دور ابن سبأ في أحداث الفتنة
كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء،
أمه سوداء، فأسلم زمان عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم
فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام فلم يقدر على ما يريد عند
أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر، فاغتمر فيهم فقال لهم فيما يقول:
لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمداً يرجع وقد قال الله عز وجل:
(إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلي ميعاد) (القصص: ٨٥)، فمحمد أحق بالرجوع
من عيسى قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة، فتكلموا فيها ثم قال لهم بعد
ذلك: إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد ثم قال: محمد خاتم
الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية
رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وتناول أمر الأمة؟! ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدؤوا
بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تستميلوا
الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر. فبث دعاته، وكاتب من كان استفسد في
الأمصار وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب
ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما
يصنعون؛ فيقرؤه أولئك فى أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك
المدينة، وأوسعوا الأرض إذاعة، وهم يريدون غير ما يظهرون، ويسرون غير ما
يبدون، فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء، إلا أهل
المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار، فقالوا: إنا لفي عافية مما فيه
الناس.
من هذا النص تظهر الأسس الخطيرة التي انطلق فيها ابن سبأ
وأعظمها خطرا إتهام الصحابة بخيانة الأمانة وأنهم وثبوا على الخلافة وأخفوا
وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بها والطعن على الخليفة الحالي
وأنه غير شرعي وغاصب للإمامة العظمى، ووضع لهم البديل الذي يوازيه في الفضل والمكانة عند الناس وهو علي وأكد ذلك بالطعن على عثمان وسيرته في الولاة والمال، مما يوهي مكانته ويسهل فكرة الخروج عليه.
وضم
إلى ذلك تشويه سير الولاة، مما يبرر مخالفتهم والخروج عليهم أو طلب
استبدالهم، لتحقيق مزيد من الفوضى في البلاد وغلف ذلك كله بأنهم أصحاب حق
ودعاة إصلاح، وغايتهم وطريقتهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا
إمعان منهم في التقية والنفاق وإظهار خلاف ما يبطنون ولكي يكون للدعوة أثر
كبير وعميق تم تعميم الخطةعلى الرجال الذين مالؤوهم على ذلك واستفسدوهم به،
فعهدوا إليهم أن يذيعوها من خلال أوكارهم في الكوفة والبصرة، وتبادل الكتب
في أخبار الولايات؛ لإحداث ضجة إعلامية يتناقلها الثرثارون وأصحاب الهوى
والطغام والمغرضون، ثم نشرها في الأمصار المجاورة التي تمثل قلب الدولة
ومراكز القرار والقوة فيها.
وبدأ ابن سبأ وأعوانه في مصر مثل سودان
بن حمران وكنانة بن بشر ومحمد بن أبي حذيفة وغيرهم، بتنفيذ تلك الخطة في
بلدهم، ولما قدم ابن السوداء مصر عجمهم واستخلاهم واستخلوه، وعرض لهم
بالكفر فأبعدوه، وعرض لهم بالشقاق فأطمعوه، فبدأ فطعن على عمرو بن العاص،
وقال: ما باله أكثركم عطاء ورزقا؟! ألا نتنصب رجلاً من قريش يسوي بيننا؟
فاستحلوا ذلك منه وقالوا: كيف نطيق ذلك مع عمرو وهو رجل العرب؟! قال:
تستعفون منه ثم نعمل عملنا!، فطعنوا على الوالي الفاتح الكبير، وطلبوا من
أمير المؤمنين عزله فكفكف عثمان من فتنتهم، وجعل عمر على الجهاد والصلاة،
وأسند خراج مصر لابن أبي سرح فلم يهنأ لهؤلاء المفسدين عيش، حتى أفسدوا بين
الرجلين وسعوا بينهما بالنميمة، فعزل عثمان عمر عن مصر، وأخلصها كلها لابن
أبي سرح وكانت أوكار الفتنة ورؤوس الشر في البصرة من أمثال حكيم بن جبلة
وغيلان بن خرشة وحمران بن أبان ومن ضوى إليهم، وكذلك أوكار الفتنة في
الكوفة ومن أشهر رؤوسهم الأشتر النخعي وصعصعة بن صوحان وابن الكواء وجندب
بن زهير وأشباههم كان هؤلاء وأولئك على تنسيق مع مركز الشر في مصر، وكما
تدل رواية سيف بن عمر: أن ابن سبأ أخرج من البصرة ثم أخرج من الكوفة فاستقر
بمصر فكانت جهود الفرقاء الثلاثة في مصر والكوفة والبصرة على تعاون وثيق
وتنسيق وتبادل المعلومات والرسائل والخطط والتنفيذ فيما بينهم.
وقد كان
المسيرون من الكوفة قد عادوا إليها، بعد أن خضعوا لعملية تأديب وإصلاح في
الشام على يدي معاوية وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ثم عادوا إلى موطنهم
الأصلي، وقد أظهروا التوبة ولكن الفتنة كانت قد باضت في أدمغتهم، وأفرخث في
قلوبهم، فلم تصدق لهم توبة، ولم يسكن لهم تدبير، ولكنهم استكانوا إلى حين،
لما وجدوا من عبد الرحمن بن خالد صرامة وبطشا، وتربصوا لأنفسهم فرصة حتى
إذا حانت لم يفلتوها، وعادوا إلى أخبث مما كانوا، وأتوا إلى أميرهم سعيد بن
العاص أشد مما أتوا إلى الوليد بن عقبة، الذي افتروا عليه الكذب في حد من
حدود الله تعالى.
ولاية أبو موسي الأشعري
قال الطبري في
أحداث سنة 34هـ: وفي هذه السنة تكاتب المنحرفون عن عثمان بن عفان للاجتماع،
لمناظرته فيما كانوا يذكرون أنهم نقموا عليه ولم يتهيأ ذلك إلا لأهل
الكوفة، فمصر يسيطر عليها الوالي عبد الله بن سعد بن أبي سرح، مع ما تمور
به من فتن ابن سبأ وابن أبي حذيفة وأضرابهما، والبصرة فيها عبد الله بن
عامر، وقد شغلهم بالجهاد والفتوحات.
أما الكوفة فقد نجح المنحرفون في
مسعاهم الخبيث، لأن الوالي سعيد بن العاص كان قد ذهب إلى المدينة ليوقف
أمير المؤمنين على أحوال الكوفة، ويتبادلا الرأي مع كبار الصحابة في علاج
المنحرفين المفسدين فاستغل هؤلاء خلو منصب الولاية فقاموا بانقلاب عليه.
وكان
عبد الرحمن بن خالد بن الوليد قد سير الأشتر النخعي إلى عثمان، فأعلن
توبته وتوبة من وراءه بين يدي الخليفة، فأذن له عثمان أن يذهب حيث شاء،
فاختار جوار عبد الرحمن بن خالد في جزيرة ابن عمر وقبل خروج سعيد بن العاص
من الكوفة عين جماعة من أهل الفضل والخبرة والكفاءة والطاعة على الولايات
التابعة للكوفة مثل أذربيجان والري وهمذان والموصل وغيرها، وجعل نائبه على
الكوفة عمرو بن حريث وعلى الجهاد والفتوح القعقاع بن عمرو.
يروي الطبري:
(وخلت الكوفة من الرؤساء إلا منزوعاً أو مفتوناً، فخرج يزيد بن قيس
الأرحبي وهو يريد خلع عثمان، فدخل المسجد فجلس فيه، وثاب إليه الذين كان
فيهم ابن السوداء يكاتبهم، فانقض عليه القعقاع، فأخذ يزيد بن قيس، فقال:
إنما نستعفي من سعيد! قال: هذا ما لا يعرض لكم فيه، لا تجلس لهذا ولا
يجتمعن إليك، واطلب حاجتك، فلعمري لتعطينها فرجع إلى بيته واستأجر رجلاً،
وأعطاه دراهم وبغلاً على أن يأتي المسيرين، وكتب إليهم: لا تضعوا كتابي من
أيديكم حتى تجيئوا، فإن أهل المصر قد جامعونا.
وكان الأشتر النخعي قد
وصل جزيرة ابن عمر، وقدم رسول يزيد بن قيس الأرحبي على المسيرين المقيمين
فيها، وأخبرهم الخبر فوبخوه وخالفوه إلا الأشتر فنشط للأمر ونقض توبته وخرج
إلى الكوفة عاصياً وخشي بقية المسيرين أن يعلم عبد الرحمن بن خالد بأمرهم
فلحقوا بالأشتر وسبقهم هو في الوصول إلى الكوفة.
ولم يفجأ الناس في يوم
الجمعة إلا والأشتر على باب المسجد يقول: أيها الناس إني قد جئتكم من عند
أمير المؤمنين عثمان وتركت سعيداً يريده على نقصان نسائكم إلى مئة درهم ورد
أهل البلاء منكم إلى ألفين، ويقول: ما بال أشراف النساء وهذه العلا بين
هذين العذلين ويزعم أن فيئكم بستان قريش وقد سايرته مرحلة فما زال يزجر
بذلك حتى فارقته. وهذا من الأشتر جزء من افتراءاته الكثيرة وولوغه في الفتنة وتحريكها والمسارعة فيها.
فاستخف
الناس فخرجوا معه، وبقي في الكوفة حلماء الناس وأشرافهم ووجوههم وأهل
الحجى فيهم. وخرج يزيد بن قيس الأرحبي، ومعه الأشتر ومن شايعهم، فنزلوا
الجرعة وتلقوا سعيد بن العاص هناك ومنعوه من دخول الكوفة وقام الأشتر إلى
مولى لسعيد فضرب عنقه.
ورجع سعيد إلى المدينة وأخبر عثمان بالأمر،
وقال: إنهم يريدون أبا موسى الأشعري فكتب الخليفة بتولية أبي موسى الأشعري
الذي قام بدوره فخطبهم، فقالوا له: صل لنا قال: لا إلا على السمع والطاعة
لعثمان بن عفان قالوا: على السمع والطاعة لعثمان.
وهكذا نرى أن
المسيرين لا زالوا على لددهم وانحرافهم وسوء نياتهم وإرادتهم الفتنة والشر،
وأنهم لا يريدون بعملهم وجه الله ولا إقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر كما يدعون!، وأن الأشتر قد افترى فرى كثيرة، وكذب على الخليفة
وعلى والي الكوفة وعلى أهلها وشهد شهادة زور وتاريخه شاهد عليه بتوالي
مسلسل الغدر ونكث العهد، ونقض التوبة، والتحريض والتحريش بين المسلمين،
سعياً وراء مآرب شخصية وقد بقي على ذلك حتى عهد الخليفة الراشد الرابع علي.
ويزيد
الأرحبي والمفتونون الذين أيدوه كان هدفهم الأول هو خلع الخليفة عثمان،
لكنه لما رأى قبضة القعقاع تسد أنفاسه خنس، ووجه سهامه إلى من دون الخليفة
فطالب باستبدال الوالي سعيد بن العاص بآخر غيره، وأدرك الوالي الجليل حجم
الفتنة فآثر وجه الله وأطفأها بعودته إلى أمير المؤمنين ليولي على الكوفة
غيره.
هدي عثمان والطرق التي عالج بها الأحداث
1- كان أمير المؤمنين عثمان يعالج كل مشكلة أو انحراف أو تجاوز أو خروج على سلطان الوالي أو الخليفة أو إثارة فتنة وفرقة، في وقته وحينه وبالطريقة التي تناسبه؛ من تأديب أو تعزير أو حد أو نفى أو تغيير ولا يترك الأمر يتفاقم والفتنة تربو والرعية تتذمر، ولا يدع لأهل الانحراف والشغب حجة أو ذريعة ويسلك في أغلب ذلك سبيل اللين والرأفة والرحمة والمسامحة وتحقيق المطالب المرجوة، ما دام ذلك ممكنا وليس فيه تجاوز حق أو تعطيل حد.
2- كذلك فإن
الخليفة كان مستشعراً للفتنة ومدركاً لأسبابها، ومتابعاً لمؤججيها
ومساعيرها في الأمصار، ومحيطاً بأخبارهم وأعمالهم؛ من خلال تراسله مع
الولاة وأوامره لهم بمعالجتها بالحكمة واللين، والترغيب والترهيب والتأديب.
3-
عندما أدرك عثمان تنامي الفتن وتعدد مصادرها وشيوع الافتراءات والإشاعات
والأكاذيب قبض على بعض رؤوس مفتعليها ومروجيها كما في قصة المسيرين، وبعد
أن وقف على تردد الكتب المزورة بين الناس في عدد من الأمصار كما أوضحنا،
وأخبره مستشاروه من جلة الصحابة والقيمون على أمر الناس أرسل المفتشين إلى
تلك الأمصار للوقوف على حقيقة الأخبار مثلما كان يفعل الفاروق عمر.
فقد
اجتمع أصحاب رسول الله فأتوا عثمان وقالوا: يا أمير المؤمنين أيأتيك عن
الناس الذي يأتينا؟ قال: لا والله ما جاءني إلا السلامة قالوا: فإنا قد
أتانا وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم، قال: فأنتم شركائي وشهود المؤمنين
فأشيروا علي قالوا: نشير عليك أن تبعث رجالاً ممن تثق بهم إلى الأمصار، حتى
يرجعوا إليك بأخبارهم.
فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل
أسامة بن زيد إلى البصرة، وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر وأرسل عبد الله بن
عمر إلى الشام، وفرق رجالاً سواهم فرجعوا جميعا قبل عمار فقالوا: أيها
الناس والله ما أنكرنا شيئا، ولا أنكره أعلام المسلمين وعوافهم، وقالوا
جميعا: الأمر أمر المسلمين، إلا أن أمراءهم يقسطون بينهم، ويقومون عليهم
واستبطأ الناس عمارا حتى ظنوا أنه قد اغتيل، فلم يفجأهم إلا كتاب من عبد
الله بن سعد بن أبي سرح يخبرهم أن عمارا قد استماله قوم بمصر وقد انقطعوا
إليه؛ منهم عبد الله بن السوداء، وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران، وكنانة
بن يشر، وأرسل عثمان رضي الله عنه إلى عمار بن ياسر رضي الله عنه خطابا
يعاتبه فيه، ولما قرأ الخطاب ظهر له الحق، ورجع إلى عثمان رضي الله عنه في
المدينة، وتاب بين يديه عن هذا الظن.
4- لم يكتف أمير المؤمنين بما
تقدم، بل وجه كتابا عاما إلى الأمصار؛ دعا فيه العامة والخاصة ليشاركوا في
محاربة الانحرافات ومقاومة الشائعات وعدم الركون إليها، والإعلان على الملأ
لأي شكوى من أمير أو غيره، حتى لا يكون للمغرضين والحانقين والموتورين
والكذبة أية حجة في تضخيم بعض الأحداث أو التلاعب بها وادعاء وجود مظالم
مسكوت عليها أو لا تبلغ الخليفة.
5- وأضاف أمير المؤمنين بعداً آخر في
العلاج وتدبير الأمور ومحاصرة الانحرافات والفتن والمؤامرات وكشف أقنعة من
وراءها؛ فأمر الولاة بحضور الجلسات العامة واللقاءات المفتوحة، ثم بعد ذلك
سؤالهم عن واقع حال ولاياتهم، ومن بعدها استشارتهم في معالجة ما يدور
بينجماعات من المغرضين والمفترين للقبض على الأيدي الخفية التي تحركهم.
فقد
بعث عثمان إلى عمال الأمصار فقدموا عليه: عبد الله بن عامر، ومعاوية، وعبد
الله بن سعد، وأدخل معهم سعيدا وعمرا، فقال: ويحكم! ما هذه الشكاية؟! وما
هذه الإذاعة؟!إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم، وما يعصب هذا إلا
بي! فقالوا له: ألم تبعث؟! ألم نرجع إليك الخبر عن القوم؟! ألم يرجعوا ولم
يشافههم أحد بشيء؟! لا والله ما صدقوا ولا بروا ، ولا نعلم لهذا الأمر
أصلا، وما كنت لتأخذ به أحدا فيقيمك على شيء، وما هي إلا إذاعة لا يحل
الأخذ بها، ولا الانتهاء إليها.
قال: فأشيروا علي، فقال سعيد بن العاص:
هذا أمر مصنوع يصنع في السر فيلقى به غير ذي المعرفة فيخبر به فـيتحدث به
الناس في مجالسهم قال: فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم، ثم قتل هؤلاء
الذين يخرج هذا من عندهم.
وقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذي
عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم فإنه خير من أن تدعهم وقال معاوية: قد وليتني
فوليت قوما لا يأتيك عنهم إلا الخير، والرجلان أعلم بناحيتيهما، قال: فما
الرأي؟ قال: حسن الأدب. قال: فما ترى يا عمرو؟ قال: أرى أنك قد لنت لهم
وتراخيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك فتشتد
في موضع الشدة وتلين في موضع اللين إن الشدة تنبغي لمن لا يألو الناس شرا،
واللين لمن يخلف الناس بالنصح، وقد فرشتهما جميعا اللين. وقام عثمان فحمد
الله وأثنى عليه، وقال: كل ما أشرتم به علئ قد سمعت ولكل أمر باب يؤتى منه؛
إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن وإن بابه الذي يغلق عليه
فيكفكف به: اللين والمؤاتاة والمتابعة إلا في حدود الله تعالى ذكره التي لا
يستطيع أحد أن يبادي معيب أحدها، فإن سده شيء فرفق، فذاك والله ليفتحن
وليست لأحد علي حجة حق، وقد علم الله أني لم آل الناس خيراً ولا نفسي
ووالله إن رحى الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها كفكفوا الناس
وهبوا لهم حقوقهم واغتفروا لهم وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تذهنوا فيها.
ويلاحظ من هذا النقاش وتداول الآراء بين الخليفة
وولاته ومستشاريه أنهم كانوا خبراء بما يدور في ولاياتهم، ويعرفون مصدر
الشرور ومساعيرها، وأنهم كانوا ناصحين للأمة وجادين في الضرب على يد كل من
يسعى في اضطراب أمر المسلمين وتكاد آراؤهم تلتقي على حل واحد هو الشدة مع
السبئيين وأوكار الفتنة ومروجي الأكاذيب وأنهم مصدر الخطر الذي يستفحل ضرره
مع تمادي الزمان.
أما الخليفة فهو يدرك ذلك تماما بيد أن له رأيا آخر؛
فهو يعلم أن الفتنة قادمة لا ريب وقد حفظ ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم
وهو يحدث عن الفتنة ويشير إلى عثمان بأنه ومن اتبعه على الحق والهدى فكان
رأيه هو كفكفة جماحها وتأديب السعاة فيها واتباع الرأفة والرحمة والمسامحة
ما لم ترتكب الحدود أو تنتهك الحقوق؛ لأنه يعلم أن السيف إذا سل من غمده لن
يعود إلا محمرا بالدماء، وشعاره في ذلك: (طوبى لعثمان إن مات ولم يحركها).

إرسال تعليق