نسبه ومولده
هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
بن قصي الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو الخلفاء، أمُّه
أمُّ الفضل لبابة بنت الحارث الهلاليَّة، أما عن مولده روي مجاهد بن جبر
عن ابن عباس أنه قال: "لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم
وَأَهْلُ بَيْتِهِ فِي الشِّعْبِ أَتَى أَبِي النَّبِيَّ صلى الله عليه
وسلم فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أَرَى أُمَّ الْفَضْلِ إِلَّا قَدِ
اشْتَمَلَتْ عَلَى حَمْلٍ قَالَ: «لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُقِرَّ أَعْيُنَنَا
مِنْهَا بِغُلَامٍ»، فَأَتَى بِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا
فِي خِرْقَتِي فَحَنَّكَنِي قَالَ مجاهد: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا حُنِّكَ
بِرِيقِ النُّبُوَّةِ غَيْرَهُ". وقال الواقدي: لا خلاف أنه ولد في الشعب،
وبنو هاشم محصورون، فولد قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث
سنين.
وعن عبد الله بن عباس قال: «قُبِضَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم
وأنا ابن عشر سنين مختون»، وفي رواية: (وأنا ابن خمس عشرة سنة)، وكان
يُكنَّى أبا العباس، وهو حبر الأمَّة وتُرجُمَان القرآن، فعن عبد الله بن
عمر رضي الله عنهما: قال: «نَعَمْ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ».
إسلامه
لا
يُعرف زمن إسلامه على وجه التحديد، لكنه أسلم هو وأمه أم الفضل بنت الحارث
قبل فتح مكة بزمن غير يسير، لكنهما لم يهاجرا إلى المدينة المنورة، وكان
يتلو قوله تعالى:( إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء
وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً )
ويقول: "كنت أنا وأمي ممن عذر الله"، ولم تتح لهما الهجرة إلا عندما أشهر
والده العباس إسلامه، وأراد الهجرة قبيل فتح مكة، فخرجا معه، فلقوا النبي
صلى الله عليه وسلم بالجحفة؛ وهو ذاهب لفتح مكة، فرجعا وشهدا معه فتح مكة
وبايعه النبي صلى الله عليه وسلم وبايع ابن عباس وهو صغير لم يبلغ الحُلم
بعد، يقول محمد بن علي بن الحسين: "أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع الحسن
والحسين، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر وهم صغار، ولم يبقلوا، ولم
يبلغوا، ولم يبايع صغيرًا إلا منّا"، أي من أهل البيت.
لزم عبدالله بن
العباس النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ عنه، وكانت صحبته للنبي حوالي
ثلاثين شهرًا، وكان لقرابته للنبي أثر في ذلك، فكانت خالته ميمونة بنت
الحارث زوجة النبي، وكان ابن عباس يدخل بيت النبي، ويبيت في حجرة خالته
أيامًا، ويقوم بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم. وكان يصف للصحابة كل ما
يراه من أفعال النبي وأقواله.
عبدالله بن العباس وطلبه العلم
دعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنه فقال: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وعلّمهُ التَّأْوِيلَ".
وذات
مرة كان النبي في بيتِ ميمونةَ فوضَعْ ابن عباس له وَضوءًا مِنَ الليلِ
فقالتْ له ميمونةُ: "وضَع لك هذا عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ" فقال النبي: "اللهم
فقِّهْهُ في الدينِ وعلِّمْهُ التأويلَ". وضمّه النبي إلى صدره وقال:
"اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ".
وعن ابن عباس رضي الله عنه، قال:
«دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُؤتيني الله الحكمة مرَّتين».
فكان يُسمَّى الحبر والبحر لكثرة علمه، وحدَّة فهمه، فعن عبيد الله بن عبد
الله بن عتبة، قال: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه
فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم ونسب ونائل، وما رأيت أحدًا كان أعلم بما
سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، ولا أعلم بقضاء أبي بكر،
وعمر، وعثمان منه، ولا أفقه في رأيٍ منه، ولا أعلم بشعرٍ ولا عربيَّةٍ ولا
بتفسير القران ولا بحسابٍ ولا بفريضةٍ منه، ولا أعلم بما مضى، ولا أثقب
رأيًا فيما احتيج إليه منه، ولقد كان يجلس يومًا ما يذكر فيه إلَّا الفقه،
ويومًا التأويل، ويومًا للمغازي، ويومًا الشعر، ويومًا أيَّام العرب، وما
رأيت عالمـًا قط جلس إليه إلَّا خضع له، وما رأيت سائلًا قط سأله إلَّا وجد
عنده علمًا.
