الأحاديث في استشهاد علي رضي الله عنه
عن أبى الأسود الدؤلي: (عن علي
قال: أتاني عبد الله بن سَلَام وقد وَضعتُ رجلي فى الغرز وأنا أريدُ
العراق» فقال: لا تأت العراق فإنك إِنْ أتيتهُ أصابَكَ به ذُبَابُ السّيف!
قال علي: وايُمْ الله لقد قالها لي كاليوم؛ رجلٌ مُحارّبٌ يحدَّث الناس
بمثل هذا!).
وعن علي بن أبي طالب: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: «أشقى الْأَوّلِين عاقرٌ الناقة وأشقى الآخرين الذي يَطْعَنْكَ يا
على» وأشار إلى حيث يطعن ).
وعن عبد الله بن سَبْع قال: (سمعت عليّاً
يقول: لَتُخْضَبَْنَْ هذه من هذا فما يَنَظِرُ بي الأشقى؟! قالوا: يا أمير
المؤمنين فأخبرنا به نبير عِْترَتَه! قال: إذنْ تالله تقتلون بي غير قاتلي!
قالوا: فاسْتَخْلِف علينا قال: لا ولكن أتركُكُم إلى ما تركَكُّم إليه
رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: فما تقول لربّك إذا أتيتّه - أو: إذا
لَقِتَهُ -؟! قال: أقول: اللَّهُمٌ تركتّني فيهم ما بدا لك ثم قبِضْتّني
إليك وأنت فيهم؛ فإِنْ شئت أصلحتّهم؛ وإنْ شئت أَفْسَدتهم).
وعن عمار بن
ياسر قال: (كنتُ أنا وعليٌ رفيقيْن في غزوة ذات العُْشَيّرة) فذكر قصة ثم
قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أحدثكما بأشقى الناس» قلنا:
بلى يا رسول الله قال: «أَحَيْمِرُ ثمود الذي عقر الناقة والذي يضْرِبُك يا
علي على هذه» ووضع يده على قرْنِه «حتى يَبْلَّ منها هذه، وأخذ بلحيته).
وعن
زيد بن وَهْبٍ قال: (جاء رأسٌ الخوارج إلى علي فقال له: اتق الله فإنك
ميْت! فقال: لا والذي فَلَّق الحبّة وبرأ النسمة ولكني مقتول من ضربة من
هذه تخضب هذه وأشار بيده إلى لحيته عهدٌ معهوٌد وقضاءٌ مقضي وقد خاب مَن
افترى).
هذه الأحاديث تنص على أن
علياً رضي الله عنه إذا خرج إلى العراق سيصيبه ذُبَّاب السيف؛ ويموت قتلاً
شهيداً فيُضْرَب على هامته فيسيل الدم على لحيته حتى تبتل بدمه الزكي.
وكان
علي راسخ اليقين بهذا الإخبار النبوي فقد مرض ذات مرة، حتى خاف عليه
أصحابه، وجاؤوا يعودونه، عن فضالة بن أبي فضالة الانصاري قال (خرجت مع أبي
عائداً لعلي بن أبي طالب من مرض أصابه ثقل منه قال: فقال له أبي: ما
يُقِيمُك في منزلك هذا؟! لو أصابك أَجَلّكَ لم يَلِكَ إلا أعرابُ جُهينة!
تحمل إلى المدينة، فإِنْ أصابك أجِلّك وَلِيَكَ أصحابك وصلّوا عليك؛ فقال
علي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عَهِد إليّ أن لا أموت حتى أُومْر ثم
تُخضتٍ هذه يعني لحيته من دم هذه يعني هامَته ).
وروى زيد بن أسلم: أن
أبا الأسود الدُؤّلي حدثه: (أنه عاد علياً في شكوى اشتكاها فقلت له: لقد
تحْوَفْنا عليك يا أبا الحسن في شكواك هذه! فقال: ولكنّي والله ما
تَحْوَّفْتُ على نفسي منه؛ لأني سمعتُ الصادقٌ المصدوق صلى الله عليه وسلم
يقول: «إنك ستُضرب ضربةً هاهنا وضربةً هاهنا» وأشار إلى صدغيه، فيسيلٌ دمُها حتى تُخضّبَ لحيتك؛ ويكون صاحبها أشقاها كما كان عاقرٌ الناقة أشقى ثموئد).
