نسب عبدالله بن أبي السرح
هو أبو يحيى عبد الله بن سعد بن أبي السرح بن
الحارث بن حبيب بن جذيمة بن مالك بن حسْل بن عامر بن لُؤي القرشي العامري،
أمه مَهَانَةُ بنت جابر من الأشعريين، وهو أخو عثمان من الرضاعة، وكان ابن
أبي سرح فارس بني عامر بن لؤي معدودا فيهم، وهو أحد النجباء العقلاء
الكرماء من قريش.
إسلامه
أسلم عبد الله بن أبي السرح أول مرة قبل
صلح الحديبية وهاجر إلى المدينة المنورة وكان حسِن الإسلام وموضع ثقة
النبي صلى الله عليه وسلم، وأناله النبي مهمة كتابة الوحي مع عدد من
الصحابة الكتاب.
وقيل أنه في أحد المرات أثناء كتابته للوحي أن النبي
أملى عليه (السميع العليم) فكتبها عبد الله (العليم الحكيم) ولما فعل ذلك
قال له النبي :"وهو كذلك أو كذلك الله - أي أن الله فعلاً السميع العليم
وهو أيضاً العليم الحكيم -. ولم يفهم عبد الله أن النبي إنما قصد بكلامه
الإقرار بأن السميع والعليم والحكيم من أسماء الله الحسنى وصفاته بل فهم
أنه يقر بتغييره للقران الكريم، فأفتتن عبد الله بن سعد وقال: ما يدري محمد
ما يقول، إني لأكتب له ما شئت هذا الذي كتبت يوحى إليّ كما يوحى إلى محمد،
وترك المدينة المنورة هارباً سراً إلى مكة ليلاً، وعند وصوله إلى مكة أعلن
عودته إلى الوثنية وقال لهم أنه استطاع تحريف القرآن.
وهناك رواية
أخرى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ
أَبِى سَرْحٍ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَزَلَّهُ
الشَّيْطَانُ فَلَحِقَ بِالْكُفَّارِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَاسْتَجَارَ لَهُ
عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَأَجَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
فإرتد
عن الإسلام وعاد للوثنية وهرب إلى مكة المكرمة فنزل فيه قوله تعالى:
«وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ ۗ...(93)» سورة
الأنعام.
وفي السنة الثامنة للهجرة، كان فتح مكة وقد عفا النبي صلى الله
عليه وسلم عن أهل مكة ماعدا أحد عشر شخصاً أمر النبي صلى الله عليه وسلم
بقتلهِم ولو وجودوا مُتعلقين بأستار الكعبة، وكان عبد الله منهُم، ولم
يُقتلوا جميعاً وإنما قُتل بعضهم وعفى عن بعضهم، وكان عبد الله بن أبي
السرح ممن عُفي عنهم، وكان أخ عثمان بن عفان في الرضاعة، فأختبأ في منزله
ولما وجده عُثمان قال له عبد الله: يا أخي إني والله أخترتُك فأحتسبني ها
هنا وإذهب إلى مُحمد وكلمه في أمري، فإن محمداً إن رآني ضرب الذي فيه عيناي
إن جُرمي أعظم الجُرم وقد جئت تائباً فقال له عُثمان: بل تذهب معي، فلم
يرع النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعثمان أخذ بيد عبد الله بن سعد بن أبي
السرح واقفين بين يديه فأقبل عُثمان على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا
رسول الله إن أمه كانت تحملني وتمشيه وترضعني وتقطعه وكانت تلطفني وتتركه
فهبه لي، وأكب عُثمان على رسول الله يُقبل رأسه وهو يقول يا رسول الله،
تُبايعه، فداك أبي وأمي يا رسول الله فصمت النبي صلى الله عليه وسلم طويلاً
ثم قال: "نعم" فبايعه النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وبعد رحيلهما
التفت إلى أصحابه وقال: ما منعكم أن يقوم أحدكم إلى هذا فيقتُله؟ فقال
عباد بن بشر: ألا أومأت إلي يا رسول الله؟ فوالذي بعثك بالحق إني لأتبع
طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إلى فأضرب عُنقه فقال الرسول صلى الله عليه
وسلم:" إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين".
وفي رواية أخرى
عَنْ سَعْد بن أبي وقَّاص قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ
أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ
إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَسَمَّاهُمْ وَابْنُ أَبِي
سَرْحٍ ، قَالَ : وَأَمَّا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ
عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى
أَوْقَفَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ
فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى فَبَايَعَهُ بَعْدَ
ثَلَاثٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ ( أَمَا كَانَ فِيكُمْ
رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ
بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ) فَقَالُوا : مَا نَدْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ
مَا فِي نَفْسِكَ أَلَا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ قَالَ ( إِنَّهُ
لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ ).
وهكذا
عاد عبد الله بن أبي السرح إلى مُجتمع الإسلام بعد توبته فكان لا يظهر
وجهه للرسول صلى الله عليه وسلم ويفر منه وإذا قابله صدفةً يُسلم عليه ولا
يضع عينه في عين الرسول خجلاً من فعله فقال عثمان بن عفان للنبي صلى الله
عليه وسلم: بأبي أنتَ وأمي، لو ترى ابن أبي السرح يفرُ منك كلما رآك
فتبسَّم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: "أو لم أبايعه وأؤمنه؟" فقال:
بلى، أَيْ رسول الله، ولكنه يتذكر عظيم جُرمه في الإسلام، فقال النبي :
"الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله". فرجع عُثمان إلى عبد الله بن سعد فأخبره،
فكان يأتي فَيسلم على النبي صَلَّى الله عليه وسلم، مع الناس، وقد حسن
إسلامه، ولم يَظهر منه ما ينكر عليه بعد ذلك، ولم يرتد مع المرتدين بعد
وفاة النبي محمد ولم يشارك في فتنة مقتل عثمان بل أعتزلها وقال عنه الإمام
الذهبي: "وهو أحد النجباء العقلاء الكُرماء من قريش".
عبدالله بن سعد مع الخلفاء
شارك
عبدالله بن سعد في فتح فلسطين وكان تحت قيادة عمرو بن العاص، ثم شارك بعد
ذلك في فتح مصر وكان يساعد عمرو بن العاص في عمله في بعض نواحي مصر حيثعينه
عمر على بعض صعيد مصر بعد فتحها.
وبعد وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
أقر عثمان بن عفان في بداية خلافته عمرو بن العاص علي مصر فترة من الوقت،
ولكن يبدو أنه حدث خلاف بين عمرو بن العاص وعبد الله بن سعد بن أبي السرح
في وجهات النظر، فوفد عمرو بن العاص على عثمان بعد مبايعته بالخلافة، وطلب
منه عزل عبد الله بن سعد عن ولاية الصعيد، فرفض عثمان ذلك، وذكر له أن عمر
هو الذي ولى ابن أبي السرح، وأنه لم يأت بما يوجب العزل، فأصر عمرو على
عزله، وأصر عثمان على عدم موافقته، ونتيجة لإصرار كل من الطرفين على رأيه،
رأى عثمان أن من الأصلح عزل عمرو عن مصر وتولية عبد الله بن أبي السرح
مكانه، وهذا ما حدث بالفعل.
ولكن الروم قاموا بالإغارة على الإسكندرية
والاستيلاء عليها وقتلوا جميع من فيها من المسلمين، فرأى أمير المؤمنين
تعيين عمرو بن العاص على جيوش مصر لفتح الإسكندرية من جديد والقضاء على جيش
الروم، وتم ذلك فعلا فأراد عثمان أن يولي عمرو قيادة الجيش وأن يجعل سعد
علي الخراج ولكن عمرو بن العاص رفض ذلك، وجمع عثمان قيادة الجيش والخراج
لعبدالله بن سعد.
قام عبد الله بن سعد أثناء ولايته على مصر باستكمال
مسيرة الفتوحات فكان من غزواته غزوة إفريقية سنة 27هـ وفتوحه فيها، فقد
وجَّه الخليفة عثمان بن عفان عامله على مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى
شمالي إفريقيا وقال له: "إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكَ
غَدًا إِفْرِيقِيَّةَ، فَلَكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ
خُمُسُ الْخُمُسِ مِنَ الْغَنِيمَةِ نَفْلا"، فتقدم عبد الله بن سعد نحو
إفريقية وقتل ملكها جرجير، وكان يصاحبه في تلك الغزوات مجموعة من الصحابة،
منهم: عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص،
وغيرهم، وانتهت الغزوة بصلح مع بطريرك أفريقيا على تأدية الجزية للمسلمين.
وقد عاد ابن أبي السرح إلى أفريقية مرة أخرى ووطد فيها الإسلام وذلك في سنة
33هـ.
وفي سنة 28هـ ركب عبدالله بن سعد البحر ليلحق بمعاوية بن أبي
سفيان والي الشام الذي خرج من ميناء عكا إلى قبرص في جيش كثيف، فالتقيا على
أهلها فقتلوا خلقا كثيرا وسبوا سبايا كثيرة وغنموا مالا جزيلا جيدا.
وكان من أهم أعمال عبد الله بن سعد بن أبي السرح غزوه لبلاد النوبة، وكانت
هذه الغزوة سنة 31هـ، فقد كان عمرو بن العاص قد شرع في فتح بلاد النوبة
بإذن من الخليفة عمر، فوجد حربا لم يتدرب عليها المسلمون وهي الرمي بالنبال
في أعين المحاربين حتى فقدوا مائة وخمسين عينا في أول معركة، ولهذا قبل
الجيش الصلح، ولكن عمرو بن العاص رفض؛ للوصول إلى شروط أفضل، وعندما تولى
عبد الله بن سعد ولاية مصر غزا النوبة في عام 31هـ فقاتله الأساود من أهل
النوبة قتالا شديدا، فأصيبت يومئذ عيون كثيرة من المسلمين، منها عين معاوية
بن حديج رضي الله عنه، فسأل أهل النوبة عبد الله بن سعد المهادنة، فهادنهم
هدنة بقيت إلى ستة قرون، وعقد لهم عقدا يضمن لهم استقلال بلادهم ويحقق
للمسلمين الاطمئنان إلى حدودهم الجنوبية، ويفتح النوبة للتجارة والحصول على
عدد من الرقيق في خدمة الدولة الإسلامية، وقد اختلط المسلمون بالنوبة،
واعتنق كثير منهم الإسلام.
كان من أهم أعمال عبد الله بن سعد بن أبي سرح
العسكرية غزوة ذات الصواري سنة 35هـ، وقد انتصر فيها المسلمون على الروم
بقيادة قسطنطين بن هرقل، الذي جاء بألف سفينة لضرب المسلمين ضربة يثأر لها
لخسارته المتوالية في البر، فقد أرسل معاوية مراكب الشام بقيادة بسر بن
أرطأة، واجتمع مع عبد الله بن سعد بن أبي السرح في مراكب مصر، وكانت كلها
تحت إمرته، ومجموعها مائتا سفينة فقط، وسار هذا الجيش الإسلامي والتقي
بأسطول الروم، وحوَّل العرب قتال البحر إلى قتال برٍّ، وربطوا السفن
العربية بالسفن البيزنطية، فدارت الدائرة على الروم، وانهزم فيها
الإمبراطور قسطنطين الثاني، الذي حضر بنفسه المعركة، وفرَّ يطلب النجاة.
موقف عبدالله بن سعد من الفتنة
كانت
ولاية مصر في أول أمرها هادئة مستقرة إلى أن تمكن مثيرو الفتنة من أمثال
عبد الله بن سبأ من الوصول إليها وإثارة الناس فيها، فقد أخذ عبد الله بن
سبأ يؤلِّبُ الناس على الخليفة وعلى ولاته في مصر والبصرة والكوفة، فأرسل
الخليفة عثمان إلى معاوية وعبد الله وغيرهما ليشاورهم في الأمر، وما طُلِب
منه وما بلغه عنهم، فسارع عبد الله إلى المدينة يريد نصرة الخليفة، وعند
عودته منعه المصريون الثائرون بقيادة محمد بن أبي حذيفة من دخول مصر، ولما
وقعت الفتنة بمقتل عثمان رضي الله عنه اعتزلها عبد الله بن سعد وسكن
عسقلان، أو الرملة في فلسطين.
وفاته رضي الله عنه
بعد مقتل عثمان اعتزل عبد الله السياسة ونجا بنفسه من الفتنة، وخرج إلى عسقلان فظل فيها عابداً.
فلما
كان عند الصبح قال: اللهم اجعل آخر عملي الصبح، فتوضأ ثم صلى، فقرأ في
الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات، وفي الثانية بأم القرآن وسورة، ثم سلم
عن يمينه ثم ذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه رضي الله عنه، وكان ذلك سنة
36 أو 37هـ.
وذكر يزيد بن أبي حبيب: "لما احتضر ابن أبي السرح وهو في
عسقلان، وكان خرج إليها فاراً من الفتنة، فجعل يقول من الليل: آصبحتم؟
فيقولون: لا فلما كان عند الصبح، قال لمولاه: يا هشام! إني لأجد برد الصبح
فأنظر، ثم قال : اللهم أجعل خاتمة عملي الصبح، فتوضأ، ثم صلى، فقرأ في
الأولى بأم القرآن والعاديات، وفي الآخرى بأم القرآن وسورة وسلم عن يمينه،
وذهب يُسلم عن يساره فمات.

إرسال تعليق