نسبه ومولده
هو عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد
العزى بن قصي بن كلاب بن مرة، الأسدي القرشي، صحابي من صغار الصحابة، وابن
الصحابي الزبير بن العوام، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهو أول مولود
للمسلمين في المدينة المنورة بعد هجرة النبي محمد إليها، وفارس قريش في
زمانه
ولد عبد الله بن الزبير في قباء في شوال سنة 1هـ وكانت أمه أسماء
قد خرجت من مكة مهاجرة وهي مُتمّة حملها به. فكان عبد الله أول مولود
للمهاجرين في المدينة، وقد استبشر المسلمون بمولده، حيث كانوا قد بقوا
لفترة لا يولد لهم مولود حتى قيل إن يهود المدينة سحرتهم، ثم حملته أمه في
خرقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فحنّكه بتمرة وبارك عليه وسماه عبد
الله باسم جده أبي بكر، وأمر أبا بكر أن يؤذن في أذنيه.
نشأته
نشأ
عبد الله بن الزبير رضي الله عنه نشأة طيبة، وتنسم منذ صغره عبق النبوة،
وكانت خالته السيدة عائشة رضي الله عنها تُعنَى به وتتعهده، حتى كنيت
باسمه، فكان يقال لها: "أم عبد الله"؛ لأنها لم تنجب ولدًا، وكان ابن
الزبير مداومًا على التردد على بيت خالته عائشة في حياة النبي صلى الله
عليه وسلم وفي سن السابعة أمره أبوه بمبايعة النبي محمد، فتبسم النبي محمد
لذلك، ثم بايعه.
فعن هشام بن عروة، عن أبيه وزوجته فاطمة، قال: خرجت
أسماء حين هاجرت حبلى، فنفست بعبد الله بقباء قالت أسماء رضي الله عنها:
فجاء عبد الله رضي الله عنه بعد سبع سنين ليبايع النبي، أمره بذلك أبوه
الزبير رضي الله عنه، فتبسم النبي حين رآه مقبلاً، ثم بايعه.
وفي رواية
أخرى أنه أشار أناس على النبي صلى الله عليه وسلم في أبناء بعض المهاجرين
والأنصار، فقالوا له: «لو بايعتهم فتصيبهم برَكَتك، ويكون لهم ذكر»، فأتوا
بهم وفيهم عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير وعمرو بن أبي سلمة،
فتراجعوا واقتحم ابن الزبير، فتبسم النبي وقال: « إنه ابن أبيه».
جهاده وعبادته وعلمه
شهد
عبد الله بن الزبير اليرموك ولكنه لم يشارك في القتال لصغر سنه، ولكنه
شارك في تطبيب الجرحى، وفي عهد عثمان بن عفان، شارك عبد الله في فتح
إفريقية، حيث كان من المدد الذي أُمدّ به عبد الله بن سعد بن أبي السرح
لقتال جرجير في سبيطلة، فكان لمشاركته أثر بالغ في ترجيح كفة المسلمين في
المعركة كما أنه هو من وضع خطة هذه المعركة، واستطاع في جماعة من الفرسان
أن يخترق صفوف الرومان وقتل ابن الزبير قائدهم جرجير؛ فارتبك الروّمان
وكانت الغلبة للمسلمين. ثم شارك ابن الزبير في تمام فتح إفريقية، وأرسله
ابن سعد إلى عثمان يبشّره بفتح إفريقية.
وبعد أن تولّى معاوية بن أبي
سفيان الخلافة عام آثر ابن الزبير حياة الجهاد، فشارك في فتوحات إفريقية
تحت إمرة واليها معاوية بن حديج، فكان من قادته، فشارك في فتح بنزرت، وبعثه
ابن خديج إلى سوسة ففتحها، وفي عام 49 هـ، شارك عبد الله بن الزبير في جيش
يزيد بن معاوية الذي حاصر القسطنطينية.