وقد
كان له أيام الخوارج حراس يحرسونه كل ليلة: يبيتون في المسجد بالسلاح،
فرآهم فقال: ما يُجِلِسُكم؟ قالوا: نحرسك فقال: أَمِنْ أهل السماء تحرسون
أم من أهل الأرض؟ قالوا: بل من أهل الأرض، قال: إنه لا يكون في الأرض شيء
حتى يُقضى في السماء، وليس من أحد إلا وقد وُكّل به مَلَّكان يدفعان عنه
ويَكُلآنه حتى يجىء قَدَرُه فإذا جاء قدره خلا بينه وبين قدّره! وإن
علَّىَ من الله جُنّةَ حصينةٌ» فإذا جاء أجلي كُشف عني وإنه لا يجدُ عبد
طعمَّ الإيمان حتى يعلمَ أن ما أصابه لم يكن ليخطئه؛ وما أخطأه لم يكن
ليصيبه.
ولما دخل شهر رمضان جعل علي يتعشّى ليلة عند الحسن وليلة عند
الحسين وليلة عند عبد الله بن جعفر، لا يزيد على ثلاث لقم ويقول: يأتى أمدُ
الله وأنا خَمِيصُ وإنما هى ليلة أو ليلتان.
استشهاد علي رضي الله عنه
قام
ثلاثة نفرٍ من الخوارج هم عبد الرحمن بن مُلجَم المُرادي، والبْركٌ بن عبد
الله الَتَميمي وعَمْرو بن بكر التميمي، فاجتمعوا في مكة وتذاكروا قَثْلَ
علي إخوانهم من أهل النَّهْروان فترحموا عليهم وتعاقدوا على قتل علي
ومعاوية وعمرو بن العاص. فقال ابن مُلجَم: أما أنا فأكفيكم علي بن أبي طالب
وقال البرك وأنا أكفيكم معاوية، وقال عَمْرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن
العاص. واتّعدوا لسبع عشرة من رمضان أن يُبَيَت كل واحد منهم صاحبّه في
بلده الذي هو فيه.
وسار ابن مُلْجَم إلى الكوفة لتنفيذ جريمته، وانضمٌ
إليه هناك رجل من بني الرباب يقال له وَرُدان وآخر هو شُبيبٍ بن بَجَرة
الحَرُوريّ فجاء هؤلاء الثلاثة وهم مشتملون على سيوفهم، فجلسوا مقابل
السدّة التي يخرج منها أمير المؤمنين علي فلما خرج جعل يُنهض الناسّ من
النوم إلى الصلاة؛ ويقول: الصلاةً الصلاةً؛ فثار إليه شبيب بالسيف فضربه
فوقع في الطاق فضربه ابن مُلجَمِ فأصاب جبهته إلى قرنه فسال دمُه على لحيته
ولما ضربه ابن ملجم قال: لا حَُكْمَ إلا لله ليس لك يا علي ولا لأصحابك؛
وجعل يتلو قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ
مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ سورة البقرة (207).
ونادى
علىٌ عليكم بهم وهّرب وَرُدان فأدركه رجلّ من حضرموت فقتله، وذهب شبيب
فنَجًا بنفسه وفات الناسّ، وأَخِذ ابنُ مُلْجَم فأدخل على علي وقدّم علي
جعدةٌ بن هُبيرة فصلّى بالناس صلاة الفجر.
وهكذا باستقراء الأحداث
المتسلسلة من لَدّنَ أواخر عهد عمر حتى استشهاد علي؛ نرى المخطط الرهيب
يسير بانتظام؛ وتتكامل عناصره وتتجمع أطرافه وتتوحد قواه لتصبٌّ في اتجاه
واحد هو هدمٌ الخلافة ومحاربةٌ الإسلام وإيقاف مده الدفّاع وتفكيك عناصر
قوته من الداخل وقد نجح هذا المخطط للأسف في تحقيق بعض أهدافه.
فالفاروق عمر قد وسع بعدله المسلمين وغير المسلمين وبسط رحمته للبهائم والعجماوات. لكن ضاق به حقد المجوس والصليبية. فائتمروا
عليه بتخطيط من الهرمزان القائد الفارسي الذي أظهر إسلامه فاجتمع بأبي
لؤلؤة المجوسي وجفينة النصراني ودبّروا طريقة الاغتيال التي نفذها أبو
لؤلؤة وعندما أَخِذ نحر نفسَه لتموت أسرار المؤامرة معه والتي كُشفت فيما
بعد.
