تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

معركة النهروان



مناظرة ابن عباس رضي الله عنه  للخوارج

ناظرهم علي رضي الله عنه؛ وبعث إليهم حبر الأمة ابن عباس فناظرهم، فرجع كثير منهم إلى الحق. فبعث إليهم علي عبدالله بن العباس رضي الله عنه حتي إذا توسّطًْ عسكرَهُم قام ابن الكَوَاء يخطّب الناس فقال: يا حَمَلّة القرآن إِنَّ هذا عبد الله بن عباس فمن لم يكن يعرفه فأنا أَعَرْفُهُ من كتاب الله ما يعرفُه به هذا ممّن نَرَّل فيه وفي قومه:( قوْمْ خَصِمُونَ) [الزخرف: 58] فَرُدُوه إلى صاحبه ولا تُواضِعُوه كتاب الله. فقام خطباؤهم فقالوا: والله لَنوَاضِعنه كتاب الله فإن جاء بحقٌ نعرفه َلنتَبِعَنه وإِنْ جاء بباطل لَنبَكْتَنهُ بباطله.
فواضَّعُوا عبدّ الله الكتاب ثلاثة أيام؛ فرَجَع منهم أربعةٌ آلاف كلهم تائبٌ، فيهم ابن الكَوَّاء حتى أَدْخَلَهِم على علي الكوفةً.

عن عبد الله بن عباس، قال: (لما خرجت الحرورية اعتزلوا في دار، وكانوا ستة آلاف فقلت لعلي: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة، لعلي أكلم هؤلاء القوم. قال: إني أخافهم عليك قلت: كلا، فلبست، وترجلت، ودخلت عليهم في دار نصف النهار، وهم يأكلون فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس، فما جاء بك؟ قلت لهم: أتيتكم من عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين، والأنصار، ومن عند ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصهره، وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، لأبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون، فانتحى لي نفر منهم قلت: هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه قالوا: ثلاث قلت: ما هن؟ قال: أما إحداهن، فإنه حكم الرجال في أمر الله وقال الله: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} [الأنعام: 57] ما شأن الرجال والحكم؟ قلت: هذه واحدة. قالوا: وأما الثانية، فإنه قاتل، ولم يسب، ولم يغنم، إن كانوا كفارًا لقد حل سباهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حل سباهم ولا قتالهم، قلت: هذه ثنتان، فما الثالثة؟ قالوا: محى نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين. قلت: هل عندكم شيء غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا. قلت: لهم أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه، وسنة نبيه ما يرد قولكم أترجعون؟ قالوا: نعم قلت: أما قولكم: حكم الرجال في أمر الله، فإني أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صير الله حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم، فأمر الله تبارك وتعالى أن يحكموا فيه أرأيت قول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} [المائدة: 95] وكان من حكم الله أنه صيره إلى الرجال يحكمون فيه، ولو شاء لحكم فيه، فجاز من حكم الرجال، أنشدكم بالله أحكم الرجال في صلاح ذات البين، وحقن دمائهم أفضل أو في أرنب؟ قالوا: بلى، هذا أفضل وفي المرأة وزوجها: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35] فنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات بينهم، وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة؟ خرجت من هذه؟ قالوا: نعم. قلت: وأما قولكم: قاتل ولم يَسْبِ، ولم يغنم. أفتسبون أمكم عائشة، تستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم؟ فإن قلتم: إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمنا فقد كفرتم: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } [الأحزاب: 6] فأنتم بين ضلالتين، فأتوا منها بمخرج، أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، وأما محي نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون. إن نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية صالح المشركين فقال لعلي: اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: امح يا علي اللهم إنك تعلم أني رسول الله، امح يا علي، واكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله والله لرسول الله صلى الله عليه وسلم خير من علي، وقد محى نفسه، ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من النبوة، أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم، فقُتِلوا على ضلالتهم، فقتلهم المهاجرون والأنصار).

معركة النهروان

وانتقلوا بعد ذلك إلى الفعل فعاثوا في الأرض فساداً وسفكوا الدماء وقطعوا السبيل، واستحلوا المحارم؛ وقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين، ومرٌ بهم عبد الله بن خَبَاب بن الأرتّ وكان والياً لعلي على بعض تلك البلاد ومعه سُرّيَة وهي حامل فقتلوه وبقروا بطن سُرّيّته عن ولد.
ولقي بعضهم خنزيراً لبعض أهل الذمة، فضربه بعضّهم فشّقَّ جلده، فقال له آخر: لم فعلت هذا وهو لذمي؟ فذهب إلى ذلك الذمي، فاستحلّه وأرضاه. ومروا بِنَخْل فسقطت تمرة من نخلة، فأخذها أحدهم فألقاها في فمه، فقال له آخر: بغير إذنْ ولا ثمن؟! فألقاها ذاك من فمه.
يروي ذلك رجل من عبد القيس قال: كنت مع الخوارج فرأيت منهم شيئًا كرهته، ففارقتهم على أن لا أكثر عليهم، فبينما أنا مع طائفة منهم إذ رأوا رجلاً خرج كأنه فزع، وبينهم وبينه نهر، فقطعوا إليه النهر فقالوا: كأنَّا رعناك؟
قال: أجل.
قالوا: ومن أنت؟
قال: أنا عبد الله بن خباب بن الأرت.
قالوا: عندك حديث تحدثناه عن أبيك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قال: سمعته يقول: إنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن فتنة جائية، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، فإذا لقيتهم، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فلا تكن عبد الله القاتل.
فأخذوه وسريَّة له معه، فمر بعضهم على تمرة ساقطة من نخلة فأخذها فألقاها في فِيه، فقال بعضهم: تمرة معاهد، فبم استحللتها؟ فألقاها من فيه، ثم مروا على خنزير فنفحه بعضهم بسيفه، فقال بعضهم: خنزير معاهد، فبم استحللته؟
فقال عبد الله: ألا أدلكم على ما هو أعظم عليكم حرمة من هذا؟!
قالوا: نعم.
قال: أنا فقدموه فضربوا عنقه، فرأيت دمه يسيل على الماء كأنه شراك نعل اندفر بالماء حتى توارى عنه، ثم دعوا بسرية له حبلى فبقروا عما في بطنها.
فأثار هذا العمل الرعب بين الناس وأظهر مدى إرهابهم ببقر بطن هذه المرأة وذبحهم عبد الله كما تذبح الشاة، ولم يكتفوا بهذا بل صاروا يهددون الناس قتلاً، حتى إن بعضهم استنكر عليهم هذا العمل قائلين: ويلكم ما على هذا فارقنا عليًّا.

فبلغ عليّاً ما فعلوه من قَتل المسلمين فتوجّه إليهم بجيشه؛ وبعث بين يديه قيس بن سعد بن عُبادة، وبعث إلى الخوارج أن ادفعوا إلينا قتلة ‏إخواننا منكم حتى أقتلهم؛ ثم أنا تارككم وذاهبٌ إلى الشام ثم لعل الله أن يُقْبل بقلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه. فبعثوا إلى علي يقولون: كلنا قتلّ إخوانكم ونحن مستحلُون دماءهم ودماءكم، فتقدم إليهم قيس بن سعد فوعظهم فيما ارتكبوه من الأمر العظيم والَخطب الجسيم؛ فلم ينفع! ثم جاء أبو أيوب الأنصاري فأنَبْهم ووبّخهم؛ فلم يَنْجَح وتقدم إليهم أمير المؤمنيين علي فوعظهم وخوفهم وحذّرهم وأنذرهم وتوعّدهم؛ فلم يكن لهم جواب إلا أن تنادوا فيما بينهم أن لا تُخاطبوهم ولا تكلّموهم وتهيؤوا للقاء الله عز وجل الرواح الرواح إلى الجنة.
‏وتقدٌّموا واصطفوا للقتال وتأَهّبوا للنزال، ووقف علي بجيشه أمامهم، وأمر أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية أمان للخوارج، ويقول لهم: من جاء إلى هذه الراية فهو آمن؛ إنه لا حاجة لنا فيكم إلا فيمن قتل إخواننا، فانصرف منهم طوائف كثيرون، وكانوا في أربعة آلاف، فلم يبقَ منهم إلا ألف أو أقلّ مع عبدالله بن وَهْبٍ الراسبي فزحفوا إلى علي؛ فقدّم علي بين يديه الخيل، وقدَّم منهم الرماة وصففٌ الرجّالة وراء الخيّالة؛ وقال لأصحابه: كُُفوا عنهم حتى يبدؤوكم وأقبلت الخوارج يقولون: لا حَُكْمَ إلا لله الرواح الرواح إلى الجنة فحملوا على الخيالة الذين قدمهم علي ففرّقوهم حتى أخذت طائفة من الخيالة إلى الميمنة وأخرى إلى الميسرة، فاستقبلتهم الرماة بالنبل، وعطفت عليهم الخيالة من الميمنة والميسرة؛ ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف، فأناموا الخوارج، فصاروا صرعى تحت سنابك الخيول، وقتل أمراؤهم: عبدالله بن وهب وحرقوص بن زهير وشريح بن أوفى؛ ولم ينج منهم إلا دون العشرة؛ ولا قتل ممن مع علي إلا نحو العشرة، وكان ذلك في شعبان سنة ثمان وثلاثين للهجرة.