ويوم حُوصر عثمان بن عفان في
داره، كان ابن الزبير من المدافعين عن عثمان، بل وألح على عثمان أن يسمح له
بقتالهم، لكن عثمان رفض، فأصر ابن الزبير ومعه مروان بن الحكم على الدفاع
عن عثمان، وأصيب إصابات بالغة وأُخرج يومها محمولاً من كثرة الإصابات، ثم
كان عبد الله في حزب أبيه وطلحة وعائشة رضي الله عنهما، وشارك في موقعة
الجمل، وقد تبارز يومئذ مع مالك بن الحارث الأشتر ولم يستطع عبد الله أن
يهزمه، فاحتضنه وجعل يقول لأصحابه: «اقتلوني ومالكًا واقتلوا مالكًا معي»
ثم افترقا، وقد جُرح ابن الزبير تسعة عشر جرحًا ووجدوه بين القتلى وقد كاد
أن يهلك، فأعطت عائشة لمن بشَّرها بأنه لم يقتل عشرة آلاف درهم وسجدت لله
شكرًا، لما له من مكانة في قلبها.
أما عن عبادته فيروي عبد الملك بن
عبد العزيز عن خاله يوسف بن الماجشون قال: قسم عبد الله بن الزبير الدهر
على ثلاث ليال: فليلة هو قائم حتى الصباح وليلة هو راكع حتى الصباح وليلة
هو ساجد حتى الصباح.
وعن يزيد بن إبراهيم التستري عن عبد الله بن سعيد
عن مسلم بن يناق المكي قال: ركع ابن الزبير يوما ركعة فقرأت البقرة وآل
عمران والنساء والمائدة وما رفع رأسه..
وروى هشيم عن مغيرة عن قطن بن
عبد الله قال: رأيت ابن الزبير يواصل من الجمعة إلى الجمعة فإذا كان عند
إفطاره من الليلة المقبلة يدعو بقدح ثم يدعو بقعب من سمن ثم يأمر فيحلب
عليه ثم يدعو بشيء من صبر فيذره عليه ثم يشربه: فأما اللبن فيعصمه وأما
السمن فيقطع عنه العطش وأما الصبر فيفتح أمعاءه.
وعن مجاهد قال: كان ابن الزبير إذا قام للصلاة، كأنه عمود.
وقال
عمر بن عبد العزيز رحمه الله يومًا لابن أبي مُلَيْكة: صِفْ لنا عبد الله
بن الزبير رضي الله عنه. فقال: "والله ما رأيت نفسًا رُكّبت بين جَنْبين
مثل نفسه، ولقد كان يدخل في الصلاة فيخرج من كل شيء إليه، وكان يركع أو
يسجد فتقف العصافير فوق ظهره وكاهله، لا تحسبه من طول ركوعه وسجوده إلا
جدارًا أو ثوبًا مطروحًا، ولقد مرَّت قذيفة منجنيق بين لحيته وصدره وهو
يصلي، فوالله ما أحسَّ بها ولا اهتزَّ لها، ولا قطع من أجلها قراءته، ولا
تعجَّل ركوعه".
وكان رضي الله عنه كثير العبادة، إذا قام إلى الصلاة
انقطع عن الدنيا ونسى مشاغلها، فقد ذكر ابن كثير أن ابن الزبير كان يومًا
يصلي فسقطت حية من السقف فطوقت بطن ابنه هاشم فصرخ النسوة وانزعج أهل
المنزل واجتمعوا على قتل تلك الحية، فقتلوها وسلم ابنه، فعلوا هذا كله وابن
الزبير في الصلاة لم يلتفت ولا دري بما جرى حتى سلّم، كما كان عمرو بن
دينار يقول: «ما رأيت مصليًا قط أحسن صلاة من عبد الله بن الزبير.»، وقال
ابن أبي مليكة: «ما رأيت مناجيًا ولا مصليًا مثله.»، وقال ثابت البناني:
«كنت أمر بابن الزبير، وهو خلف المقام يصلي، كأنه خشبة منصوبة لا تتحرك.»
وقال عثمان بن طلحة: «كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاثة: شجاعة، ولا عبادة،
ولا بلاغة.». وقال مجاهد: «ما كان باب من العبادة إلا تكلفه ابن الزبير،
ولقد جاء سيل بالبيت، فرأيت ابن الزبير يطوف سباحة.» ولم يكن أحد أعلم
بمناسك الحج من ابن الزبير في زمانه.