وقد بدأت رحلته لطلب العلم بعد وفاة النبي صلى الله
عليه وسلم فكان يذهب إلى الصحابة ويسألهم حتي تعلم منهم الكثير، فقد أخذ
ابن عباس يطلب العلم والحديث من الصحابة، وقرأ القرآن على زيد بن ثابت وأبي
بن كعب، فيقول: «لما قُبِضَ رسول الله قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل
أصحاب رسول الله فإنهم اليوم كثير. فقال: "يا عجبا لك يا ابن عباس! أترى
الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله من فيهم؟"، فترك ذلك
وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي
بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح عليّ من التراب، فيخرج
فيراني فيقول: "يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ هلا أرسلت إليّ فآتيك؟"
فأقول: "لا! أنا أحق أن آتيك." فأساله عن الحديث. فعاش هذا الرجل الأنصاري
حتى رآني وقد اجتمع حولي الناس يسألوني، فيقول: "هذا الفتى كان أعقل مني"».
وكان
يلزم كبار الصحابة ويسألهم عن غزوات النبي وما نزل فيها من القرآن، وكان
يسأل عن الأمر الواحد من ثلاثين من الصحابة، وكان يذهب خاصةً لأبي بن كعب،
وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وكان في البداية يتردد أن يسأل عمر من
هيبته؛ حتي أنه تردد أن يسأله عن آية سنةً فيقول: «مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ
أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ
أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ، حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ،
فَلَمَّا رَجَعْنَا وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ إِلَى الْأَرَاكِ
لِحَاجَةٍ لَهُ، فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ،
فَقُلْتُ: "يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَزْوَاجِهِ"، فَقَالَ: "تِلْكَ
حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ"، فَقُلْتُ: "وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأُرِيدُ أَنْ
أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ"،
قَالَ: "فَلَا تَفْعَلْ! مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ
فَاسْأَلْنِي، فَإِنْ كَانَ لِي عِلْمٌ خَبَّرْتُكَ بِهِ"».
وقد كان ابن
عباس رضي الله عنه من الصحابة المكثرين في رواية الحديث عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقد روى رضي الله عنه 1696 حديثًا.
وعن الشعبي رحمه الله
قال: قيل لابن عباس رضي الله عنه: أنِّي أصبت هذا العلم؟ قال: بلسانٍ
سئول، وقلبٍ عقول. وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّه كان يُجلس ابن
عباس مع مشايخ الصحابة ويقول: نِعْمَ تُرجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي
الله عنه، وكان إذا أقبل يقول عمر رضي الله عنه رضي الله عنه: جاء فتى
الكهول، وذو اللسان السئول، والقلب العقول.
عبدالله بن العباس مع الخلفاء الراشدين
كان
ابن عباس مُقدَّمًا عند عمر بن الخطاب في زمن خلافته، كان عمر بن الخطاب
يحرص على مشورته في كل أمر، ويأذن له بالدخول عليه مع أهل بدر، حتى أنهم
تعجبوا من صنيع عمر، فعن سعيد بن جبير قال: «كان ناس من المهاجرين قد وجدوا
على عمر في إدنائه ابن عباس دونهم، وكان يسأله، فقال عمر: أما إني سأريكم
اليوم منه ما تعرفون فضله، فسألهم عن هذه السورة:( إِذَا جَاءَ نَصْرُ
اللَّهِ وَالْفَتْحُ )، فقال بعضهم: أمر الله نبيه إذا رأى الناس يدخلون في
دين الله أفواجًا أن يحمده ويستغفره، فقال عمر: يا ابن عباس تكلم، فقال:
أعلمه متى يموت؛ أي فهي آيتك من الموت، فسبح بحمد ربك واستغفره.» وكان ابن
عباس يقوم على منبر النبي محمد، فيقرأ البقرة وآل عمران فيفسرهما آية آية،
وكان عمر إذا ذكره قال: "ذلك فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول"، وفي
رواية: "ذاكم كهل الفتيان".
وكان عمر رضي الله عنه إذا دعا كبار الصحابة
إلى مجلس فأنه يدعو ابن عباس معهم وكان يأخذ برأيه أيضاً فعن ابن عباس رضي
الله عنهما قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا دعا الأشياخ من أصحاب
محمد صلى الله عليه وسلم دعاني معهم، فدعانا ذات يومٍ أو ذات ليلةٍ فقال:
إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر ما قد علمتم،
فالتمسوها في العشر الأواخر، ففي أيِّ الوتر ترونها؟ فقال بعضهم: تاسعه،
وقال بعضهم: سابعه وخامسه وثالثه، فقال: ما لَكَ يا ابن عباس لا تتكلَّم؟
قلت: إن شئت تكلَّمت، قال: ما دعوتك إلَّا لتكلم، فقال: أقول برأي، فقال:
عن رأيك أسألك، فقلت: إنِّي سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ
الله تبارك وتعالى أكثر ذكر السبع فقال: السماوات سبع، والأرضون سبع"،
وقال: {ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا
(27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ
غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 26 - 31]؛ فالحدائق ملتفٌّ وكلُّ
ملتفٍّ حديقة، والأب ما أنبتت الأرض ممَّا لا يأكل الناس". فقال عمر رضي
الله عنه: أعجزتم أن تقولوا مثل ما قال هذا الغلام الذي لم تستوِ شئون
رأسه؟ ثم قال: إنِّي كنتُ نهيتك أن تكلَّم، فإذا دعوتك معهم فتكلَّم.
وبعد
استشهاد عمر رضي الله عنه شهد ابن عباس فتح إفريقية سنة 27 هـ مع عبد الله
بن سعد بن أبي السرح، حيث نادى المُنادي بالجهاد في إفريقية، ولبَّى ابن
عباس النداء، وقام عُثمان فيهم خطيبًا وحثَّهم على الجهاد، فخرج المُسلمون
في جيشٍ عظيمٍ، يقوده الحارث بن الحكم بن أبي العاص، إلى أن يقدموا على ابن
أبي السرح بمصر فكانت القيادة له. كما شارك ابن عباس في فتح طبرستان تحت
قيادة سعيد بن العاص، فلمّا وصلوا إليها فتحوها، وذكر المدائني: «أن سعيد
بن العاص ركب في جيش فيه الحسن والحسين، والعبادلة الأربعة، وحذيفة بن
اليمان، في خلق من الصحابة، فسار بهم فمر على بلدان شتى يصالحونه على أموال
جزيلة، حتى انتهى إلى بلد معاملة جرجان، فقاتلوه حتى احتاجوا إلى صلاة
الخوف».
وفي سنة 35ه تولى ابن عباس إمامة الحج بأمر عثمان بن عفان له
وهو محصور، وقد حجّ بالناس وفيهم عائشة بنت أبي بكر وأم سلمة، وكانت عائشة
تقول: "هو أعلم الناس بالمناسك."، وخطب بالناس في عرفات وفسّر فيها سورة
البقرة، وقيل سورة النور، قيل: "فسّر ذلك تفسيرًا لو سمعته الروم والترك
والديلم لأسلموا."، وفي هذه الحجة قُتِلَ عثمان.
وبعد استشهاد عثمان
رضي الله عنه شهد ابن عباس مع علي الجمل وصفين، وكان أميرًا على الميسرة،
وكان ابن عباس ممن أشار على علي أن يستنيب معاوية على الشام، وأن لا يعزله
عنها في بادئ الأمر، حتى قال له: "إن أحببت عزله فولَّه شهرًا واعزله
دهرًا"، فأبى علي إلا أن يقاتله. ولما تراض الفريقان على تحكيم الحكمين
أراد ابن عباس أن يكون حكماً من جهة علي فامتنعت مذحج وأهل اليمن إلا أن
يكون من جهة علي أبو موسى الأشعري، ثم شهد مع علي قتال الخوارج في
النهروان. وقد كان ابن عباس ينتقد على علي في بعض أحكامه فيرجع إليه علي في
ذلك، ومما يروى البخاري في صحيحه: "أن عليًا حرق ناسًا ارتدوا عن الإسلام.
فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لِأَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لاَ تُعَذِّبُوا
بِعَذَابِ اللَّهِ» وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»". وقد
أرسله علي إلى ستة آلاف من الحرورية فحاورهم ابن عباس، فرجع منهم ألفان،
وخرج سائرهم، فقاتلهم المهاجرون والأنصار، ومن حواره معهم.
وقد ولَّاه
علي بن أبي طالب على البصرة، فكان يصعد المنبر ليلة عرفة ويجتمع أهل البصرة
حوله فيفسر شيئًا من القرآن، يقول ابن كثير: "وكان أهل البصرة مغبوطين به،
يفقههم ويعلم جاهلهم، ويعظ مجرمهم، ويعطي فقيرهم، فلم يزل عليها حتى مات
علي." وقيل: إن عليًا عزله عنها قبل موته.
وقد أوصى العباس رضي الله عنه
ابنه وصية بعدما رأي قرب ابنه من الخليفة عمر قال فيها: «إن عمر يدنيك
ويجلسك مع أكابر الصحابة فاحفظ عني ثلاثًا: لا تفشين له سرًا، ولا تغتابن
عنده أحدًا، ولا يجربن عليك كذبًا.»، قال الشعبي لابن عباس: "كل واحدة خير
من ألف". فقال ابن عباس: "بل كل واحدة خير من عشرة آلاف".
مجلس ابن عباس وتعليمه الناس
وبعد
أن أنهى عبدالله بن العباس تعليمه بدأ في الخطوة التالية وهي نشر هذا
العلم وتعليم الناس، فكان لابن عباس مجلس كبير في المدينة يأتيه الناس لطلب
العلم، فيقول صعصعة بن صوحان: "إنه آخذ بثلاث وتارك لثلاث، آخذ بقلوب
الرجال إذا حدث، وبحسن الاستماع إذا حُدث، وبأيسر الأمرين إذا خولف. وترك
المراء، ومقارنة اللئيم، وما يعتذر منه."، وكان ابن عباس يجلس يومًا ما
يذكر فيه إلا الفقه، ويومًا ما يذكر فيه إلا التأويل، ويومًا ما يذكر فيه
إلا المغازي، ويومًا الشعر، ويومًا أيام العرب. ويصف أبو صالح السمان ذلك
المجلس فيقول: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ اجْتَمَعُوا حَتَّى ضَاقَ بِهِمُ
الطَّرِيقُ، فَمَا كَانَ أَحَدٌ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَجِيءَ وَلَا أَنْ
يَذْهَبَ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَكَانِهِمْ عَلَى
بَابِهِ، فَقَالَ لِي: ضَعْ لِي وَضُوءًا، قَالَ: فَتَوَضَّأَ وَجَلَسَ،
وَقَالَ: اخْرُجْ وَقُلْ لَهُمْ مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ
الْقُرْآنِ وَحُرُوفِهِ وَمَا أَرَادَ مِنْهُ فَلْيَدْخُلْ. قَالَ:
فَخَرَجْتُ فَآذَنْتُهُمْ فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَئُوا الْبَيْتَ
وَالْحُجْرَةَ فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ،
وَزَادَهُمْ مِثْلَ مَا سَأَلُوا عَنْهُ أَوْ أَكْثَرَهُ. ثُمَّ قَالَ:
إِخْوَانُكُمْ. فَخَرَجُوا. ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ فَقُلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ
يَسْأَلَ عَنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَتَأْوِيلِهِ فَلْيَدْخُلْ. قَالَ:
فَخَرَجْتُ فَآذَنْتُهُمْ فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَئُوا الْبَيْتَ
وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ،
وَزَادَهُمْ مِثْلَ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ قَالَ:
إِخْوَانُكُمْ. فَخَرَجُوا. ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ فَقُلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ
يَسْأَلَ عَنِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْفِقْهِ فَلْيَدْخُلْ.
فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ، قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَئُوا الْبَيْتَ
وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ
وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ: إِخْوَانُكُمْ. فَخَرَجُوا. ثُمَّ
قَالَ: اخْرُجْ فَقُلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْفَرَائِضِ وَمَا
أَشْبَهَهَا فَلْيَدْخُلْ. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَآذَنْتُهُمْ فَدَخَلُوا
حَتَّى مَلَئُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ
إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ:
إِخْوَانُكُمْ. فَخَرَجُوا. ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ فَقُلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ
يَسْأَلَ عَنِ الْعَرَبِيَّةِ وَالشِّعْرِ وَالْغَرِيبِ مِنَ الْكَلَامِ
فَلْيَدْخُلْ. قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَئُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ
فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ
مِثْلَهُ. قَالَ أبو صالح: فَلَوْ أَنَّ قُرَيْشًا كُلَّهَا فَخَرَتْ
بِذَلِكَ لَكَانَ فَخْرًا، فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ
النَّاسِ.
وكان رضي الله عنه ضمن فريق العبادلة الأربعة وهم عبد الله بن
عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص،
ولذلك لما مات العبادلة صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي.
وقد ذكر
ابن القيم في إعلام الموقعين أن الذين حفظت عنهم الفتوى من الصحابة أكثر
من 130 صحابي ما بين رجل وامرأة، وجعل منهم المكثرين والمقلين: أما
المكثرون فسبعة وهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود،
وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر،
حتى صار ابن عباس مرجعًا للصحابة إذا اختلفوا في الفقه، يقول طاووس بن
كيسان: "إني رأيت سبعين من الصحابة إذا تماروا في شيء صاروا إلى قوله"،
وقال مجاهد بن جبر: "ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس"، وعن عكرمة مولى
ابن عباس: "سَمِعْت مُعَاوِيَةَ يَقُولُ لِي: مَوْلَاكَ وَاللَّهِ أَفْقَهُ
مَنْ مَاتَ وَمَنْ عَاشَ".
أمّا عن منهجه في الإجابة عن الأسئلة، فكان
إذا سُئل فإن كان من القرآن أخبر به، وإن لم يجد جوابًا من القرآن أخبر من
سنة النبي، وإن لم يجد جوابًا من السنة، أخبر من قول أبي بكر، ثم قول عمر،
فإن لم يجد، قال برأيه. وكان يأخذ بالرخص إذا وُجدت لمحبة النبي الأخذ بها.
ولابن عباس العديد من الآراء الفقهية في العديد من أبواب الفقه من
العبادات والمعاملات والمواريث وغيرها من الأبواب.
كما يُعد ابن
عباس من أشهر مُفسري القرآن من الصحابة، حتى لُقِب بـ ترجمان القرآن، يقول
عبد الله بن مسعود: "نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس"، وقد ذكر السيوطي
أشهر المفسرين من الصحابة فقال: «اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء
الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى
الأشعري، وعبد الله بن الزبير.». وقد كان ابن عباس يُتقن تفسير القرآن كله،
وقد كان مجاهد بن جبر يسأله عن تفسير القرآن ومعه الواحة، ويكتب ما يقوله
حتى يسأله عن التفسير كله، فيقول مجاهد: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث
عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأساله عنها". وقد كان
ابن عباس يقول: «كُلُّ الْقُرْآنِ أَعْلَمُهُ إِلَّا ثَلَاثًا؛
"الرَّقِيمَ" وَ"غِسْلِينَ" وَ"حَنَانًا"».
وكان ابن عباس كثير العبادة،
يقول ابن أبي مليكة: «صَحِبْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى
مَكَّةَ وَمِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ،
وَكَانَ يَقُومُ شَطْرَ اللَّيْلِ يُكْثِرُ وَاللَّهِ فِي ذَلِكُمُ
التَّسْبِيحَ.» وكان يُرتل القرآن حرفًا حرفًا، ويُكثِر من النشيج والنحيب،
عن أبي رجاء، قال: «رأيت ابن عباس وأسفل من عينيه مثل الشراك البالي من
البكاء.»، وكان يصوم الاثنين والخميس، وفي كبره سقط في عينيه الماء فذهب
بصره، فأتاه بعض الأطباء فقالوا: خل بيننا وبين عينيك نسيل ماءهما، ولكنك
تمكث خمسة أيام لا تصلّي، قال: لا والله ولا ركعة واحدة، إني حُدّثت أنه من
ترك صلاة واحدة متعمدًا لقي الله وهو عليه غضبان.
وقد رأي ابن عباس
جبريل مرتين في بيت النبي، فيقول: "رأيت جبريل مرتين، ودعا لي بالحكمة
مرتين"، ويروي ابن عباس قصة رؤيته لجبريل فيقول: كنت مع أبي عند النبي صلى
الله عليه وسلم يقول وعنده رجل يناجيه، فقال العباس: ألم تر إلى ابن عمك
كالمعرض عني؟ فقلت: إنه كان عنده رجل يناجيه. قال: أوكان عنده أحد؟ قلت:
نعم. فرجع إليه، فقال: يا رسول الله هل كان عندك أحد; فإن عبد الله أخبرني
أنه كان عندك رجل تناجيه؟ قال: هل رأيته يا عبد الله؟ قلت: نعم. قال: ذاك
جبريل عليه السلام.
ثناء الصحابة والتابعين عليه
أثنى العديد من الصحابة على عبد الله بن عباس، فكان عمر إذا ذكره قال: "ذلك فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول".
وقال عنه عبد الله بن مسعود: "نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس"، وقال أيضًا: "لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجل.
وقال
عنه سعد بن أبي وقاص: "ما رأيت أحدًا أحضر فهمًا، ولا أكبر لبًا، ولا أكثر
علمًا، ولا أوسع حلمًا من ابن عباس، ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، وحوله
أهل بدر من المهاجرين والأنصار فيتحدث ابن عباس، ولا يجاوز عمر قوله.".
وقال عنه ابن عمر: هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.
ويوم وفاته قال محمد بن الحنفية: "اليوم مات رباني العلم.
وقال
عنه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: "ما رأيت أحدًا كان أعلم بما سبقه من
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن عباس، ولا أعلم بشعر ولا عربية
ولا تفسير القرآن ولا حساب ولا فريضة منه، ولقد كان يجلس يومًا ولا يذكر
فيه إلا الفقه، ويومًا التأويل، ويومًا المغازي، ويومًا الشعر، ويومًا أيام
العرب، ولا رأيت عالمًا قَطُّ جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلًا قط
سأله إلا وجد عنده علمًا".
وقال الأعمش: "كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا
رَأَيْتَهُ قُلْتَ: أَجْمَلُ النَّاسِ، فَإِذَا تَكَلَّمَ قُلْتَ: أَفْصَحُ
النَّاسِ، فَإِذَا حَدَّثَ قُلْتَ: أَعْلَمُ النَّاسِ".
وقال مجاهد: كان ابن عباس إذا فسر الشيء رأيت عليه نورًا.
وقال
عنه عطاء بن أبي رباح: "ما رأيت مجلسًا أكرم من مجلس ابن عباس، ولا أعظم
جفنةً ولا أكثر علمًا، أصحاب القرآن في ناحيةٍ، وأصحاب الفقه في ناحيةٍ،
وأصحاب الشعر في ناحيةٍ، يوردهم في وادٍ رحب".
وعن مجاهد بن جبر: «مَا
رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ مِثْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَقَدْ مَاتَ يَوْمَ مَاتَ
وَإِنَّهُ لَحَبْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ.».
وقال الأوزاعي قال عمرُ لابن عباس رضي الله عنهما: إنَّك لأصبح فتياننا وجهًا، وأحسنهم عقلًا، وأفقهم في كتاب الله عز وجل.
وفاته رضي الله عنه
توفي ابن عباس بالطائف في سنة 68 هـ، وهو ابن إحدى وسبعين سنة، وصلى عليه محمد بن الحنفية،ورُوِيَّ أنه لمَّا وضعوه ليدخلوه في قبره جاء طائر أبيض لم يُرَ مثل خلقته، فدخل في أكفانه، والتف بها حتى دفن معه. قال عفان بن مسلم الصفار: وكانوا يرون علمه وعمله، فلما وضع في اللحد تلا تالٍ لا يعرف من هو، وفي رواية: أنهم سمعوا من قبره:[ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)].

إرسال تعليق