اسمه ونسبه
اختلف في اسم أبي هريرة على عدة أقوال، فقيل :كان اسمه في
الجاهليَّة عبد شمس وفي الإسلام عبد الله، وأرجح الأقوال أنه «عبد الرحمن
بن صخر»، فهو أبو هريرة الدوسي الأزدي اليمامي من دوس بن عدنان بن عبد الله
بن زهران، ويروى عنه رضي الله عنه أنَّه قال: كان اسمي في الجاهلية: عبد
شمس، فسمَّاني رسول الله صل الله عليه وسلم: عبد الرحمن
وكنيته أبو
هريرة وهو مشهورٌ بها، لهِرَّة كان يحملها ويعتني بها، وكان رسول الله
يدعوه أبا هر؛ ففي الحديث عن أبي هريرة: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ "أَبَا هِرٍّ الْحَقْ أَهْلَ
الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ إِلَيَّ"، وأمه ميمونة بنت صبيح.
وعن كُنيته
«أبو هُريرة» التي اشتهر بها، فقيل أنه وجد هرة برية، فأخذها في كمه،
فكُنّي بذلك، وقيل أنه كان يرعى غنمًا لأهله، فكانت له هريرة يلعب بها،
فكناه أهله بها.
إسلامه
نشأ أبو هريرة في مساكن قبيلته «دوس»
الأزديّة بأرض اليمن يتيمًا، ولما بلغته دعوة الطفيل بن عمرو الدوسي إلى
الإسلام أجاب الدعوة، وأسلم،
ثم هاجر في أول سنة 7 هـ بين الحديبية
وخيبر، وهو ابن ثمان وعشرين سنة مع نفر من قومه من قبيلة دوس اليمانية، إلى
المدينة المنورة وقت غزوة خيبر، ولكن اختُلف أأدرك القتال وشارك فيه، أم
بلغ المدينة بعدما فرغوا من القتال، قال ابن عبد البر: «أسلم أبو هريرة عام
خيبر، وشهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم».
وكان إسلامه على يد
الصحابي الجليل الطفيل بن عمرو الدوسي؛ فلمَّا أسلم الطفيل بن عمرو الدوسي
دعا قومه فأسلموا، وقَدِمَ معه منهم المدينة سبعون أو ثمانون أهل بيت وفيهم
أبو هريرة.
أبو هريرة مع النبي صلى الله عليه وسلم
منذ أن قَدِم
أبو هريرة إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولم يُفارقه قط، فقد كان من
أحفظ أصحابه صلى الله عليه وسلم وألزمه له على شبع بطنه، وكانت يده مع يده
يدور معه حيث ما دار، وفي سنواتٍ قليلةٍ حصَّل من العلم عن الرسول ما لم
يُحصِّله أحدٌ من الصحابة، وكان النبيُّ يُوجِّهه كثيرًا؛ فعنه أنَّ
النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعًا،
تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَكُنْ قَنِعًا، تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ،
وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحْسِنْ
جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكَ، تَكُنْ مُسْلِمًا، وَأَقِلَّ الضَّحِكَ، فَإِنَّ
كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ».
وكان أبو هريرة سببا في إسلام
أمه قال رضي الله عنه: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يومًا
فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأنا أبكي قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام
فتأبى عليَّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادعُ الله أن يهدي أم
أبي هريرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ
أَبِي هُرَيْرَةَ». فخرجتُ مستبشرًا بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم،
فلمَّا جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف، فسَمِعَتْ أمي خشف قدمي، فقالت:
مكانك يا أبا هريرة. وسمعتُ خضخضة الماء، قال: فاغْتَسَلَتْ ولَبِسَتْ
درعها وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة، أشهدُ أن لا
إله إلا الله وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله، قال: فرجعتُ إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلتُ يا رسول الله
أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة. فحمد الله وأثنى عليه وقال
خيرًا، قال: قلت يا رسول الله ادعُ الله أن يُحبِّبني أنا وأمي إلى عباده
المؤمنين ويُحبِّبهم إلينا، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا -يعنى أبا هريرة وأمه- إِلَى
عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ». فما خُلِق
مؤمنٌ يسمع بي ولا يراني إلَّا أحبَّني.