وفي حديث زيد بن وَهُب - المتقدم - عن علي رضي الله عنه قال: (لمّا كان يوم النهروان لقي الخوارج فلم يبرحوا حتى شجروا بالرماح، فقتلوا جميعاً قال علي: اطلّبوا ذا الثدَية. فطلبوه فلم يجدوه فقال علي: ما كَذَّبتُ ولا كُذِبتْ» اطلبوه فطّلبوه فوجدوه في وَهْدةٍ من الأرض، عليه ناسٌ من القتلى، فإذا رجلٌ على يده مِثلُ سَبَلات السَنوْر فكبّر علي والناس؛ وأعجَبهم ذلك).
وفي رواية: (فقال علي له: التَمِسُوا فيهم المُخَدَّج فِالتَمَسُوه فلم يجدوه فقام علي رضي الله عنه بنفْسه حتى أتى ناساً قد قُتل بعضّهم على بعض قال: أخُروهم؛ فوجدوه مما يلي الأرض فكبّر ثم قال: صَدّق الله وبَلْغْ رسوله).

العراق بعد معركة النهروان

قال أبو مِخْنف وغيره: (كان علي لما فرغ من أهل النهْروان، حَمِد لله وأثنى عليه ثم قال: إن الله قد أحسن بكم وأعزّ نصركم، فتوجّهوا من فُوركم هذا إلى عدوكم! قالوا: يا أمير المؤمنين، نفدت نبالنا وكلت سيوفنا ونصّلت أسنّة رماحنا وعاد أكثرها قِصَداً؛ فارجع إلى مصرنا فلنستعدٌ بأحسن عدّتنا ولعل أمير المؤمنين يزيد في عَدتنا عُدةَ من هلك منا فإنّه أوفى لنا على عدوّنا! وكان الذي تولى ذلك الكلام الأشعث بن قيس.
فأقبل حتى نزل النخَيلة فأمر الناسّ أن يلزموا عسكرهم ويوطنوا على الجهاد أنفسهم وأن يُقلّوا زيارة نسائهم وأبنائهم حتى يسيروا إلى عدوهم فأقاموا فيه أياماً ثم تسللوا من معسكرهم فدخلوا إلا رجالاً من وجوه الناس قليلاً؛ وترك العسكر خالياً فلما رأى ذلك دخل الكوفة وانكسر عليه رأيّه في المسير.
وعن زهير بن الأقمر الزبيدي قال: (خطبنا علي يوم جمعة فقال: نبئت أن بشراً قد طلع اليمن، وإني والله لأحسب أن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم؛ وما يظهرون عليكم إلا بعصيانكم إمامّكم وطاعتهم إمامّهم، وخيانتكم وأمانتهم، وإفسادكم في أرضِكم وإصلاحهم قد بَعثتُ فلاناً فْخَانَ وغدّر وبعثُت فلاناً فخان وغدّر وبَّعث المال إلى معاوية لو ائتمنت أحدّكم على قِدْح لأخذ علاقته.
اللهم سَئمتْهم وسئموني وكرهتّهم وكرهوني، اللّهمْ فأَرحني منهم وأرحهم منْي قال زهير: فما صلّى الجمعة الآخرى حتى قُتل رضي الله عنه وأرضاه).