وفي عهد عثمان اخترع أعداء الإسلام طريقاً جديداً تمثّل في الطعن
على الولاة والاختلاف عليهم ونشر الشائعات ضدهم ثم الخروج عليهم؛ وجاء ابن
سبأ فطُّوّر المخطط وأضاف إليه بُعْداً خطيراً فاخترع (أكذوبة الوصية
لعليّ) وروّجٌ لها بين الرّعَاعَ حتى طارت في الأمصار وانتشرت في مصر
والعراق وانتتهت المؤامرة بالخروج على أمير المؤمنين عثمان ثم محاصرته وسفك
دمه وهو صائم يتلو القرآن الكريم.
واستمر قتلة عثمان في مخططهم
الإجرامي في عهد علي وكانوا السبب الأول والأخير في إراقة الدماء وقتل
الأنفس في وقعتي الجمل وصفين التي انتهت بالتحكيم ثم الخوارج الذين خرجوا
على علي ثم قتلوه. وفكرة الخروج على الولاة وعلى أمير المؤمنين علي لم تكن بدعاً بل هي لون آخر من طريقة الذين خرجوا على عثمان، والنتيجة واحدة.
فعمرٌ
طُّعِن وهو يؤمٌ المسلمين في صلاة الفجر وعثمان استُّشهد محاصراً في بيته
وهو صائم يتلو القرآن، وعلي نال الشهادة وهو صائم في السابع عشر من رمضان
وقد خرج من بيته يوقظ المسلمين لصلاة الفجر.
أثُراها مصادفة؟ أم أن
الجُناة المجرمين قد مَشَّوا على خطة واحدة واختاروا (أوقات الأمن لهم) من
المراقبة والمتابعة والمواجهة، حيث قلوب المسلمين متفرّغة للعبادة خاشعة في
لقاء الله وله والوقوف بين يديه في حين قلوب أعداء الإسلام تضطرم حقداً
وتنفذ الجريمة في تلك الأوقات الهادئة الآمنة؟!.
ووضع الرجال
الثلاثة الكبار (علي ومعاوية وعمرو) في مخطط الاغتيال يشي بأن أكثر من جهة
متضررة منهم وخائفة من بقائهم فضلاً عن اتفاقهم! فعلي رضي الله عنه عدو
الخوارج وقاتلٌ أبنائهم وأحب حبتهم إذا قُتل فسوف يؤول أمر الخلافة إلى
الوالي القوي الشهير معاوية، وهو عدو الخوارج لأنه دعا إلى التحكيم كما أنه
عدو لدود لقتلة عثمان والسبئية، حيث إن محورٌ عمله ومواقفه إقامةٌ الحد
عليهم والقصاص منهم لدم الشهيد عثمان فلا بِد من قتله لهذا وذاك.
أما
عمرو بن العاص فهو عدوٌ قديم للسبئية وقتلة عثمان منذ ولايته على مصر في
عهد عثمان وكذلك في عهد علي حيث أخذ بأنفاسهم وحاصرهم وقضى عليهم وقتل محمد
بن أبي بكر هناك وأضحى أمير مصر من جديد ولا يخفى إضافة إلى ذلك عداوته
للخوارج لأنه صاحب فكرة التحكيم.
تاريخ استشهاده ومدة خلافته
طعن
علي رضي الله عنه يوم الجمعة وقت السحر لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة
40ه؛ فمكث يوم الجمعة وليلة السبت، وفاضت روحه إلى بارئها ليلة الأحد
لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان. واستمرت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وكان عمره يوم استّشهد ثلاثاً و ستين سنة.
غسّله
ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفنوه فى ثلاثة أثواب ليس فيها
قميص، وصلَّى عليه ابنه الحسن ودُفن بدار الإمارة بالكوفة خوفاً عليه من
الخوارج أن ينبشوا قبره وفي رواية: أنه دُفن بالكوفة عند مسجد الجماعة في
الرحبة، والمشهور الأول.