ومن وقت وصول أبي هريرة
إلى المدينة، لزم المسجد النبوي في أهل الصفة الذين لم يكن لهم مأوى ولا
أهل، ورد أنه أمضى أربع سنين في معيّة النبي صلى الله عليه وسلم، وورد أنهم
ثلاث، انقطع فيها عن الدنيا ليلازم النبي صلى الله عليه وسلم، عاش فيها
حياة المساكين، يدور معه في بيوت نسائه ويخدمه ويغزو معه ويحجّ، فشهد معه
فتح مكة، وأصبح أعلم الناس بحديثه، فكان السابقون من الصحابة كعمر وعثمان
وعلي وطلحة والزبير يسألونه عن الحديث، لمعرفتهم ملازمة أبي هريرة للنبي
صلى الله عليه وسلم فتمكّن أبو هريرة في تلك الفترة من استيعاب قدر كبير من
أحاديث النبي محمد وأفعاله، ساعده على ذلك قُدرته الكبيرة على الحفظ.
امتاز أبو هريرة في تلك الفترة بالجراءة على سؤال النبي صلى الله عليه وسلم
عن أشياء لا يسأله عنها غيره، وقد أوكل النبي صلى الله عليه وسلم له بعض
الأعمال كحفظ أموال زكاة رمضان، كما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مؤذّنًا
مع العلاء بن الحضرمي حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم العلاء واليًا على
البحرين.
ومن مواقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم يقول رضي الله
عنه: أالله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمدُ بكبدي على الأرض من الجوع،
وإن كنت لأشدُّ الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي
يخرجون منه فمرَّ أبو بكرٍ فسألته عن آيةٍ من كتاب الله ما سألته إلَّا
ليُشبعني فمرَّ ولم يفعل، ثم مرَّ بي عمر فسألته عن آيةٍ من كتاب الله ما
سألته إلَّا ليُشبعني فمر فلم يفعل، ثم مرَّ بي أبو القاسم صلى الله عليه
وسلم فتبسَّم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: يَا أَبَا
هِرَّ. قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الْحَقْ. ومضى فتبعته، فدخل فاستأذن
فأذن لي فدخل، فوجد لبنًا في قدحٍ، فقال: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَن.
قالوا: أهداه لك فلانٌ أو فلانةٌ، قال: أَبَا هِر. قلت: لبيك يا رسول الله،
قال: الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي. قال أبو هريرة:
وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهلٍ ولا مالٍ ولا على أحدٍ، إذا
أتته صدقةٌ بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هديَّةٌ أرسل
إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل
الصفة، كنت أحقُّ أنا أن أُصيب من هذا اللبن شربةً أتقوَّى بها، فإذا جاء
أمرني فكنت أنا أُعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة
الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بدٌّ فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا،
فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: يَا أَبَا هِرَّ. قلت:
لبيك يا رسول الله، قال: خُذْ فَأَعْطِهِمْ. قال: فأخذتُ القدح فجعلت أعطيه
الرجل فيشرب حتى يروى ثم يَرُدُّ عليَّ القدح، فأُعطيه الرجل فيشرب حتى
يروى، ثم يردُّ عليَّ القدح فيشرب حتى يروى ثم يردُّ علي القدح، حتى انتهيت
إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقد روي القوم كلُّهم، فأخذ القدح فوضعه
على يده فنظر إليَّ فتبسَّم فقال: أَبَا هِرَّ، قلت: لبيك يا رسول الله،
قال: بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ، قلت: صدقت يا رسول الله. قال: اقْعُدْ
فَاشْرَبْ. فقعدت فشربت، فقال: اشْرَبْ. فشربتُ، فما زال يقول اشرب حتى
قلتُ: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا، قال: فَأَرِنِي. فأعطيته
القدح فحمد الله وسمَّى وشرب الفضلة.
وكان أبو هريرة رضي الله عنه من
فقراء المسلمين، فانضمَّ إلى أهل الصُّفَّة في المسجد النبوي، قال أبو
هريرة: "لقد رأيتُنِي أصرع بين القبر والمنبر من الجوع، حتى يقولوا:
مجنون".