وقد عرف عن ابن الزبير بأنه واسع
المعرفة بالقرآن والسنة، وقال عنه ابن عباس: «كان قارئًا لكتاب الله متبعًا
لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قانتًا لله صائمًا في الهواجر من مخافة
الله، ابن حواري رسول الله، وأمه بنت الصديق، وخالته عائشة حبيب الله زوجة
رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجهل حقه إلا من أعمى الله بصيرته.»،
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «لما مات العبادلة عبد الله بن عباس، وعبد
الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص صار الفقه في جميع البلدان
إلى الموالي.»، وقال هشام بن عروة: «أقام عبد الله بن الزبير بمكة تسع
سنين، يهل بالحج لهلال ذي الحجة.».
وكان ابن الزبير ممن أمرهم عثمان بن
عفان بنسخ المصاحف، وقد روى ابن الزبير 33 حديثًا أحدهم متفق عليه، وانفرد
البخاري بستة أحاديث، ومسلم بحديثين.
وعُرف عنه أيضًا فصاحته
وخطابته، حتى عدّه سعيد بن المسيب أحد خطباء قريش في الإسلام حين قال:
«خطباء قريش في الإسلام: معاوية وابنه، وسعيد وابنه، وعبد الله بن الزبير.»
كان
ابن الزبير شديدًا في سياساته الماليّة، فكان لا ينفق المال إلا في وجوهه
الشرعية، مما دفع بعض المؤرخين لوصفه بالبخل مدفوعين بكثرة تعنيف ابن عباس
لابن الزبير بالبخل، ولمقارنتهم لسياسته المالية بسياسة معاصريه من
الأمويين من الإنفاق لكسب الأنصار والمؤيدين والشعراء.
وكان من أبرز
مظاهر شدته تلك سجنه لابنه حمزة بعد أن عزله عن العراق، وسؤاله له عن أموال
أخبره بأنه وزعها على قومه فوصلهم به، فقال له ابن الزبير: «مال ليس لك
ولا لأبيك.»، ثم سجنه.
بعض مواقف عبد الله بن الزبير رضي الله عنه
روي
من غير وجه أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه شرب من دم النبي؛ كان
النبي قد احتجم في طست، فأعطاه عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قائلاً:
"يا عبد الله، اذهب بهذا الدم فأهريقه حيث لا يراك أحد". فلما بَعُد، عمد
إلى ذلك الدم فشربه، فلما رجع قال: "ما صنعت بالدم؟" قال: إني شربته؛
لأزداد به علمًا وإيمانًا، وليكون شيء من جسد رسول الله في جسدي، وجسدي
أَوْلَى به من الأرض. فقال: "أبشرْ، لا تمسَّك النار أبدًا، وويل لك من
الناس، وويل للناس منك".
وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه:( أَنَّهُ
أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَحتَجِمُ،
فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: يَا عَبدَ اللَّهِ اذهَب بِهَذَا الدَّمِ
فَأَهرِقهُ حَتَّى لا يَرَاهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا بَرَزَ عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَمَدَ إِلَى الدَّمِ فَشَرِبَهُ،
فَقَالَ: يَا عَبدَ اللَّهِ مَا صَنَعتَ، قَالَ: جَعَلتُهُ فِي أَخفَى
مَكَانٍ ظَنَنتُ أَنَّهُ يَخفَى عَلَى النَّاسِ، قَالَ : لَعَلَّكَ
شَرِبتَهُ، قَالَ: نَعَم قَالَ: وَلِمَ شَرِبتَ الدَّمَ؟! وَيلٌ لِلنَّاسِ
مِنكَ وَوَيلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ).