قال ابن كثير: (ومن قال: إنه حمل على راحلته
فذهبت به فلا يُدرى أين ذهب؛ فقد أخطأ وتكلّف ما لا علمَ له به ولا يُسيغْه
عقل ولا شرع وما يعتقده كثير من جهَلة الروافض من أن قبره بمشهد النْجَف؛
فلا دليل على ذلك ولا أصل له).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما
المشهد الذي بالنجف: فأهلٌ المعرفة متفقون على أنه ليس بقبر عليّ بل قيل:
إنه قبر المغيرة بن شعبة ولم يكن أحد يَذكر أن هذا قبر علي ولا يقصده أحد
أكثر من ثلاث مئة سنة؛ مع كثرة المسلمين من أهل البيت والشيعة وغيرهم،
وحكمهم بالكوفة وإنما اتخذوا ذلك مشهداً في مُلك بني بُوَيْهِ الأعاجم
بعد موت علي بأكثر من ثلاث مئة سنة)
وقد ثبت عن الحسن بن علي أنه قال:
لم يترك أبي إلا سبع مئة درهم كان يَرصدها لخادم يشتريها لأهله، أي لم يترك
من النقد فقد ترك أراضي وعقارات وقرى ورقيقاً كثيراً بيَنْبْع ووادي
القرى؛ وقد كتب وصية مطولة.
وصيته رضي الله عنه
دخل جُندب بن عبد الله على علي
فقال: (يا أمير المؤمنين. إِنْ فَقَدناك ولا نفقِدك فنبايع الحسن؟ فقال:
ما آمركم ولا أنهاكم؛ أنتم أبصر فردٌ عليه مثلها فدَعَا حسناً وحسينا فقال:
أوصيكم بتقوى الله وألا تبغيا الدنيا وإِنْ بغتكما ولا تبكيا على شئ زُوِي
عنكما وقُولا الحق، وارحما اليتيم، وأغيثا الملهوف، واصنعا للآخرة؛ وكونا
للظالم خصماً وللمظلوم ناصراً واعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكما في الله
لومة لائم.
ثم نظر إلى محمد ابن الحنفيّة فقال: هل حفظت ما أوصيتٌ
به أخويّك؟ قال: نعم، قال: فإني أوصيك بمثله؛ وأوصيك بتوقير أخويك لعظيم
حقهما عليك، فاتبع أمرهما، ولا تقطع أمراً دونهما ثم قال: أوصيكما به فإنه
شقيقكما وابنٌ أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبه.
وقال للحسن:
أوصيك أي بُنَيَ بتقوى الله، وإقام الصلاة لوقتها وإيتاء الزكاة عند محلها
وحسن الوضوء فإنه لا صلاة إلا بطهور، ولا تقبل صلاة من مانع زكاة وأوصيك
بِغفْر الذنب، وكَظّم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عند الجهل والتفقه في
الدين، والتثبت في الأمر والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار والأمر بالمعروف،
والنهي عن المنكر واجتناب الفواحش).
ولما حضرت عليّاً الوفاةٌ أوصى
فكانت وصيته: (بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب:
أوصى أنه يشهد أن لا إِلَه إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده
ورسوله؛ أرسله بالهدى ودين الحق لِيُظهره على الدين كله ولو كره المشركون
ثم إن صلاتي ونسكي ومحيايّ ومماتي لله رب العالمين، لا شريكَ له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.
ثم
أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي بتقوى الله ربكم ولا تموتُنَ إلا وأنتم
مسلمون؛ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا؛ فإني سمعت أبا القاسم صلى
الله عليه وسلم يقول: من صلاح ذات البَين أفضل من عامة الصلاة والصيام،
انظروا إلى ذوي أرحامكم فَصِنُوهم يُهوّن الله عليكم الحساب.
الله الله
في الأيتام، فلا تُعنوا أفواهّهم ولا يَضْيعْن بحضرتكم والله الله في
جيرانكم فإنهم وصيةٌ نبيكم صلى الله عليه وسلم ما زال يوصي به حتى ظَننًا
أنه سيورّثه. والله الله في القرآن فلا يسبقنّكم إلى العمل به غيركم، والله
الله في الصلاة فإنها عمودُ دينكم، والله الله في بيت ربكم فلا تُخلوه ما
بقيتم، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في
الزكاة فإنها تُطفئ غضب الربٌ، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر فيولّى الأمر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل
والتباذل وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى ولا
تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب.
حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيّكم، أستودعكم اللى وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قُبض رضي الله عنه وذلك في شهر رمضان سنة أربعين).
وأوصى
رضي الله عنه وأرضاه بأن لا يُمثل بقاتله؛ فعن محمد ابن الحنفيّة، عن أبيه
أمير المؤمنين علي: أنه قال في عبد الرحمن بن ملجم: (إنه أسير فأحسنوا
نزلَه وأكرموا مَثواه فإِنْ بقيت قَتلت أو عَفوتٌ، وإِنْ مت فاقتلوه قتلتي ولا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين).
رثاء أمير المؤمنين علي رضي الله عنه
ودّع
الصحابة والتابعون والأمة الإسلامية بالحزن العميق والأسى الغامر والدموع
السخية شهيدٌ الإسلام والحق والبطولة، أميرٌ المؤمنين ورابع الخلفاء
الراشدين أبا الحسن رضي الله عنه وأرضاه وامتدحوه وأطابوا الثناء عليه
والمنافحة عنه في حياته وبعد وفاته.
ومن أجل مراثيه ما جاء عن ابنه الحسن السبط الكريم رضي الله عنه فقد روى هُبَيْرة بن يَرِيم قال: سمعت الحسن بن علي قام فخطب الناس فقال:
(يا أيها الناس، لقد فارقكم أمس رجلٌ ما سَبَقه الأوّلون ولا يُدركه
الآخرون لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثه المبعث فيُعطيه
الرايةً فما يَرجِعْ حتى يفتح الله عليه جبريلُ عن يمينه، وميكائيلُ عن
شِماله، ما تَرَك بيضاء ولا صفراء إلا سبع مئة درهم فَضَلتْ من عطائه، أراد
أن يشتري بها خادماً).
وعن مُغيرة بن مقسَمِ الضَّبِي قال: (جاء
نَعِيْ علي إلى معاوية وهو قائل مع امرأته فاختة بنت قَرَظة فقعد باكياً
مسترجعاً فقالت له فاختة: أنت بالأمس تطعن عليه واليوم تبكي عليه؟! فقال:
ويحك! أنا أبكي لما فقد الناس من حِلْمهِ وعِلْمه).
وفى رواية: قال معاوية: (إنا لله وإنا إليه راجعون. ماذا فقدوا من العلم والحلم والفضل والفقه).
ولمًا بلَغتْ وفاته أم المؤمنين عائشة، حزنت عليه وقالت:
أَلقَتْ عصاها واستقرّت بها النَوى
كما قر عَيْناً بالإياب المُسافر
وكانت
أبنته أم كلثوم إذا حضرت صلاة الفجر هِيّمَتْ فوادّها للذكريات الفاجعة
وغَدْر الغادرين فكانت تقول: (ما لي ولصلاة الغداة! قُتل زوجي عمرُ أميرُ
المؤمنين صلاة الغداة وقتل أبي أميرٌ المؤمنين صلاة الغداة).
وقام أبو الأسود الدّؤلي يرثي أستاذه ومربّيه فقال:
أَلاَ يَا عَيْنُ وَيْحَكِ أَسْعِدِينَا
أَلاَ تَبْكِي أَمِيرَ المُؤْمِنِينَا
وَتَبْكِي أُمُّ كُلْثُومٍ عَلَيْهِ
بِعَبْرَتِهَا وَقَدْ رَأَتِ اليَقِينَا
أَلاَ قُلْ لِلْخَوَارِجِ حَيْثُ كَانُوا
فَلاَ قَرَّتْ عُيُونُ الحَاسِدِينَا
أَفِي الشَّهْرِ الصِّيَامِ فَجَعْتُمُونَا
بِخَيْرِ النَّاسِ طُرَّاً أَجْمَعِينَا
قَتَلْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا
وَذَلَّلَهَا وَمَنْ رَكِبَ السَّفِينَا
وَمَنْ لَبِسَ النِّعَالَ وَمَنْ حَذَاهَا
وَمَنْ قَرَأَ المَثَانِي وَالمُبِينَا
وَكُلُّ مَنَاقِبِ الخَيْرَاتِ فِيهِ
وَحِبُّ رَسُولِ رَبِّ العَالَمِينَا
ويقول
هشام بن حسان القُرْدُوسِيَ البصري: (بينما نحن عند الحسن البصري إذ أقبل
رجل من الأزارقة فقال له: يا أبا سعيد ما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال:
فاحمرت وجنتا الحسن، وقال: رحمّ الله عليّاً؛ إن علياً كان سهماً لله
صائباً في أعدائه وكان في محلة العلم أشرفها وأقربها من رسول الله صلى الله
عليه وسلم وكان رباني هذه الأمة لم يكن لمال الله بالسّروقة، ولا في أمر
الله بالنؤومة، أعطى القرآن عزيمة علمه فكان منه في رياض مونقة وأعلام بينة
ذاك علي بن أبي طالب يا لكع).

إرسال تعليق