد إلى أكثر من ذلك،
فيعلمه النبي بأن يأخذ حذره، وذلك لما دعاه رجل من الليل فخرج إليه، فضربه
الرجل بسيفٍ فأشواه، فجاءه النبي يعوده من تلك الضربة، ولامه على خروجه
ليلاً، وهذا هو موضع الفقه.
وفاة سعد بن عبادة رضي الله عنه
تُوفي سعد بن عبادة بحَوْرَان من أرض الشام، قيل: سنة ثلاث عشرة، وقيل: سنة أربع عشرة.
وقيل
أن الجن قتلته: فقد ذكر ابن عبد البر في كتابه "الاستيعاب" أن سعد بن
عبادة تخلف عن بيعة أبي بكر، وخرج من المدينة، ولم ينصرف إليها إلى أن مات
بحوران من أرض الشام لسنتين ونصف مضتا من خلافة عمر، وذلك سنة خمس عشرة.
وقيل سنة أربع عشرة. وقيل: بل مات سعد بن عبادة في خلافة أبي بكر سنة إحدى
عشرة. ولم يختلفوا أنه وجد ميتا في مغتسله، وقد أخضر جسده، ولم يشعروا
بموته حتى سمعوا قائلا يقول- ولا يرون أحدا: «قتلنا سيّد الخزرج ... سعد بن
عباده، رميناه بسهم ... فلم يخط فؤاده».
وقال ابن الأثير: فلما سمع
الغلمان ذلك ذعروا فحفظ ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعد بالشام.
وقال ابن سيرين: بينما سعد يبول قائما إذ اتكأ فمات، قتلته الجن. وفي تاريخ
ابن عساكر عن ابن عون عن محمد أن سعد بال وهو قائم فمات فسمع قائلا يقول
"قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة، ورميناه بسهم فلم يخط فؤاده". وعن عبد
الأعلى أن سعد بن عبادة بال قائما فرمي فلم يدر بذلك حتى سمعوا «قتلنا سيد
الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهم فلم يخط فؤاده». وعن سعيد بن عبد العزيز
قال: أول مدينة فتحت بالشام بصرى وفيها مات سعد بن عبادة.
قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى":
"أَخْبَرَنَا
يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ
قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يُحَدِّثُ : أَنَّ سَعْدَ بْنَ
عُبَادَةَ بَالَ قَائِمًا ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لأَصْحَابِهِ: إِنِّي
لأَجِدُ دَبِيبًا ، فَمَاتَ ، فَسَمِعُوا الْجِنَّ تَقُولُ:
قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بن عبادة
رميناه بسهمين فلم نخط فؤاده "انتهى.
وقال
الأَصْمَعِيُّ: "حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بنُ بِلاَلٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءَ
قَالَ: قُتِلَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ بِالشَّامِ، رَمَتْهُ الجِنُّ
بِحوْرَانَ."انتهى من "سير أعلام النبلاء".
ينحدر من نسله بني نصر'، أو
النصريون، أو بنو الأحمر، وهي أسرة حكمت غرناطة في أواخر العصر الإسلامي
بالأندلس حتى سقوط غرناطة في عصر آخر ملوك بني الآحمر أبو عبد الله محمد
عام 1492م، وهي آخر أسرة عربية إسلامية حكمت في الأندلس، وكان ذلك في
غرناطة.

إرسال تعليق