وقد استطاع أبو هريرةَ أن يحَوَّلَ مِحنَةَ الفَقر التي عاناها
إلى منحةٍ رفعت قدره وخلَّدَتْ ذكره؛ حيث استغل فراغه وعدم انشغاله
بالتجارة وإدارة الأموال في ملازمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحفظ
سنَّتِه وتبليغها للمسلمين، فكان حفظُ أبي هريرة الخارق من معجزات
النُّبوة، وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له:
«أَلَا تَسْأَلُنِي مِنْ هَذِهِ الغَنَائِمِ الَّتِي يَسْأَلُنِي
أَصْحَابُكَ؟»، قلتُ: أسألك أن تعلمني مما عَلَّمَكَ الله. فنزع نمرة كانت
على ظهري، فبسطها بيني وبينه، حتى كأني أنظر إلى النمل يدبُّ عليها،
فحدثَني، حتى إذا استوعبتُ حديثَه قال: «اجْمَعْهَا، فَصُرَّهَا إِلَيْكَ»؛
فأصبحت لا أُسْقِطُ حرفًا مما حدَّثَنِي، وروى الإمام الترمذي أن رجلًا
جاء إلى طلحة بن عبيد الله، فقال: يا أبا محمد، أرأيتَ هذا اليماني -يعني
أبا هريرة-؛ أهو أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منكم؛ نسمع
منه ما لا نسمع منكم، أو يقول على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم
يقل؟ فقال طلحة: "أمَّا أن يكون سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
ما لم نسمع عنه، وذاك أنه كان مسكينًا لا شيء له، ضيفًا لرسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم، يده مع يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكنا
نحن أهل بيوتات وغِنًى، وكنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طرفي
النهار، لا أشك إلا أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم
نسمع، ولا تجد أحدًا فيه خير يقول على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
ما لم يقل".
وقد قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديثٍ
يحدِّثُه: «إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ
مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، إِلَّا وَعَى مَا
أَقُولُ»، فبسطت نَمِرَةً عليَّ، حتى إذا قضى مقالته، جمعتُها إلى صدري،
فما نسيت من مقالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلك من شيء".
وكان
يبتدئ حديثه بأن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ
كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
وقد
اتُّهم أبي هريرة في أحاديثه لكثرة روايته عن رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم، ولكن الواقع أن المسلمين احتجُّوا قديمًا وحديثًا بحديثه؛
لحفظه، وجلالته، وإتقانه، وفقهه، بل إن ابن عباس رضي الله عنهما كان
يتأدَّب معه، ويقول: "أَفْتِ يا أبا هريرة".
وقال رضي الله عنه: "مَا
كَانَ أَحَدٌ أَحْفَظَ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مِنِّي إلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو،
فَإِنِّي كُنْتُ أَعِي بِقَلْبِي وَكَانَ يَعِي بِقَلْبِهِ، وَيَكْتُبُ
بِيَدِهِ؛ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
ذَلِكَ "فَأَذِنَ لَهُ.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ
الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، فقال أبو هريرة رضي الله عنه: فَانْخَنَسْتُ
مِنْهُ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا
هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا
عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا
يَنْجُسُ".
وكان أبو هريرة رضي الله عنه من عبَّاد الصحابة؛ فقد
قال عن نفسه: "إِنِّي لَأُجَزِّئُ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: فَثُلُثٌ
أَنَامُ، وَثُلُثٌ أَقُومُ، وَثُلُثٌ أَتَذَكَّرُ أَحَادِيثَ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ".
وكان أبو هريرة يُصلِّي ثلث
الليل وامرأته ثلثًا وابنته ثلثًا، فعن أبي عثمان قال تضيَّفْتُ أبا هريرة
سبعًا فكان هو وامرأته وخادمه يَعْتَقِبُون الليل أثلاثًا؛ يُصلِّي هذا ثم
يُوقِظ هذا.
ومن تواضعه أنَّ أبا هريرة أقبل في السوق يحمل حزمة حطب،
وهو يومئذٍ خليفةٌ لمروان، فقال: أَوْسِع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك،
فقلت: أصلحك الله، يكفي هذا. قال: وسع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك،
والحزمة عليه.
كان رضي الله عنه من أشدِّ الناس ورعًا؛ فعن أبي المتوكل
أنَّ أبا هريرة كانت له زنجيَّةٌ فرفع عليها السوط يومًا، فقال: "لولا
القصاص لأغشيتك به، ولكنِّي سأبيعك ممَّن يوفيني ثمنك، اذهبي فأنتِ لله".
أبو هريرةَ مع الخلفاء الراشدين
وبعد
وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، شارك أبو هريرة في عهد أبي بكر الصديق في
حروب الردة، كما شارك في الفتح الإسلامي لفارس في عهد عمر بن الخطاب، ثم
استعمله عمر واليًا على البحرين، فقدم من ولايته عليها إلى المدينة بعشرة
آلاف، فاتهمه عمر في تلك الأموال، فأنكر أبو هريرة اغتصابه لتلك الأموال،
وقال له بأنها نتاج خيله، ومن تجارته في الغلال، وما تجمّع له من أُعطيات.
فتقصّى عُمر الأمر، فتبيّن له صدق مقولة أبي هريرة. أراد عُمر بعدئذ أنه
يُعيد أبي هريرة إلى ولايته على البحرين، فأبى أبو هريرة، وامتنع، عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: قال لي عمر رضي الله عنه: يا عدوَّ الله وعدوَّ
الإسلام خنت مال الله، قال: قلت: لستُ عدوَّ الله ولا عدوَّ الإسلام،
ولكنِّي عدوُّ من عاداهما، ولم أخنْ مال الله ولكنَّها أثمان إبلي وسهامٌ
اجتمعت، قال: فأعادها عليَّ، وأعدتُ عليه هذا الكلام. قال: فغرمني اثني عشر
ألفا، قال: فقمت في صلاة الغداة فقلت: اللهمَّ اغفرْ لأمير المؤمنين.
فلمَّا كان بعد ذلك أرادني على العمل فأبيت عليه، فقال: وَلِمَ وقد سأل
يوسف العمل وكان خيرًا منك؟ فقلت: إنَّ يوسف نبيٌّ ابن نبي ابن نبي ابن
نبي، وأنا ابن أميمة، وأنا أخاف ثلاثًا واثنتين، قال: أو لا تقول خمسًا؟
قلت: لا. قال: فما هنَّ؟ قلت: أخاف أن أقول بغير علم، وأن أفتي بغير علم،
وأن يُضْرب ظهري، وأن يُشتم عِرْضي، وأن يُؤخذ مالي بالضرب، وبعد ولايته
تلك، أقام أبو هريرة في المدينة المنورة يُحدّث طلاب الحديث، ويُفتي الناس
في أمور دينهم،
وروى سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: "كنتُ محصورًا
في الدار مع عثمان فرموا رجلًا منَّا فقتلوه، فقلت: يا أمير المؤمنين طاب
الضراب، قتلوا منَّا رجلًا، فقال: عزمت عليك يا أبا هريرة لما رميت سيفك؛
فإنَّما يُراد نفسي وسأقي المؤمنين بنفسي، قال أبو هريرة: فرميت سيفي فما
أدري أين هو حتى الساعة".
ولم يكن أبو هريرة بمعزل عما يدور حوله من أحداث، فقد شارك أبو هريرة في مناصرة المدافعين عن عثمان بن عفان يوم الدار.
وكان
أبو هريرة صاحب أثرٍ كبيرٍ في كلِّ مَن حوله بما يحمله من كنوزٍ عظيمة،
وهي أحاديثُ النبي، وقد أسدى للأمَّة خيرًا عظيمًا بنقله هذا الكمِّ الضخم
والكبير من أحاديث النبي.
ومن ذلك أنَّه مرَّ بسوق المدينة، فوقف عليها
فقال: يا أهل السوق، ما أعجزكم! قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك
ميراث رسول الله يقسَّم، وأنتم ها هنا لا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه.
قالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد. فخرجوا سراعًا إلى المسجد، ووقف أبو هريرة
لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ قالوا: يا أبا هريرة، فقد أتينا المسجد
فدخلنا فلم نرَ فيه شيئًا يُقسَّم. فقال لهم أبو هريرة: أَمَا رأيتم في
المسجد أحدًا؟ قالوا: بلى، رأينا قومًا يُصلُّون، وقومًا يقرءون القرآن،
وقومًا يتذاكرون الحلال والحرام. فقال لهم أبو هريرة: ويحكم! فذاك ميراث
محمد.
وفاته رضي الله عنه
قال أبو سَلَمَة: قال: عُدْتُ أبا
هريرة فسندته إلى صدري، ثم قلت: اللهمَّ اشفِ أبا هريرة، فقال: «اللَّهُمَّ
لَا تُرْجِعْهَا» ، ثُمَّ قال: «إِنِ اسْتَطَعْتَ يَا أَبَا سَلَمَةَ أَنْ
تَمُوتَ فَمُتْ»، فقلت: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنَّا لَنُحِبُّ
الْحَيَاةَ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ
لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْعُلَمَاءِ زَمَانٌ الْمَوْتُ أَحَبُّ إِلَى
أَحَدِهِمْ مِنَ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ، لَيَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ قَبْرَ
أَخِيهِ فَيَقُولُ: لَيْتَنِي مَكَانَهُ».
وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: "لَا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا،
وَلَا تَتْبَعُونِي بِمِجْمَرٍ، وَأَسْرِعُوا بِي"، وقد تُوفِّي أبو هريرة
سنة سبع وخمسين من الهجرة وهو الأرجح، وقيل: سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة
تسع وخمسين، وقيل غير ذلك، وقد تُوفِّي وله من العمر وله ثمانٍ وسبعون.
نقل أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله عن أبي هريرة: «أبو هريرة وعاء من العلم».
وقال له ابن عمر: «كنت ألزمنا لرسول الله وأعلمنا بحديثه».
وقال كعب: «ما رأيت رجلا لم يقرأ التوراة أعلم بما في التوراة من أبي هريرة»،
وقال الشافعي: «أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره».
وقال
أبو نعيم عنه: «كان أحفظ الصحابة لأخبار رسول الله، ودعا له بأن يحبّبه
إلى المؤمنين، وكان إسلامه بين الحديبيّة وخيبر. قدم المدينة مهاجرًا، وسكن
الصّفة».
أما صفة أبي هريرة الشكلية، فقد كان أبو هريرة رجلاً آدم،
بعيد ما بين المنكبين، أفرق الثنيتين، ذا ضفيرتين، يميل إلى المُزاح، فقد
رُوي أنه كان يرى الصبية يلعبون في الليل لعبة الغراب، فيتسلل بينهم، وهم
لا يشعرون، حتى يلقي بنفسه بينهم، ويضرب برجليه الأرض، يريد بذلك أن
يضحكهم، فيفزع الصبيان منه، ويفرون ههنا وههنا، يتضاحكون.
التعجُّب من كثرة رواياته
لم
يتقبّل بعض الصحابة إكثار أبي هريرة الرواية للحديث النبوي كالخليفة عمر
بن الخطاب الذي قال لأبي هريرة: «لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك
بأرض دوس»، لرؤية عمر ضرورة الإقلال في رواية الحديث عن النبي صلى الله
عليه وسلم في زمان خلافته، مخافة انشغال الناس بالحديث عن القرآن، ومع هذا
فقد سمح عمر لأبي هريرة بالتحديث بعد أن أرسل يطلبه، وقال له عمر: «كنت
معنا يوم كنا مع رسول الله في بيت فلان؟»، فقال أبو هريرة: «نعم، وقد
علمت لأي شيء سألتني»، فقال عمر: «ولم سألتك؟»، فردّ أبو هريرة قائلاً: «إن
رسول الله قال يومئذ: من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار»،
فقال عمر: «أما لا، فاذهب فحدّث».
كما رُوي أن أبا هريرة دخل يومًا على
عائشة بنت أبي بكر، فقالت له متعجبة: «أكثرت يا أبا هريرة عن رسول الله!»،
فقال أبو هريرة: «إي والله يا أماه؛ ما كانت تشغلني عنه المرآة، ولا
المكحلة، ولا الدهن»، فقالت عائشة: «لعله». وبلغ ابن عمر رواية أبي هريرة
لحديث: «من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط. ومن شهدها حتى تدفن فله
قيراطان. قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين أصغرهما مثل أحد»،
فقال ابن عمر: «أكثر علينا أبو هريرة»، فأخذه أبو هريرة إلى عائشة، يسألها
عن الحديث، فصدّقته، فما كان من ابن عمر إلا أن قال له: «كنت ألزمنا لرسول
الله ، وأعلمنا بحديثه».
وقد اختبر مروان بن الحكم حفظ أبي هريرة،
ومروان يومئذ واليًا على المدينة، بأن دعا أبا هريرة، وسأله أن يُحدّثه،
وأمر مروان كاتبه أن يجلس خلف ستار يكتب ما يسمعه. فجعل أبو هريرة يُحدّث
مروان. ثم أرسل مروان بعد فترة يسأل أبي هريرة أن يُحدّثه، وأمر كاتبه بأن
يقارن بما كتبه، فما وجده غيّر حرفًا عن حرف، عندئذ قال له مروان: «تعلم
أنا قد كتبنا حديثك أجمع؟»، فقال أبو هريرة: «وقد فعلت؟»، قال: «نعم»، قال:
«فاقرأه علي»، فقرأه. فقال أبو هريرة: «أما إنكم قد حفظتم، وإن تطعني
تمحه»، فمحاه مروان، وقال أبو هريرة: «ارو كما روينا».
وقد اهتم علماء
الجرح والتعديل بتصنيف أصح أسانيد أحاديث أبي هريرة، وقال سليمان بن داود:
«أصح الأسانيد كلها يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة».

إرسال تعليق