تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

مسير المنافقين إلى المدينة المنورة



إتفاق المنافقين على الخروج إلى المدينة

لما فشلت محاولة خروج المنحرفين إلى المدينة سنة 34ه‍، واقتصر نجاحهم على ما كان يوم الجرعة، وبعد الاجتماع العام الذي عقده أمير المؤمنين وولاته والعامة، وعاد الولاة والناس إلى أمصارهم أسقط فـي أيدي رؤوس الفتنة من سبئيين وأحلافهم وأتباعهم، لكنهم لم يستسلموا، بل لجؤوا إلى طريقة أخرى وسلكوا نفس المنهج في التقية والباطنية والنفاق بإظهار شعارات الإصلاح ومناقشة الخليفة في أمور شاعت بين الناس، وإبطان خلاف ذلك ممثلاً بخلع عثمان وقتله واتفقوا على الخروج في موسم الحج، وتم لهم ذلك في شوال من سنة 35ه‍.
فكاتبوا أشياعهم من أهل الأمصار أن يتوافوا بالمدينة لينظروا فيما يريدون، وأظهروا أنهم يأمرون بالمعروف، ويسألون عثمان عن أشياء لتطير في الناس، ولتحقق عليه، فتوافوا بالمدينة، وخرجوا مع الحجاج كالحجاج، وتكاتبوا فقالوا: موعدكم ضواحي المدينة فى شوال.
ولما كان في شوال سنة 35ه‍، خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء، المقلل يقول: ست مئة، والمكثر يقول: ألف، وعلى الرفاق : عبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر التجيبي، وعروة بن شييم الليثي، وأبو عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وسواد بن رومان الأصبحي، وزرع بن يشكر اليافعي، وسودان بن حمران السكوني، وقتيرة بن فلان السكوني، وعلى القوم جميعاً الغافقي بن حرب العكي، ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب، وإنما أخرجوا كالحجاج، ومعهم ابن السوداء وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق، وعلى الرفاق: الأشتر النخعي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم، وعددهم كعدد أهل مصر، وعليهم جميعا عمرو بن الأصم وخرج أهل البصرة في أربع رفاق، وعلى الرفاق: حكيم بن جبلة العبدي، وذريح بن عباد العبدي، وبشر بن شريح القيسي، وابن المحرش بن عبد عمرو الحنفي، وعددهم كعدد أهل مصر، وأميرهم جميعاً حرقوص بن زهير السعدي سوى من تلاحق بهم من الناس.
وكان المنحرفون من أهل الأمصار الثلاثة وكذلك قادتهم متفقين على هدف واحد هو إدانة عثمان على الملأ بإتهامات لفقوها وضخموها وأذاعوها في الناس، ومن ثم خلعه وقتله قالوا: (نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنزعم لهم أنا قررناه بها، فلم يخرج منها ولم يتب، ثم نخرج كأنا حجاج حتى نقدم فنحيط به فنخلعه، فإن أبى قتلناه وكانت إياها!).
لكن الرؤوس المدبرة مختلفون عن قصد وخبث في البديل عنه؛ فأما أهل مصر فإنهم يشتهون عليا، وأما أهل البصرة فإنهم كانوا يشتهون طلحة، وأما أهل الكوفة فإنهم كانوا يشتهون الزبير.
كذلك رتبوا خروجهم وأحكموا خطتهم، واتفقوا على وقت المسير ثم دراسة وضع الناس في عاصمة الخلافة وأخبارهم وولائهم لعثمان، وكيفيته والمنازل التي ينزلونها في المدينة، وبعد ذلك عرض مطالبهم على أعيان الصحابة. فخرجوا وهم على الخروج جميع وفي الناس شتى، لا تشك كل فرقة أن الفلج معها، وأن أمرها سيتم دون الأخريين فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث، تقدم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب، وناس من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص، وجاءهم ناس من أهل مصر، وتركوا عامتهم بذي المروة.
ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبد الله بن الأصم وقالا: لا تعجلوا ولا تعجلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد، فإنه بلغنا أنهم قد عسكروا لنا، فوالله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلاً، لنرجعن إليكم بالخبر.
قالوا: اذهبا، فدخل الرجلان فلقيا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعليا وطلحة والزبير، وقالا: إنما نأتم هذا البيت، ونستعفي هذا الوالي من بعض عمالنا، ما جئنا إلا لذلك، واستأذناهم للناس بالدخول، فكلهم أبى ونهى وقال: بيض ما يفرخن.

ونلحظ من هذه النصوص أموراً يجب التوقف عندها لتوضيح سيرورة الأحداث التي مشى فيها أولئك السبئيون الخوارج، وهتك الأستار التي تلفعوا بها، فخدعوا الأغرار والأغمار من أتباعهم.

1- هذا الخروج كان له هدف محدد واضح أعده رؤوس أولئك الفجرة واتفقوا عليه، وهو ضرب الخلافة، ولم يعلموا بذلك عامة أتباعهم من الأغرار والأغمار والرعاع، بل موهوا عليهم وزرعوا في قلوبهم أن عثمان فعل المنكرات وخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فحق الخروج عليه.


2- كان خروجهم منظماً ومعداً إعداداً محكماً من حيث: وقت الخروج وكيفيته، وأماكن النزول قرب المدينة، وأعداد الفرق التي تخرج من كل مصر، واستبطان أحوال المدينة وأهلها، والتزاور بين الجيوش الثلاثة لمتابعة الأخبار والتنسيق المستمر لكل خطوة قادمة. 


3- اختيار الزمان والمكان مكن قادة المنحرفين الخوارج من تحقيق أهدافهم بشكل كبير، فهم عندما أظهروا أن قصدهم الحج والذهاب للمدينة، أخفوا أغراضهم عن عامة المسلمين، وعموا حقيقة هدفهم على أتباعهم فلا يرتابوا بأمرهم، ودفعوا شك الصحابة بهم ومكنهم من الوصول إلى المدينة وفيها قليل من المسلمين حيث معظمهم بمكة. 


4- التقية والباطنية والنفاق الواضح من قبل زعماء المنحرفين متمثلاً في شعارات عدة يظهرون غير ما يبطنون، يخرجون في وقت الحج ولا يقصدون الحج، هم في الناس شتى ولكنهم في هدفهم مجتمعون، يذهبون إلى الخليفة فيناقشونه بأشياء زرعوها في قلوب أتباعهم ثم يعودون إليهم زاعمين أنه أقر لهم بها فلم يخرج منها ولم يتب؛ ليحملوهم على السير معهم لخلعه وقتله. 


5- كان رؤوسهم متفقين على خلع عثمان وقتله ولكنهم مختلفون في البديل هل هو علي أم طلحة أم الزبير؟ وهذا فيما نرى كان عن قصد وتبييت وخبث، وذلك حتى لا تتفق أطرافهم الثلاثة، وفي هذا إمعان في المكر والفتنة وإثارة الهرج والمرج بين الصحابة وأهل الرأي، وشق الصفوف.


6ـ الذي يؤكد فجور هؤلاء وغدرهم وكذبهم وبطلان دعاواهم وسوء نياتهم؛ تصريحهم بأهدافهم، وباطنيتهم في كل أقوالهم وأفعالهم، وأن أحداً منهم ليس له حق مطلول أو مظلمة مهدرة عند وال فضلاً عن أمير المؤمنين. وليس في زعمائهم واحد له تاريخ مجيد أو أعمال فاضلة أو سابقة إلى مكرمة وخير وفضل. 


7- كثيرون ممن ساروا في هذه الجيوش الثلاثة كانوا من الرعاع والحمقى والأغرار الأغمار، الذين خدعوا وغرر بهم من قبل رؤوس الشر كابن سبأ والأشتر وابن أبي حذيفة وأضرابهم، وقد ظهر ذلك في مواقف عدة فوجئ بها عامة الخوارج عند انكشاف كذب الكتب المزورة وتبرؤ أكابر الصحابة منها.


8- لم يقبل عملهم هذا أحد من الصحابة، وصرح بضلالهم وفجورهم وكذبهم وانحرافهم علي وطلحة والزبير وأمهات المؤمنين وغيرهم، مما يؤكد انحراف أولئك الخارجين وسوء صنيعهم، وإن أي دفاع عنهم هو اتهام للخليفة وأعيان الصحابة وجميع الصالحين.

مواجهات بين الصحابة والخوارج السبئيين

استقرأ أمير المؤمنين عثمان الأحداث الكثيرة التي مرت وتولى معالجتها في مصر والكوفة والبصرة، وقد خبر أولئك الفتانين والموتورين، وعلم مكرهم وغدرهم، فأراد أن يقف على مخرجهم ويكشف خبيئة أنفسهم؛ فقام بعمل بارع حيث أرسل إليهم رجلين كان هو يثق بهما، وكذلك يرتاح إليهما أولئك المنحرفون لأنهما قد نالهما تأديب من الخليفة.
فقد أرسل عثمان رجلين مخزومياً وزهرياً، فقال: انظرا ما يريدون، واعلما علمهم، وكانا ممن قد ناله من عثمان أدب، فاصطبرا للحق ولم يضطغنا فلما رأوهما باثوهما وأخبروهما بما يريدون قالا: فكيف تريدون أن تصنعوا؟ قالوا: نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنزعم لهم أنا قررناه بها، فلم يخرج منها ولم يتب، ثم نخرج كأنا حجاج حتى نقدم فنحيط به فنخلعه، فإن أبى قتلناه! وكانت إياها فرجعا إلى عثمان بالخبر فضحك وقال: اللهم سلم هؤلاء، فإنك إن لم تسلمهم شقوا.
ولما نزلت جيوش الأحزاب الثلاثة منازلهم حول المدينة، بعثوا رجلين ليتعرفوا أحوال أهل المدينة وأكابر الصحابة، فلقيا علياً وطلحة والزبير وأمهات المؤمنين وأخبراهم أنهم جاؤوا يستعفون عثمان من بعض الولاة، واستأذنا لأولئك المنحرفين بدخول المدينة، فكل الصحابة رفضوا ذلك وطردوهما، فعادا إلى أقوامهما بالخبر.
ثم انتقلوا إلى مرحلة أخرى، فقد اجتمع من أهل مصر نفر فأتوا علياً، ومن أهل البصرة نفر فأتوا طلحة، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير، وقال كل فريق منهم: إن بايعوا صاحبنا، وإلا كدناهم وفرقنا جماعتهم، ثم كررنا حتى نبغتهم، فأتى المصريون علياً وهو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أفواف معتم بشقيقة حمراء يمانية، متقلد السيف، ليس عليه قميص، وقد سرح الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه، فالحسن جالس عند عثمان وعلي عند أحجار الزيت، فسلم عليه المصريون، وعرضوا له، فصاح بهم واطردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فارجعوا لا صحبكم الله قالوا: نعم، فانصرفوا من عنده على ذلك.
وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي، وقد أرسل ابنيه إلى عثمان، فسلم البصريون عليه وعرضوا له، فصاح بهم واطردهم، وقال: لقد علم المؤمنون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، وأتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة أخرى، وقد سرح ابنه عبد الله إلى عثمان، فسلموا عليه وعرضوا له، فصاح بهم واطردهم، وقال: لقد علم المسلمون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.

