تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

أبو سفيان بن حرب

 

 نسبه وحياته قبل الإسلام

هو أبو سفيان واسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي الأموي، وكنيته أبو سفيان وكذلك أبو حنظلة، ولد أبو سفيان قبل عام الفيل بعشر سنين.
أمه صفية بنت حزن بن بجير بن الهزم وهي عمة أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث.
وكان أبو سفيان في شبابه سيد بني عبد شمس بن عبد مناف، ثم نال سيادة جميع بطون قريش بعد معركة بدر بعد مقتل عتبة بن ربيعة العبشمي وأبو جهل عمرو بن هشام المخزومي، ثم نال سيادة جميع فروع قبيلة كنانة في معركة أحد وبقي على هذا حتى فتح مكة.
كان أبوه حرب بن أمية قائد جيوش بني كنانة في حرب الفجار ضد قبائل قيس عيلان وهو أول من كتب باللغة العربية، وأخته هي أم جميل أروى بنت حرب التي ذكرت في القرآن الكريم بوصف حمالة الحطب، وابنته هي أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان وزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنه معاوية بن أبي سفيان هو أول خلفاء الدولة الأموية.
كان أبو سفيان قبل الإسلام أحد رجال قريش الكبار، وصارت إليه راية الرؤساء في قريش بعد مقتل أبي جهل في غزوة بدر، وكان من رؤساء المشركين في حرب الإسلام في بدء الدعوة النبوية وقاد قريشاً في حربهما المسلمين يوم أحد ويوم الخندق. وكان رسول الله قد تزوج ابنته أم حبيبة وأبو سفيان لا يزال مشركاً، وأقرّ أبو سفيان زواج الرسول منها، فكان بذلك حمو النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان يوصف بالدعاء والحكمة ومن ذلك أنه استطاع النجاة بالقافلة قبل وصول المسلمين إليها والتي تسببت فيما بعد في معركة بدر، فقد بلغ أبا سفيانَ خبرُ مسير الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه من المدينة المنورة بقصد اعتراض قافلته واحتوائها، فبادر إلى تحويل مسارها إلى طريق الساحل، كما أرسل ضمضم بن عمرو الغفاري الكناني إلى قريش ليستنفرهم لإنقاذ أموالهم وليخبرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض لها في أصحابه، فقد كان أبو سفيان يتلقط أخبار المسلمين ويسأل عن تحركاتهم، بل يتحسس أخبارهم بنفسه، وقد استطاع أن يعرف تحركات عدوه، حتى خبر السرية الاستطلاعية عن طريق غذاء دوابها، بفحصه البعر الذي خلفته الإبل، إذ عرف أن الرجلين من المدينة أي من المسلمين، وبالتالي فقافلته في خطر، فأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري الكناني إلى قريش وغيَّر طريق القافلة، واتجه نحو ساحل بحر القلزم.

وفي يوم أُحد كان هو الذي قاد قريشًا كلها يوم أُحد، ولم يكن بأعلم من رسول الله r بقيادة الجيش وتنظيمه، لكن أبا سفيان استطاع أن يجند عددًا كبيرًا من قريش، فكانت عدتهم 3000، فيهم 700 دارع، ومعهم 200 فرس.
وله موقف آخر مع زيد بن الدثنة؛ إذ اجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قَدِمَ ليُقتل: أنشدك بالله يا زيد، أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك. قال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحبِّ أصحاب محمد محمدًا.

أبو سفيان وهرقل ملك الروم

عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أن أبا سفيان بْنَ حَرْبٍ، أَخْبَرَهُ: (أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ - وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّاْمِ - فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَادَّ فِيهَا أَبَا سفيان وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعَاهُمْ، وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ أَيُّكُمْأَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أبو سفيان: فَقُلْتُ أنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا‏. فَقَالَ أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ‏. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ أِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ‏. فَوَاللَّهِ لَوْلاَ الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَىَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ.
ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَألَنِي عَنْهُ أن قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ‏. قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لاَ‏. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لاَ‏. قَالَ: فَأشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ‏. قَالَ: أيَزِيدُونَ أمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ‏. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لاَ‏. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لاَ‏. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لاَ، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لاَ نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ‏. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ‏. قَالَ: مَاذَا يأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ‏.
فَقَالَ هرقل لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَألْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ: لاَ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ: رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ: لاَ، قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ: لاَ، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ، أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ: أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَاَلْتُكَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ: أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ: لاَ، وَكَذَلِكَ الإيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ: لاَ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ تَغْدِرُ، وَسَاَلْتُكَ: بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ: أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ‏. فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ اَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ.
ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ اِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ اِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏.‏ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ‏.‏ سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإسْلاَمِ، اَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ وَ‏ ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 64]‏)) قَالَ أبو سفيان: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتِ الأصْوَاتُ وَأخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لأصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ‏.‏ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَىَّ الاِسْلاَمَ‏).

فقد كان هرقل، قيصر الروم، موجودًا في مدينة إيلياء في بلاد الشام، عرف بوجود قافلة تجاريَّة من قبيلة قريش فدعا هرقل أفرادَ هذه القافلة من العرب، ثم أراد أن يتعرَّف على الأقرب نسبًا من النبي صلى الله عليه وسلم، فتقدَّم إليه أبو سفيان بن حرب، وكان لا يزال على الكُفر، وهنا طَلَبَ هرقل مِن الترجمان أن يجعل باقيَ العرب المرافقين لأبي سفيان خلْف زعيمهم، ليعترضوا عليه إذا كَذَب في شيء، والرواية هنا على لسان أبي سفيان، الذي مَنعَه الحياءُ مِن قومه، ومن المجلس أن يغيِّر أقواله، فالتزمَ الصِّدق في كل ما قيل.
سأل هرقل عن نسَب الرسول؟ فأخبره أبو سفيان أنه ذو نسَب عظيم، وأنه رغم ذلك، فليس مِن آباء الرسول ولا أجداده مِن مَلِكٍ، وأنَّ مَن يؤمن بدعوته هم الضعفاء من الناس، ومَن آمن به لا يتراجع عن إيمانه، وهم في ازدياد رغم الحرب السِّجال بين الكفار والمسلمين. ثم شهد أبو سفيان أن دعوة الرسول تُنادي بتوحيد الله، ثم بالصلاة وحُسن الخُلق والعفَّة في القول والسلوك.
لقد قدَّم أبو سفيان صُورة شاملة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي صورةٌ صادقة، توضِّح أنَّ أبا سفيان وهو مشرك، كان يَعلم جيِّدًا طبيعة رسالة محمد، وما يدعو إليه مِن مكارم الأخلاق، وصدْقه وأمانته،

إسلامه وجهاده

أسلم أبو سفيان يوم فتح مكة سنة ثمانية للهجرة، وذلك أنه لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران قال العباس بن عبد المطلب: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر قال: فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، فخرجت عليها قال: حتى جئت الأراك، فقلت لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة قال: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا، قال بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب قال أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال العباس فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم؛ قال: مالك؟ فداك أبي وأمي، قلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس واصباح قريش والله قال فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك؛ قال: فركب خلفي ورجع صاحباه قال فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها، قالوا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: من هذا؟ وقام إلي؛ فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركضت البغلة، فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه، قلت: يا رسول الله، إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، فقلت: والله لا يناجيه الليلة دوني رجل، فلما أكثر عمر في شأنه، قلت: مهلا يا عمر، فوالله أن لو كانت من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال: مهلا يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به، فذهبت به إلى رحلي فبات عندي فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد، قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا فقال له العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك قال: فشهد شهادة الحق، فأسلم، قال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عباس ، احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها قال: فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي، حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه.
قال العباس: ومرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: يا عباس، من هذه؟ فأقول: سليم، فيقول: مالي ولسليم، ثم تمر القبيلة فيقول: يا عباس، من هؤلاء ؟ فأقول: مزينة، فيقول: مالي ولمزينة، حتى نفدت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا يسألني عنها، فإذا أخبرته بهم، قال : مالي ولبني فلان، حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء.


قال ابن هشام: وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها.
قال ابن إسحاق: فيها المهاجرون والأنصار، رضي الله عنهم، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله: يا عباس، من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً، قلت: يا أبا سفيان، إنها النبوة قال: فنعم إذن.
وكانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد سعد بن عبادة يوم الفتح، فمر بها على أبي سفيان، وكان أبو سفيان قد أسلم، فقال له سعد: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا.
فلما مر رسول الله في كتيبة من الأنصار، ناداه أبو سفيان: يا رسول الله، أمرت بقتل قومك، زعم سعد أنه قاتلنا، وقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما: يا رسول الله، ما نأمن سعدًا أن تكون منه صولة في قريش، فقال رسول الله: "يا أبا سفيان، اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله قريشًا". فأخذ رسول الله اللواء من سعد، وأعطاه ابنه قيسًا.
عاد أبو سفيان إلى مكة حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه، فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس، قبح من طليعة قوم فقال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله وما تغني عنا دارك، قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.

وقد حسُن إسلامه ثم جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لما أسلم وقال: يا رسول الله مرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: «نعم»، قال: ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال: «نعم»، ثم سأل أن يزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنته، وهي عزة بنت أبي سفيان واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، فلم يقع ذلك، وبيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك لا يحل له. وشهد حُنيناً مع النبي، وأعطاه من غنائمها مئة بعير وأربعين أوقية، ثم شهد فتح الطائف معه، فقلعت عينه حينئذ، ثم قلعت الأخرى يوم اليرموك وكان يومئذ يحرض على الجهاد، وكان تحت راية ولده يزيد، فكان يصيح: يا نصر الله اقترب وكان يقف على الكراديس يذكر، ويقول: الله الله، إنكم أنصار الإسلام ودارة العرب، وهؤلاء أنصار الشرك ودارة الروم، اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك.
من ذلك قوله يوم اليرموك: "والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم، ولا تبلغن رضوان الله غدًا إلا بصدق اللقاء، والصبر في المواطن المكروهة".
وكان عمر يحترمه؛ وذلك لأنه كان كبير بني أمية، وكان يحب الرياسة والذكر.

وفاته رضي الله عنه

اختُلف في وفاة أبي سفيان؛ فقيل: تُوُفِّي سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين وله نحو التسعين، وقيل: سنة أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان، وقيل ابنه معاوية بن أبي سفيان، ودفن في البقيع.
ولما حضرته الوفاة، قال: لا تبكوا عليَّ؛ فإني لم أتنطَّف بخطيئة منذ أسلمت.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب