نسبه ونشأته
هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان بن
عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي التيمي القرشي،
شقيق أم المؤمنين عائشة، أمه: أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن
عتاب، وهو أكبر ولد أبي بكر الصديق، قاله الزبير بن بكار قال: وكانت فيه
دعابة.
كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة فسماه النبي عبد الرحمن وكان
أشجع رجال قريش، وأرماهم بسهم وكان شاعراً مجيداً، كما كان من أفضل فرسان
الجزيرة العربية في زمانه، وقف ضد المسلمين في بدر أراد أبوه أبو بكر
الصديق أن يبارزه لكن الرسول صلى الله عليه وسلم منعه، وكان أحد الرماة
الذين جندتهم قريش يوم أحد، كان على رأس رماة قريش في غزوة أحد، وقبل أن
يلتحم الجيشان، وقف عبد الرحمن متحديًا يدعو من يبارزه من المسلمين. و نهض
أبوه أبو بكر الصديق رضي الله عنه مندفعاً نحوه ليبارزه، لكن الرسول أمسك
به، وحال بينه وبين مبارزة ولده.
قال ابن هشام: نادى أبو بكر الصديق ابنه عبد الرحمن وهو يومئذ مع المشركين, فقال: أين مالي يا خبيث؟ فقال عبد الرحمن:
لم يبق غير شكة ويعبوب
وصارم يقتل ضلال الشيب
إسلامه
تأخر
إسلامه فقد خرج قبل الفتح في فتية من قريش منهم معاوية إلى المدينة،
فأسلموا، ومنذ أن أسلم عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما وهو لم يتخلف
عن غزوة أو جهاد أو طاعة ويوم اليمامة أبلى فيه بلاءً لا مثيل له فهو الذي
أجهز على محكم بن طفيل العقل المدبر لمسيلمة الكذاب وصمد مع المسلمين حتى
أجهزوا على جيش الردة والكفر، وقد شهد فتوح الشام ومعركة اليرموك وأبلى
فيها حسنا.
بعض مواقفه
وكان عبد الرحمن بن أبي بكر لم يجرب عليه
كذبة قط، وقال ابن عبد البر: كان شجاعًا راميًا حسن الرمي وشهد اليمامة
فقتل سبعة من أكابرهم منهم محكم اليمامة وكان في ثلمة من الحصن فرماه عبد
الرحمن بسهم فأصاب نحره فقتله ودخل المسلمون من تلك الثلمة.
ومن ملامح
شخصيته كرمه فيروى أن أعرابية وقفت على عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي
الله تعالى عنهما فقالت: إني أتيت من أرض شاسعة تخفضني خافضة وترفعني رافعة
في بوادي برين لحمي وهضن عظمي وتركنني والهة قد ضاق بي البلد بعد الأهل
والولد وكثرة من العدد لا قرابة تؤويني ولا عشيرة تحميني فسألت أحياء العرب
من المرتجي سيبه المأمون عيبه الكثير نائله المكفي سائله فدللت عليك وأنا
امرأة من هوازن فقدت الولد والوالد فاصنع في أمري واحدة من ثلاث إما أن
تحسن صفدي وإما أن تقيم أودي وإما أن تردني إلى بلدي، قال: بل أجمعهن لك
ففعل ذلك بها.
وعن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عبد الرحمن بن أبي بكر
الصديق رضي الله عنهما، قدم الشام في تجارة -يعني في زمان جاهليته- فرأى
هنالك امرأة يقال لها: ليلى ابنة الجودي. على طنفسة، حولها ولائدها،
فأعجبته، قال ابن عساكر: رآها بأرض بصرى فقال فيها:
تذكرت ليلى والسماوة دونها
فمال ابنة الجودي ليلى وماليا
وإني تعاطى قلبه حارثية
تؤمن بصرى أوتحـل الحوابـيـا
وإني بلاقيهـا بلى ولعلها
إن الناس حجوا قابلا أن تـوافيا
قال:
فلما بعث عمر بن الخطاب جيشه إلى الشام قال للأمير على الجيش: إن ظفرت
بليلى بنت الجودي عنوة فادفعها إلى عبد الرحمن بن أبي بكر فظفر بها فدفعها
إليه، فأعجب بها وآثرها على نسائه، حتى جعلن يشكونه إلى عائشة، فعاتبته
عائشة على ذلك، فقال: والله كأني أرشف بأنيابها حب الرمان، فأصابها وجع سقط
له فوها، فجفاها حتى شكته إلى عائشة، فقالت له عائشة: يا عبد الرحمن، لقد
أحببت ليلى فأفرطت، وأبغضتها فأفرطت، فإما أن تنصفها، وإما أن تجهزها إلى
أهله، فجهزها إلى أهلها.
وتقدم عمرو بن العاص إلى مصر في جيوشه، ومن لحق
به من العثمانية، والجميع في قريب من ستة عشر ألف, وركب محمد بن أبي بكر
في قريب من ألفي فارس وهم الذين انتدبوا معه من أهل مصر، وقدم بين يدي جيشه
كنانة بن بشر، فجعل لا يلقى أحدًا من الشاميين إلا قاتلهم حتى يلحقهم
مغلوبين إلى عمرو بن العاص، فبعث عمرو بن العاص إليه معاوية بن حديج، فجاءه
من ورائه، وأقبل إليه الشاميون حتى أحاطوا به من كل جانب؛ فترجل عند ذلك
كنانة وهو يقول: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ
اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلاً} [آل عمران: 145] الآية.
ثم قاتل حتى قتل
وتفرق أصحاب محمد بن أبي بكر عنه، ورجع يمشي فرأى خربة فأوى إليها، ودخل
عمرو بن العاص فسطاط مصر، وذهب معاوية بن خديج في طلب محمد بن أبي بكر، فمر
بعلوج في الطريق فقال لهم: هل مر بكم أحد تستنكرونه؟ قالوا: لا. فقال رجل
منهم: إني رأيت رجلاً جالسًا في هذه الخربة. فقال: هو هو ورب الكعبة.
فدخلوا عليه فاستخرجوه منها -وقد كاد يموت عطشًا- فانطلق أخوه عبد الرحمن
بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص، وكان قد قدم معه إلى مصر، فقال: أيقتل أخي
صبرًا؟ فبعث عمرو بن العاص إلى معاوية بن خديج أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر
ولا يقتله. فقال معاوية: كلا والله أيقتلون كنانة بن بشر وأترك محمد بن أبي
بكر, وقد كان فيمن قتل عثمان، وقد سألهم عثمان الماء فلم يسقوه, وقد سألهم
محمد بن أبي بكر أن يسقوه شربة من الماء. فقال معاوية: لا سقاني الله إن
سقيتك قطرة من الماء أبدًا؛ إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه
صائمًا محرمًا، فتلقاه الله بالرحيق المختوم.
موقفه من بيعة يزيد
و
عندما قرر معاوية أن يأخذ البيعة ليزيد كتب إلى مروان عامله على المدينة
كتاب البيعة وأمره أن يقرأه على المسلمين في المسجد وفعل مروان ولم يكد
يفرغ حتى نهض عبد الرحمن بن أبي بكر وقال: "أهرقلية؟! إن أبا بكر والله ما
جعلها في أحد من ولده، ولا أحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا
رحمة وكرامة لولده"، فقال مروان: اسكت فإنك أنت الذي أنزل الله فيك:
{وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ
أُخْرَجَ} [الأحقاف: 17]، وانكرت عائشة ما قاله مروان في سبب نزول الآية،
فقالت عائشة: والله ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن، إلا أنه أنزل عذري.
ويروى
أنها بعثت إلى مروان تعتبه وتؤنبه وتخبره بخبر فيه ذم له ولأبيه لا يصح
عنه. وبعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر بمائة ألف درهم بعد أن أبى
البيعة ليزيد بن معاوية، فردها عبد الرحمن وأبى أن يأخذها، وقال: أبيع ديني
بدنياي؟!، ولما علم بعد ذلك أن معاوية يريد أن يأتي إلى المدينة غادر إلى
مكة من فوره.
وفاته رضي الله عنه
ولم يكد يبلغ مشارف مكة حتى فاضت روحه وقد دفن في أعالي مكة سنة 53هـ.
قال
أبو زرعة الدمشقي: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر في نومة نامها، فأعتقت عنه
عائشة رقابًا ولما توفي كانت وفاته بمكان يقال له: الحبشي على ستة أميال من
مكة، وقيل: اثني عشر ميلاً فحمله الرجال على أعناقهم حتى دفن بأعلى مكة
فلما قدمت عائشة مكة زارته، وقالت: أما والله لو شهدتك لم أبك عليك، ولو
كنت عندك لم أنقلك من موضعك الذي مت فيه، ثم تمثلت بشعر متمم بن نويرة في
أخيه مالك:
وكنا كندماني جذيمة حقبة
من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا
لطول اجتماع لم نبت ليلة معـا

إرسال تعليق