أمير المؤمنين مع المنافقين وجهاً لوجه

بعد أن استخرج أمير المؤمنين خبيئة أنفس أولئك المنحرفين المفسدين، من خلال الرجلين اللذين بعثهما إليهم، ومن مواقف أكابر الصحابة منهم، عزم عثمان على مواجهتهم أمام المسلمين الشاهدين عامة؛ لإقامة الحجة عليهم، وكشف القناع عن مخططات رؤوسهم ونياتهم، وتبصيراً لأتباعهم المغرر بهم، ويشهد على ذلك الصالحون من أهل المدينة وغيرها وفي مقدمتهم أكابر الصحابة.
وتوافق توجه عثمان هذا مع رغبة السبئيين وأحلافهم من زعماء وأتباع وسعيهم لذلك، مع اختلاف النية والهدف، حيث يصبو هؤلاء لإدانة أمير المؤمنين بمزاعم افتروها وبأشياء زرعوها في قلوب السماعين لهم من أتباع وأغمار وأعراب وأجلاف.
عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال: (سمع عثمان أن وفد أهل مصر قد أقبلوا، فاستقبلهم، فلما سمعوا به أقبلوا نحوه إلى المكان الذي هو فيه فقالوا له: ادع بالمصحف، فدعا بالمصحف فقالوا له: افتح السابعة قال: وكانوا يسمون سورة يونس السابعة فقرأها حتى أتى على هذه الآية: (قل آرءيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل ءالله أذن لكم أم على الله تفترون) (يونس 59) قالوا له: قف أرأيت ما حميت من الحمى؛ الله أذن لك به أم على الله تفتري؟ فقال: أمضه، نزلت في كذا وكذا، فأما الحمى فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة، فزدت في الحمى لما زاد من إبل الصدقة، أمضه. قال: فجعلوا يأخذونه بأية آية، فيقول: أمضه، نزلت في كذا وكذا.
فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: ميثاقك قال: فكتبوا عليه شرطاً، فأخذ عليهم أن لا يشقوا عصاً، ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم. وقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: نريد أن لا يأخذ أهل المدينة عطاء، قال: لا، إنما هذا المال لمن قاتل عليه، ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال: فرضوا، وأقبلوا معه إلى المدينة راضين.
قال: فقام فخطب، فقال: ألا من كان له زرع فليلحق بزرعه، ومن كان له ضرع فليحتلبه، آلا إنه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال لمن قاتل عليه، ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال: فغضب الناس وقالوا: هذا مكر بني أمية قال: ثم رجع المصريون).
والخبر هذا يذكر جيش المصريين فقط، ويغلب على الظن أن السبب هو سبق المصريين للقاء عثمان، وأن في الرواية اختصاراً فاكتفى الراوي بذكر المصريين لأن مطالب الآخرين مثل مطالبهم، ولأن القيادة الرئيسة فيهم فهم يعبرون عن بقية المنحرفين من أهل الكوفة والبصرة.
وفي رواية أخرى: (فأرسل عثمان إلى الكوفيين والبصريين، ونادى: الصلاة جامعة، وهم عنده في أصل المنبر، فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحاطوا بهم، فحمد الله وأثنى عليه، وأخبرهم خبر القوم، وقام الرجلان فقالوا جميعا:
اقتلهم؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا إلى نفسه أو إلى أحد، وعلى الناس إمام، فعليه لعنة الله، فاقتلوه»، وقال عمر بن الخطاب: لا أحل لكم إلا ما قتلتموه، وأنا شريككم.
فقال عثمان: بل نعفو ونقبل ونبصرهم بجهدنا، ولا نحاد أحداً حتى يركب حداً أو يبدي كفراً إن هؤلاء ذكروا أموراً قد علموا منها مثل الذي علمتم، إلا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها على عند من لا يعلم).
ثم بدأ هؤلاء الخوارج السبئيين يوجهون التهم إلى عثمان رضي الله عنه وبدأ عثمان يرد عليهم ويبين لهم.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب