هو ضمام بن ثعلبة السعدي أحد بني سعد بن بكر، أسلم رضي الله عنه بعد فتح
مكة وبعد أن فرغ من تبوك، فقد انتشر في أرجاء الجزيرة العربية كلها نبأ
الدين الجديد، وما تضمنه من عقائد، وما يفرضه على أتباعه من قيم وتعاليم،
فأقبلت الوفود إليه من كل مكان تستفسر عن الدين الجديد، معلنة إسلامها ،
وقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الوفود وحرص على تعليمها ودعوتها.
قال
ابن إسحاق: "ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وفرغ من تبوك،
وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، فدخلوا في دين الله
أفواجا يضربون إليه من كل وجه"، وكان من ضمن هذه الوفود ضمام بن ثعلبة رضي
الله عنه.
وعن ابن عباس، قال: بعثتْ بنو سعد بن بكر ضِمامَ بن ثعلبة
وافدًا إِلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فقدم عليه، فأَناخ بعيره ثم
عقله على باب المسجد، وكان رجُلًا جَلْدًا ذا غَدِيرتين، فأَقبل حتى وقف
على رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وهو في المسجد جالس في أَصحابه،
فقال: أَيكم ابنُ عبد المطلب؟ فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم:
"أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ". فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبْدِ
الْمُطَّلِبِ، إِنِّي سَائِلُكَ وَمُغْلِظٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ،
فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسَكَ. فَقَالَ: "لاَ أَجِدُ فِي نَفْسِي، سَلْ
عَمَّا بَدَا لَكَ". فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّه إِلَهَكَ وإِلَهِ مَنْ
كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهِ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّه بَعَثَكَ
إِلَيْنَا رَسُولًا. قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". قَالَ: فَأَنْشُدُكَ
بِاللَّه إِلَهَكَ، وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ كَائِنٌ
بَعْدَكَ، آللَّه أَمَرَكَ أَنْ نَعْبُدَهُ وَحْدَهُ لاَ نُشْرِكُ بِهِ
شَيْئًا، وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الأَوْثَانَ الَّتِي كَانَ آبَاؤُنَا
يَعْبُدُونَ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ
فَرَائِضَ الإِسْلَامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً، الْصَّلَاةُ وَالْزَّكَاةُ
وَالْصِّيَامُ وَالْحَجُّ، وَشَرَائِعُ الْإِسْلَامِ، يَنْشُدُهُ عِنْدَ
كُلِّ فَرِيضَةٍ كَمَا نَشَدَهُ فِي الَّتِي كَانَ قَبْلَهَا، حَتَّى
فَرِغَ، فَقَالَ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، وَسَأُؤَدّي هَذِهِ
الْفَرَائِضَ، وَأَجْتَنِبَ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، لاَ أَزِيْدُ وَلاَ
أَنْقُصُ. ثُمَّ انْصَرِفَ رَاجِعًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى الله
عليه وسلم حِينَ وَلَّى: "إِنْ يَصْدُقْ ذُو العَقِيْصَتَيْنِ يَدْخُلِ
الْجَنَّةَ".
وأَتى قومه فاجتمعوا إِليه، فكان أَول ما تكلم به أَن قال:
بئست اللات والعزى، فقالوا: مه يا ضِمام اتّقِ البرص، اتق الجذام اتق
الجُنُون! فقال: وَيْلَكم! إِنهما والله ما يضرّان وما ينفعان، وإِن الله
قد بعث رسولًا، وأَنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإِني أَشهد
أَن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، وأَن محمدًا عبده ورسوله، وقد
جئتكم من عنده بما أَمركـم به ونهاكم عنه، قـال: فوالله ما أَمسى من ذلك
اليوم في حاضرته من رجل ولا امرأَة إِلا مسلمًا.
قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قط، كان أَفضل من ضمام.
وكان عمر رضي الله عنه يقول: "ما رأيت أحسن مسألة ولا أوجز من ضمام".
يقول ابن كثير: "وفى هذا السياق ما يدل على أنه رجع إلى قومه قبل الفتح، لأن العزى خربها خالد بن الوليد أيام الفتح".
قال
ابن حجر: "وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: العمل بخبر الواحد، ولا
يقدح فيه مجيء ضمام مستثبتاً، لأنه قصد اللقاء والمشافهة كما تقدم، وقد
رجع ضمام إلى قومه وحده فصدقوه وآمنوا كما وقع في حديث ابن عباس، وفيه نسبة
الشخص إلى جده إذا كان أشهر من أبيه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم يوم
حنين: أنا ابن عبد المطلب، وفيه الاستحلاف على الأمر المحقق لزيادة
التأكيد".
وقصة إسلام ضمام رضي الله عنه تدل على مدى انتشار تعاليم
الإسلام في وسط القبائل العربية، حتى جاء ضمام لا ليسأل عنها ولكن جاء
ليستوثق منها.
وكذلك كان حريصاً على قومه، فبالسرعة التي صدَّق فيها
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وآمن به، هاجم الشرك المتمثل في اللات
والعزى، ولم يجامل في الله أحدا بعد أن آمن به، ولو كانوا قومه وأقرب الناس
إليه.
فكان أميناً ناصحاً لقومه بقدر ثقتهم فيه، فلم يُرد أن يظلوا على الشرك لحظة واحدة بعد ما عرف الحق، وذاق طعم الهداية.
وعن
أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه
وسلم في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم:
أيكم محمد؟، ـ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم ـ، فقلنا هذا
الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب، فقال له النبي صلى
الله عليه وسلم: قد أجبتك، فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أسألك
فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد عليَّ (تغضب) في نفسك، فقال: سل عما بدا
لك، فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟، فقال:
اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم
والليلة؟، قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر
من السنة؟، قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه
الصدقة من أغنيائنا فتقسمها في فقرائنا؟، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
اللهم نعم، فقال الرجل: آمنت بما جئتَ به، وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا
ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر ).
ثم أتى ضمام بن ثعلبة رضي الله
عنه إلى بعيره فأطلق عقاله، حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أولَ ما
تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى، فقالوا: مَهْ يا ضِمَام!! اتق
البَرَصَ والجُذام والجنون!، فقال: ويلكم!، إنهما والله لا يضران ولا
ينفعان، إن الله قد بعث رسولاً، وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم
فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإني قد جئتكم
من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، فوالله ما أمسى ذلك اليوم من حاضرته رجل
ولا امرأة إلا مسلماً.

إرسال تعليق