بهذا وَصف أمير المؤمنين جيشّه ومن يزعمون حبّه ونُصرته وبعكسه في الفضائل وَصف أهلٌ الشام بالطاعة والأمانة والإصلاح، وليس بعد شهادة علي من قول، وهو ما يُضِرب به وجوه الرافضة وأذنابهم الذين يَصِفون أهلّ الشام بالكفر والفسوق في الدين.
وقد وصف ابن تيمية هذه الأخبار بأنها متواترة عن علي فقال: (وتواتر عنه أنه كان يتضجّر ويتململ من اختلاف رعيته عليه وأنه ما كان يَظن أن الأمر يَبُْلغ ما بلغ!).
بل جاءت هذه النصوص في «نهج البلاغة» أوثق كتاب عند عموم الشيعة» مع زيادات كثيرة قال: (يا أشباه الرجال ولا رجالَ! حُلومٌ الأطفال، وعقولُ ربّاتِ الحجَال؛ لَودِدتٌ أني لم أرَكم ولم أعرفكم معرفةً والله ‏ جددت ندماً وأعقبت سَدماً قاتلكم الله! لقد ملأتم قلبي قيحاً وشححتتم صدري غَيِظاً وجَرُعتُموني نُغبَ التّهمام أنفاساً وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان، أَيّ دارٍ بعد داركم تمنعون؟ ومع أي إمام بعدي تُقاتلون؟ المغرورٌ والله من غررتموه ومن فاز بكم فقد فاز والله بالسهم الأخيب!).

الشام بعد معركة صفين

في مقابل ضعف الجبهة العراقية، ووهن جيش أمير المؤمنين علي؛ وتخاذل جنده عن القيام بأوامره ‏فإن الجبهة الشامية تزداد قوة والجيش الشامي يستمر في تماسكه وطاعته التامة لوالي الشام معاوية. ونتج عن ذلك مع عوامل أخرى؛ تمدُّدٌ سلطان الشام شيئاً فشيئاً على أمصار كبيرة وبلدان كثيرة من ولايات دولة الخلافة.
فمعركة صفين لم تحسم الموقف لأي من الطرفين، وتمخّض عنها التحكيم الذي لم يبت في المسائل الخلافية الأساسية، وكان من أخطر نتائجه وأبرزها الاعتراف الضمني والواقعي بأمير الشام والشاميين كقوة كبيرة مستقلة مؤثرة على مسرح الأحداث في دولة الخلافة مما لم يكن معهوداً في عصر الخلفاء الراشدين الثلاثة.
والذي مهّد لذلك وأسَس له وأنتجه هو الأحداث التي وقعت أواخر عهد عثمان، والفتن التي اختلقها وأذكى جذوتها قتلهٌ عثمان، واستمروا مع السبئية في المُضيٌ فيها حتى عهد علي وأحداث وقعتي الجمل وصفين ثم الخوارج ‏ مما أنهك قوى جيش علي وأحدث شروخاً في صفوفه، ورسّخ عدم الثقة بين قواه وقادته، ناهيك عن كثرة اختلافهم على الخليفة المبتلى بهم مما فت في أعضاد الجند فَنكلوا عنه وخذلوه وتسذَّلوا منه لواذاً، وتركوه في طائفة من أنصاره حتى دعا عليهم من قلب يعتصر مرارة، وتنغصت عليه الحياة وأصبح ينتظر أجَلّه ويقول: (ماذا ينتظر أشقاها).
هذه الظروف والعوامل التى حدثت فى دولة الخلافة وأحاطت بها؛ أوهنت قواها وأضعفت روابطها وأفقدتها عوامل الصمود والمناعة أمام التحديات وفي مقابل ذلك كانت مصدر قوة لجبهة الشام التي تتمتع بجميع عوامل القوة والنجاح.

فالجزيرة الفراتية التي بين نهرّي دجلة والفرات هي إحدى الولايات التابعة للشام في خلافة عثمان وعند استشهاده كانت تحت سلطان معاوية مما جعلها محل تنازع عند استخلاف علي؛ لاتصالها بالشام من جهة، وبالعراق من جهة ثانية وقد دخلت في سلطان الخلافة مدة ثم عاد الاضطراب إليها بعد صفين والتحكيم وتمكن معاوية من ضمّها إلى سلطانه سنة (39ه‍).
والولاية الأهم والأخطر هي مصر لاعتبارات كثيرة لقّريها من الشام، ولكونها تشكل معه وحدة جغرافية وسياسية كبيرة وخطيرة، وهي بوابة المغرب العربي الإسلامي، وفاتحها والخبير بها وبأهلها هو الفاتح الكبير عمرو بن العاص وهو الرجل الثاني في الجبهة الشامية؛ وهي موطن الفتنة التي عصفت بروح الشهيد عثمان بن عفان وكانت مَباءةٌ للاختلاف على ولاته ثم على ولاة علي من بعده. وأهلها منقسمون.
هذه العوامل كانت كفيلة بالاهتمام الشديد من قبل الخليفة علي ووالي الشام معاوية ففي أواخر عهد عثمان طَرَدَ أصحابُ الفتنة وعلى رأسهم محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة والي عثمان عبدالله بن سعد بن أبي سَرْح؛ وانتزى على حكمها محمد بن أبي حذيفة وعندما استُخلف علي أقرّه مُدَيدَةٌ ثم أرسل واليا عليها الصحابي قيس بن سعد بن عبادة الذي تمكن من إدارة الصراع بين مكوناتها وساسّها أحسنّ سياسة لكن أصحاب الفتنة أفسدوا ما بينه وبين أمير المؤمنين علي فعزله وأرسل الأشتر النخعي الذي قتل في الطريق، فولى عليها محمد بن أبي بكر.

في هذه الظروف التي يعيشها ذلك المصر الكبير، مع ظروف وقعة صفين والتحكيم؛ أوكل معاويةٌ إدارة الصراع إلى فاتح مصر والخبيرٍ بجميع شؤونها عمرو بن العاص فسار إليها في جيش من الشام ودخلها وتمكن من التغلب على محمد بن أبي بكر وقتله وأضحى والياً عليها للمرة الثالثة. وأصبحت مصر تابعةً لوالي الشام معاوية، وشكّلت مع بلاد الشام قوة استراتيجية جغرافية وسياسية كبيرة وهامة.
وكذلك كانت بلاد الحجاز مناطق تنازع بين علي ومعاوية حتى إنه حدث خلاف على إمرة الحج سنة (38ه‍) حيث بعث كل من علي ومعاوية أميراً من قبله ليحجٌ بالناس، ولم ينته الخلاف إلا بالتصالح على أن يتولى رجل آخر على الموسم ليقيم للناس حجّهم، وانحسرت سلطة الخلافة عن الحجاز في سنة 40ه‍ ودخلت في سلطان معاوية.
‏وكانت اليمن أيضاً مسرحاً لصراع القوتين وسيطرت عليها قوات معاوية مدة؛ ثم استعادها علي وأخضعها لسلطان الخلافة.
‏‏وَجَرَتُ أيضاً صراعات محدودة على بعض المناطق في العراق؛ مثل هيت والأنبار والقُطّقُطانة قرب الكوفة.
‏‏إلى غير ذلك من الأحداث التى تشير بمجموعها إلى تنامى قوة أهل الشام وضعف قوة أهل العراق وأمام هذا الواقع الجديد رأى الفريقان أن يتفقا على هدنة بينهما تُغمد فيها السيوف وتُحقن الدماء.
‏وقد آلّمَ أميرّ المؤمنين عليّاً ما آلَت إليه الأمورٌ وزاد من حزنه ومرارة عيشه مارآه من الخوارج الذين كانوا معه ثم خرجوا عليه وقاتلوه فقتلهم؛ وبّقيت منهم بقيةٌ كانوا يتهدّدونه بالقتل وكان هو يعلم أنه سيقتل غَدراً فضاقت عليه الدنيا وتنغصت الحياة بعد أن اصطّلّحَتْ عليه المحن فكان ينتظر أجلّه ويقول: (ما حبس أشقاها؟! ماله لا يَقتل؟!).

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب