نسبه وإسلامه
هو عبدالله بن عبداللَّه بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب
بن سعد بن تَيم بن مُرَّة بن كعْب بن لُؤيّ القرشيُّ التيمي، صحابي من
المسلمين الأوائل وهو شقيق أسماء بنت أبي بكر.
والده أبو بكر الصديق بن
أَبي قحافة، خليفة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم وأمُّه قُتيلة
بنت عبدالعُزَّى، ولقد اختُلف في إسلامها، وكان أبو بكر قد طلَّقها في
الجاهلية، وأخته أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها ذات النطاقين، وهي
أخته لأمه وأبيه.
كان إسلام عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما قديمًا،
دون تحديد للسنة التي أَسلَم فيها، أي أنه كان من الذين أَسلموا في بداية
الدعوة.
دوره في الهجرة
وكان لعبدالله بن أبي بكر دور في الهجرة
أثناء وجود النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في الغار، فقد كان عينًا
لهما على تَحرُّكات قريش في بَحثها عن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه،
وكان يقوم بدور التسمُّع لما يَدور في مجالس قريش ونواديها، وما يَقولونه
حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وما وصَلوا إليه من تطوُّرات،
وكان ذلك في النهار، أما في الليل، فكان يأتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم
ووالده في الغار ويُخبرهما بأخبار قريش وما سمِعه ورآه في النهار؛ ممَّا
ساعدهما في رسْم الخطة الدقيقة للهجرة، والتحرُّك في الوقت المناسب، دون
أنْ يُعرِّضوا نفوسهم للخطر، ورغم علْمه بخطورة الأعمال التي قام بها في
مكة مِن تسمُّع لأخبار قريش، ورصْد تَحرُّكاتها، ومن ثَمَّ تَوجُّهه ليلاً
إلى غار ثور، إلا أنَّه لم يتركْ خلْفه أيَّ خيط يَقود قريشًا إلى مكان
اختباء النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وبعد ذلك فهو أَنيس لهما في الغار
ليلاً، علاوةً أنَّه كان يُحضِر لهما الطعام ليلاً.
وقد أورد البخاري
في صحيحه في حديث عن الهجرة صفاتٍ كريمةً لعبدالله بن أبي بكر رضي الله
عنهما تدلُّ على فطْنته وذكائه وتضحيته؛ فقد جاء: "ثم لَحِق رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور، فَكَمَنَا فيه ثلاثَ ليالٍ،
يَبيت عندهما عبدالله بن أبي بكر، وهو غلام شاب، ثَقِف، لَقِن، فيُدلِج، من
عندهما بسَحَر، فيُصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يَسمع أمرًا، يَكتادان به
إلا وعاه، حتى يَأتيَهما بِخبَر ذلك حين يَختلِط الظلام".
ومن هنا
يتَّضِح لنا جملةٌ من الصفات التي تَجلَّت في شخص عبدالله بن أبي بكر، وهي
الذكاء والفطنة؛ ممَّا ساعده في إنجاز مهمَّاته تُجاه النبي صلى الله عليه
وسلم ووالده على أكمل وجه، فهو يَذهب إلى ذلك الغار الموحِش ليلاً، ويعود
ليلاً وحيدًا، وتَقودنا هذه الصفة إلى صفة أخرى، وهي القوة الجسديَّة،
والتي أهَّلته أنْ يَعتلي جبل ثور، خلال ثلاث ليالٍ، وهي الفترة التي قضاها
النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار قبل إتمام مشوار الهجرة إلى
المدينة المنوَّرة، وهناك صفة أخرى هي صفة الخداع للأعداء، وهي عن طريق
إيهامهم بوجوده ومَبيته في مكة، مع أنَّه قضى ليله في الغار.
وقال ابن
إسحاق: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثًا ومعه أبو بكر,
وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن يرده عليهم. وكان عبد الله بن أبي
بكر يكون في قريش نهاره معهم, يسمع ما يأتمرون به وما يقولون في شأن رسول
الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر.
وبعد
وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، عاد عبداللَّه بن أُريقط
الدؤلي إلى مكة، وقد كان دليل النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى
المدينة، ثم أَخبَر عبداللَّه بن أبى بكر الصديق بوصول أبيه إلى المدينة،
فخرَج عبداللَّه بن أبي بكر بعيال أبي بكر بطلب من أبي بكر نفسه، وكان معهم
أم رُومَان، وعائشة وأسماء بنات أبي بكر رضي الله عنهم جميعًا وصَحبهم
طلحة بن عبيداللَّه حتى قدِموا المدينة.
مع زوجه عاتكة بنت زيد رضي الله عنها
قُدِّر
لعبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما أنْ يَتزوَّج من عاتكة بنت زيد، وهي
بنت زيد بن عمرو بن نفيل القُرشية العدوية، من الصحابيات المهاجرات، وكانت
حسناء جميلة ذات خلْقٍ بارِع، فأحبَّها حبًّا شديدًا حتى غَلبتْ عليه
نفسَه، وشغلتْه عن مَغازيه وغيرها، فأمَرَه أبوه بطلاقها، فأخذ يُردِّد:
يَقُولُونَ طَلِّقْهَا وَخَيِّمْ مَكَانَهَا
مُقِيمًا تُمَنِّي النَّفْسَ أَحْلامَ نَائِمِ
وَإِنَّ فِرَاقِي أَهْلَ بَيْتٍ جَمِيعَهُمْ
عَلَى كَثْرَةٍ مِنِّي لَإِحْدَى العَظَائِمِ
أَرَانِي وَأَهْلِي كَالْعُجُولِ تَرَوَّحَتْ
إِلَى بَوِّهَا قَبْلَ العِشَارِ الرَّوَائِمِ
فعَزم عليه أبوه حَتَّى طلَّقها، ثم تبعتْها نفسُه، فهجم عليه أبو بَكر، وهو يقول:
أَعَاتِكُ لَا أَنْسَاكِ مَا ذَرَّ شَارِقٌ
وَمَا نَاحَ قُمْرِيُّ الْحَمَامِ المُطَوَّقُ
أَعَاتِكُ قَلْبِي كَلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ
إِلَيْكِ بِمَا تُخْفِي النُّفُوسُ مُعَلَّقُ
وَلَمْ أَرَ مِثْلِي طَلَّقَ الْيَوْمَ مِثْلَهَا
وَلا مِثْلَهَا فِي غَيْرِ جُرْمٍ تُطَلَّقُ
لَهَا خُلُقٌ جَزْلٌ وَرَأْيٌ وَمَنْصِبٌ
وَخَلْقٌ سَوِيٌّ فِي الْحَيَاءِ وَمَصْدَقُ
فسمِعه والده الصديق، فرقَّ له قلبُه، فأمَرَه فارتَجعها، فقال عبدالله حين ارتَجعَها:
أَعَاتِكُ قَدْ طُلِّقْتِ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ
وَرُوجِعْتِ لِلأَمْرِ الَّذِي هُوَ كَائِنُ
كَذَلِكِ أَمْرُ اللَّهِ غَادٍ وَرَائِحٌ
عَلَى النَّاسِ فِيهِ أُلْفَةٌ وَتَبَايُنُ
وَمَا زَالَ قَلْبِي لِلتَّفَرُّقِ طَائَرًا
وَقَلْبِي لِمَا قَدْ قَرَّبَ اللَّهُ سَاكِنُ
لِيَهْنِكِ أَنِّي لَا أَرَى فِيهِ سُخْطَةً
وَأَنَّكِ قَدْ تَمَّتْ عَلَيْكِ المَحَاسِنُ
وَأَنَّكِ مِمَّنْ زَيَّنَ اللَّهُ وَجْهَهُ
وَلَيْسَ لِوَجْهٍ زَانَهُ اللَّهُ شَائِنُ
وكان
عبدالله يُحبُّ زوجه عاتِكة حبًّا كبيرًا، وهذا يَتضِح لنا بشكل أكثر
وُضوحًا عندما نَسمَع خبَره معها رضي الله عنهما أنَّه قبْل وفاته ومن شدة
حبِّه لها، اشترط عليها ألا تتزوَّج بعده، على أنْ يَجعل لها طائفة من
ماله، وذكَر البعض أنَّه جعَل لها بعض أراضيه، وذكر آخرون أنه كَتَب لها
حائطًا، وقد وافقتْ رضي الله عنها على ذلك، وتَبتَّلت وجعلتْ تَمتنع عن
الرجال بعد وفاة عبدالله رضي الله عنه وكثُر خاطبوها؛ لحسْنها وتقواها،
وقيل: تزوَّجها زيد بن الخطاب، على خلاف في ذلك، واستشهد عنها يوم اليمامة،
وقد تزوَّجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعدما حاجَجَها في تَمنُّعها عن
الزواج بعد عبدالله بن أبي بكر؛ لأنَّه أعطاها بعض ماله على أنْ تَبقى دون
زواج بعده، وبعدما أقنعها عمر بالحكم الشرعي، وافقتْ على طلبِه وتزوَّجها
عمر بن الخطاب رضي الله عنه واستُشهد عنها، ومن ثم تزوَّجها الزبير بن
العوام رضي الله عنه وقُتِل عنها شهيدًا؛ ولذلك كان أهل المدينة يقولون:
"من أراد الشهادة فليتزوَّج عاتكة بنت زيد"، ثم خطَبَها علي بن أبي طالب
رضي الله عنه بعد انقضاء عدتها من الزبير، فأَرسلتَ إليه إنِّي لأضنُّ بك
يا بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتل، وتزوَّجها الحسن بن علي،
فتُوفِّي عنها، وهو آخر من ذُكر من أزواجها.
وفاته رضي الله عنه
حضَر
عبدالله الفتح ثم حنينًا، ثم توجَّه مع الرسول صلى الله عليه وسلم لحصار
فلول هوازن وثقيف في الطائف، ورُويَ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نصَب
المنجنيق على أهل الطائف أربعين يومًا، قال ابن إسحاق: "حتى إذا كان يوم
الشدخة عند جدار الطائف، دخَل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
تحت دبابة، ثم رجَعوا بها إلى جدار الطائف ليُخرِّقوه، فأرسلتْ عليهم ثقيف
سككَ الحديد مُحْمَاةً بالنار، فخَرَجوا من تَحتها، فرمتْهم ثقيف بالنَّبل،
فقَتَلوا منهم رجالاً"، وفي رواية: "ونصَب النبي صلى الله عليه وسلم
المنجنيق على أهل الطائف، وقذَف به القذائف، حتى وقعتْ شدخة في جدار الحصن،
فدخَل نفرٌ من المسلمين تحت دبابة، ودخلوا بها إلى الجدار ليحرقوه، فأرَسل
عليهم العدو سككَ الحديد مُحماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرموهم بالنَّبل
وقَتَلوا منهم رجالاً، وأُصيب عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما بسهم في
جسده"، وقال المرزباني في مُعجم الشّعراء: "إنَّما أصابه حجرٌ في حصار
الطّائف، فمات شهيدًا"، وقيل: "إنَّ الذي رماه به هو أبو محجن الثقفي"،
وقيل: "إنَّ الذي رماه سعيد بن عبيد أخو بني عجلان"؛ كما أورد البيهقي في
سُننه: "فقدِم عليه وفد ثقيف، ولم يَزل ذلك السهم عنده، فأُخرِج إليهم،
فقال: هل يَعرِف هذا السهم منكم أحد؟ فقال سعيد بن عبيد أخو بني العجلان:
هذا سهم أنا بَريتُه ورِشتُه وعقَّبتُه، وأنا رَميتُ به، فقال أبو بكر رضي
الله عنه: "فإنَّ هذا السهم الذي قتَل عبدالله بن أبي بكر، فالحمد لله الذي
أكَرَمه بيدكِ، ولم يُهنكَ بيده، فإنَّه أوسعُ لكما"، وقد عانى من هذه
الإصابة زمنًا حتى انْدمَل جرحه فبَرِئ منه، ثم انتقض الجرح ثانية فمات منه
في شوال في السنة الحادية عشرة للهجرة في خلافة أبيه، وكانت وفاته بعد
أربعين ليلة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فعن القاسم بن محمد، قال:
"رُمي عبدالله بن أبي بكر بسهم يوم الطائف، فانتقَضَت به بعد وفاة رسول
الله صلى الله عليه وسلم بأربعين ليلة".
وجاء في بعض الروايات أنَّ
عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما كان قد اشترى حُلَّة اشتُريت للنبي صلى
الله عليه وسلم ليُكفَّن فيها، ثم تُركِت هذه الحلة، ولم يكفَّن فيها رسول
الله صلى الله عليه وسلم فأخذها عبدالله بن أبي بكر وقال: "لأحبِسنَّها حتى
أُكفِّن فيها نفسي، ثم قال: لو رضِيها الله - عز وجلَّ - لنبيِّه، لكفَّنه
فيها، فباعها وتَصدَّق بثمنها"، وفي رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها
تذكُر أنَّ الحُلَّة إنَّما كانت في أصلها لعبدالله بن أبي بكر، وأُحضِرت
ليُكفَّن النبي صلى الله عليه وسلم فيها، ثم نُزِعت عنه صلى الله عليه وسلم
حيث قالت: "أُدرِج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حُلَّة يمنيَّة كانت
لعبدالله بن أبي بكر، ثم نُزِعت عنه، وكُفِّن في ثلاثة أثواب سحول
يَمانيَة، ليس فيها عَمامة، ولا قميص"، فرفَع عبدالله الحلة، فقال: أُكفَّن
فيها، ثم قال: "لم يُكفَّن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأُكفَّن
فيها! فتَصدَّق بها".
تُوفِّي عبدالله بن أبي بكر في شوال من
السَّنة الحادية عشرة للهجرة في أول خلافة والده الصديق رضي الله عنه وذلك
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين يومًا، ودُفِن بعد الظهر،
وصلَّى عليه أبوه، ونزَل في قبره أخوه عبدالرحمن، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن
عبيدالله رضي الله عنهم جميعًا وقد دُفِن في المدينة المنورة، وكان يُعدُّ
من شهداء الطائف، وليس له عَقِب.
ولم تكن رضي الله عنها راغِبة في
الزَّواج بعده، لولا أنَّ أمير المؤمنين عمر بيَّن لها أنَّ هذا الفعل خلاف
الأَولى، على الأقلِّ تقع فيه إنَّ هي أصرَّت عليه، فتَنازلتْ عن ذلك،
وقَبِلتْ بالزواج من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وتزوَّجها عمر بن الخطاب
في سنة اثنتي عشرة من الهجرة، فأَولَم عليها، ودَعا أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم وفيهم علي بن أبي طالب، فقال له علي: "يا أمير المؤمنين،
دعْني أُكلِّم عاتكة"، قال: "نعم" فأخذ علي بجانب الخِدر، ثم قال: "يا عدية
نفْسها أين قولُك:
فَآلَيْتُ لَا تَنْفَكُّ عَيْنِي حَزِينَةً
عَلَيْكَ وَلَا يَنْفَكُّ جِلْدِيَ أَغْبَرَا؟
فبَكتْ، فقال عمر: "ما دعاك إلى هذا يا أبا الحسن؟ كلُّ النساء يَفعلنَ هذا".

إرسال تعليق