مرَّ عمر بن الخطاب بعبد الله وهو
يلعب مع رفاقه من الصبيان، فأسرعوا يلوذون بالفرار هيبةً لعمر وإجلالاً له،
في حين ثبت عبد الله بن الزبير، ولزم مكانه، فقال له عمر رضي الله عنه: ما
لك لم تفر معهم؟ فقال عبد الله رضي الله عنه: لم أجرم فأخافك، ولم يكن
الطريق ضيقًا فأوسع لك.
موقف عبد الله بن الزبير من خلافة يزيد
لما
تولى يزيد بن معاوية الخلافة، حرص على أخذ البيعة من الأمصار الإسلامية،
فلبت نداءه وبايعته دون تردد، في حين استعصت عليه بلاد الحجاز حيث يعيش
أبناء الصحابة الذين امتنعوا عن مبايعة يزيد رضي الله عنه، وكان في مقدمتهم
الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، غير أن يزيد بن معاوية
رضي الله عنه ألحَّ في ضرورة أخذ البيعة منهما، ولو جاء الأمر قسرًا
وقهرًا لا اختيارًا وطواعية، ولم يجد ابن الزبير رضي الله عنه مفرًّا من
مغادرة المدينة والتوجه إلى مكة، والاحتماء ببيتها العتيق، وسمَّى نفسه
"العائذ بالبيت"، وفشلت محاولات يزيد في إجباره على البيعة.
وبعد
استشهاد الحسين بن علي رضي الله عنه في معركة كربلاء التفَّ الناس حول ابن
الزبير رضي الله عنه، وزاد أنصاره سخطًا على يزيد بن معاوية رضي الله عنه،
وحاول يزيد رضي الله عنه أن يضع حدًّا لامتناع ابن الزبير رضي الله عنه عن
مبايعته، فأرسل إليه جيشًا بقيادة مسلم بن عقبة، غير أنه توفي وهو في
الطريق إلى مكة، فتولى قيادة الجيش الحصين بن نمير، وبلغ مكة وحاصر ابن
الزبير رضي الله عنه أربعة وستين يومًا، دارت خلالها مناوشات لم تحسم
الأمر، وفي أثناء هذا الصراع جاءت الأنباء بوفاة يزيد بن معاوية فسادت
الفوضى والاضطراب في صفوف جيش يزيد.
الخليفة عبدالله بن الزبير رضي الله عنه
توقف
القتال بين الفريقين، وعرض الحصين بن نمير على ابن الزبير رضي الله عنه أن
يبايعه قائلاً له: "إن يك هذا الرجل قد هلك (أي يزيد)، فأنت أحق الناس
بهذا الأمر، هلُمَّ فلنبايعك، ثم اخرج معي إلى الشام؛ فإن الجند الذين معي
هم وجوه أهل الشام وفرسانهم، فوالله لا يختلف عليك اثنان".
لكن ابن
الزبير رضي الله عنه رفض هذا العرض، الذي لو قبله لربما تمَّ له الأمر دون
معارضة؛ لأن بني أمية اضطرب أمرهم بعد موت يزيد بن معاوية رضي الله عنه
ورفْض ابنه معاوية بن يزيد تولي الأمر، ثم لم يلبث أن تُوُفِّي هو الآخر
بعد أبيه مباشرة.
ثم أعلن ابن الزبير رضي الله عنه نفسه خليفة للمسلمين
عقب وفاة يزيد بن معاوية رضي الله عنه، وبويع بالخلافة في، ودخلت في طاعته
ومبايعته الكوفة، والبصرة، ومصر، وخراسان، والشام معقل الأمويين، ولم يبق
سوى الأردن على ولائه لبني أمية بزعامة حسان بن بَحْدَل الكلبي، ولم يلق
ابن الزبير رضي الله عنه تحديًا في بادئ الأمر، فهو صحابي جليل تربَّى في
بيت النبوة، واشتهر بالتقوى والصلاح والزهد والورع، والفصاحة والبيان
والعلم والفضل، وحين تلفَّت المسلمون حولهم لم يجدوا خيرًا منه لتولي هذا
المنصب الجليل.
وكان أهم عمل قام به ابن الزبير، هدمه للكعبة سنة 64هـ
بعد أن لحقها الحريق والضرر من آثار قصفها بمنجنيق الحصين بن نمير السكوني
وكان عبد الله بن الزبير قد شاور الناس في هدمها، فأشار عليه جابر بن عبد
الله وعبيد بن عمير بذلك، فيما تخوّف ابن عباس من تهاون الناس بحرمة الكعبة
إن تكرر هدمها من وقت لآخر. وبعد المشاورة، أقام ابن الزبير ثلاثة أيام
يستخير، وهمّ في الرابع على هدمها على ذلك وبدأ الركن حتى وصل إلى أساسها،
ثم بنى البيت وأدخل الحجر فيه لحديث عائشة: «قال لي رسول الله صلى الله
عليه وسلم لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ثم لبنيتها على أس
إبراهيم، فإن قريشًا حين بنت استقصرت، ثم جعلت لها خلفًا»، وجعل للكعبة
بابين باب يدخل منه وباب يخرج منه، ووضع الحجر الأسود بيده، وشده بفضة لأنه
كان قد تصدع، وجعل طول الكعبة 27 ذراعًا بعد أن كانت 17 ذراعا، كما زاد في
وسعها 10 أذرع، ولطخ جدرانها بالمسك، وسترها بديباج، غير أن بناءه لم يدم
طويلاً، حيث رد الحجاج بن يوسف سنة 73هـ بناء الكعبة إلى ما كانت عليه بأمر
من عبد الملك بن مروان، ولم يكن بلغه حديث عائشة، فلما بلغه الحديث بعد
ذلك قال: «وددنا أنا تركناه وما تولى من ذلك.»
وفاته رضي الله عنه
توجّه
الحجاج الثقفي بعد مقتل مصعب بن الزبير على رأس جيش كبير من عشرين ألفًا من
جند الشام إلى الحجاز، وضرب حصارًا على مكة، فأصاب أهل مكة مجاعة كبيرة،
ومع اشتداد الحصار على ابن الزبير، دخل عبد الله على أمه أسماء يشكو لها
تخاذل الناس عنه، فقالت: «أنت والله يا بني أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك
على حق وإليه تدعو فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يتلعب
بها غلمان أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت! أهلكت نفسك،
وأهلكت من قتل معك، وإن قلت: كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس
فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا! القتل أحسن، فقال: "يا
أُمَّتِ، إني أخاف إن قتلوني أن يمثِّلوا بي، قالت: "إنّ الشاة لا يضرُّها
سلخها بعد ذبحها".» فقبّل رأسها، وسألها الدعاء له، وانصرف عازمًا على
مواصلة القتال.
ولم تمض أيام حتى هجم الجيش على مكة حتى قتل الكثيرون من
أهل مكة وأصحاب ابن الزبير، فقاتل قتالاً شديدًا حتى قتل وقتل معه عبد
الله بن مطيع العدوي وعبد الله بن صفوان الجمحي وهو متعلق بأستار الكعبة،
وكان ذلك في يوم الثلاثاء 17 جمادى الآخرة سنة 73 هـ، بعد أن حُوصر في مكة
لأكثر من ثمانية أشهر، وبوفاته انتهت دولته التي استمرت نحو تسع سنين. وكان
عُمر ابن الزبير رضي الله عنه يوم استشهاده 72 سنة.
حُزّ رأس ابن
الزبير، وأُرسِل إلى عبد الملك بن مروان، وصلب الحجاج بدنه مُنكّسًا عند
الحجون بمكة، فما زال مصلوبًا حتى مر به عبد الله بن عمر فقال: «رحمة الله
عليك يا أبا خبيب، أما والله لقد كنت صوّامًا قوّامًا»، ثم بعث للحجاج
قائلاً: «أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟»، فأُنزل ودُفن هناك، بعد أن صلى
عليه أخوه عروة، وأمه يؤمئذ حَيّة، ثم توفيت بعد ذلك بأشهر بالمدينة.
سئل
عنه ابن عباس رضي الله عنه فقال على الرغم مما بينهم من خلاف: "كان قارئًا
لكتاب الله، مُتَّبِعًا سنة رسوله، قانتًا لله، صائمًا في الهواجر من
مخافة الله، ابن حواريّ رسول الله، وأمه أسماء بنت الصديق، وخالته عائشة
زوجة رسول الله، فلا يجهل حقه إلا من أعماه الله".
قال عمر بن قيس: "كان
لابن الزبير مائة غلام، يتكلّم كل غلام منهم بلغة أخرى، وكان الزبير يكلّم
كلَّ واحد منهم بلغته، وكنت إذا نظرتُ إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجلٌ لم
يُرِد الله طرفةَ عين. وإذا نظرتُ إليه في أمر آخرته قلت: هذا رجلٌ لم
يُرِد الدنيا طرفة عين.
وقد وصف ابن كثير عبد الله بن الزبير فقال: «كان
آدم نحيفًا ليس بالطويل، وكان بين عينيه أثر السجود، كثير العبادة،
مجتهدًا شهمًا فصيحًا، صوّامًا قوّامًا، شديد البأس، ذا أنفة، له نفس شريفة
وهمّة عالية، وكان خفيف اللحية ليس في وجهه من الشعر إلا قليل، وكانت له
جُمة، وكانت له لحية صفراء، وكان عالمًا عابدًا مهيبًا وقورًا، كثير الصيام
والصّلاة شديد الخشوع قويَّ السياسة»، وقد عُرف عبد الله بن الزبير
بشجاعته منذ صغره.
وعن ابن أبي مليكة، قال: ذكر ابن الزبير عند ابن عباس
، فقال : قارئ لكتاب الله ، عفيف في الإسلام ، أبوه الزبير ، وأمه أسماء ،
وجده أبو بكر ، وعمته خديجة ، وخالته عائشة ، وجدته صفية . والله إني
لأحاسب له نفسي محاسبة لم أحاسب بها لأبي بكر وعمر .
وكان عمرو بن دينار يقول: ما رأيت مصليا قط أحسن صلاة من عبد الله بن الزبير.
وقال مجاهد: كان ابن الزبير إذا قام إلى الصلاة ، كأنه عود ، وحدث أن أبا بكر رضي الله عنه كان كذلك.
قال ثابت البناني: كنت أمر بابن الزبير، وهو خلف المقام يصلي، كأنه خشبة منصوبة لا تتحرك.
قال
الإمامُ مَالكُ بْنُ أَنَس: عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ كَانَ أَفْضَلُ
مِنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَكَانَ أَوْلَى بِالأَمْرِ مِنْ
مَرْوَانَ وَمِنَ ابْنِهِ، عَبْد الْمَلِكِ بْن مَرْوَان.
قال الإمامُ
الذهبي: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،
كَبِيْراً فِي العِلْمِ، وَالشَّرَفِ، وَالجِهَادِ، وَالعِبَادَةِ.
روى
مسلمٌ عَنْ أَبِي نَوْفَلٍ، رَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ(أي بعد
وفاته) عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ
عَلَيْهِ، وَالنَّاسُ حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ،
فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ، أَبَا خُبَيْبٍ
السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ
أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللهِ لَقَدْ
كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ
هَذَا، أَمَا وَاللهِ إِنْ كُنْتَ، مَا عَلِمْتُ، صَوَّامًا، قَوَّامًا،
وَصُولًا لِلرَّحِمِ.
قَالَ نَافِعٌ: سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ التَّكْبِيرَ
فِيمَا بَيْنَ المَسْجَدِ إِلَى الحَجُوْنِ(مكان بمكة) حِيْنَ قُتِلَ ابْنُ
الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: لَمَنْ كَبَّرَ حِيْنَ وُلِدَ أَكْثَرُ وَخَيْرٌ
مِمَّنْ كَبَّرَ لِقَتْلِهِ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَكَثَ
عَامِرُ بْنُ عَبْدِ الله بْنُ الزُّبَيْرِ بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهِ حَوْلاً
لا يَسْأَلُ أَحَدًا لِنَفْسِهِ شَيْئًا إِلا الدُّعَاءَ لأَبِيهِ.

إرسال تعليق