نسبه وإسلامه
هو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن
مخزوم المخزومي ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم فأمه هي برة بنت عبد
المطلب وقد اشتهر بكنيته أكثر من اسمه.
كان اسمه عبد مناف، فغيره النبي
صلى الله عليه وسلم فسماه عبد الله وهو أخو النبي صلى الله عليه وسلم من
الرضاعة، وأَخو حمزة بن عبد المطلب من الرضاعة، أَرضعتهم ثُوَيْبَة مولاة
أَبي لهب أَرضعت حمزةَ رضي الله عنه، ثم رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم،
ثم أَبا سلمة رضي الله عنه.
تزوج رضي الله عنه من أم سلمة، وهي هند بنت
أبي أمية، ثم صارت بعده للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو وأحد السابقين
الأولين، هاجر إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة أسلم بعد عشرة أنفس، وكان
من السابقين الأولين، وكان إسلامه هو وعثمان بن مظعون وعبيدة بن الحارث بن
المطلب وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد في ساعة واحدة قبل دخول
النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم.
هجرته رضي الله عنه
روي عن
ابن إِسحاق قال: عَدَت قريش على من أَسْلَم منهم، فأَوثقوهم وآذوهم، واشتد
البلاء عليهم وعظمت الفتنة فيهم وزلزلوا زلزالًا شديدًا، عَدَتْ بنو جُمَح
على عثمان بن مظعون، وَفَرَّ أَبو سلمة بن عبد الأَسد إِلى أَبي طالب،
ليمنعه ــ وكان خاله ــ فمنعه، فجاءَت بنو مخزوم ليأْخذوه فمنعه، فقالوا:
يا أَبا طالب، منعت منا ابن أَخيك، أَتمنع منا ابن أَخينا؟ فقال أَبو طالب:
نعم أَمنع ابن أُختي مما أَمنع منه ابن أَخي، فقال أَبو لهب ــ ولم يسمع
منه كلامُ خيرٍ قطُّ إلا يومئذ: صدق أَبو طالب، لا يُسْلمه إِليكم.
كان
أبو سلمة رضي الله عنه أول من هاجر إلى المدينة، وقد هاجر قبلها إلى
الحبشة، وذكره موسى بن عقبة وغيره من أصحاب المغازي، فيمن هاجر إلى الحبشة،
ثم إلى المدينة وفيمن شهد بدرًا.
وأما عن هجرة أبي سلمة إلى المدينة
يروي سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة قال: لما أجمع أبو سلمة الخروج
إلى المدينة رحل بعيرًا له وحملني وحمل معي ابني سلمة ثم خرج يقود بعيره,
فلما رآه رجال بني المغيرة قاموا إليه, فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها,
أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟ ونزعوا خطام البعير من
يده وأخذوني, فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد وأهووا إلى سلمة, وقالوا: والله
لا نترك ابننا عندها إذا نزعتموها من صاحبنا فتجاذبوا ابني سلمة حتى خلعوا
يده, وانطلق به بنو عبد الأسد ورهط أبي سلمة, وحبسني بنو المغيرة عندهم,
وانطلق زوجي أبو سلمة حتى لحق بالمدينة ففرق بيني وبين زوجي وابني, فكنت
أخرج كل غداة وأجلس بالأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي سبعًا أو قريبها حتى مر
بي رجل من بني عمي فرأى ما في وجهي, فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون من هذه
المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها وبين ابنها, فقالوا: الحقي بزوجك إن شئت,
ورد على بنو عبد الأسد عند ذلك ابني فرحلت بعيري ووضعت ابني في حجري, ثم
خرجت أريد زوجي بالمدينة وما معي أحد من خلق الله, فكنت أبلغ من لقيت حتى
إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة أخا بني عبد الدار, فقال: إلى أين يا
بنت أبي أمية قلت: أريد زوجي بالمدينة، فقال: هل معك أحد, فقلت: لا والله
إلا الله وابني هذا, فقال: والله مالك من مترك فأخذ بخطام البعير فانطلق
معي يقودني، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب أراه كان أكرم منه, إذا نزل
المنزل أناخ بي ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها, فإذا دنا الرواح قام إلى
بعيري قدمه ورحله.
روي ابن أبي عاصم في الأوائل من حديث ابن عباس، أن
أول من يأخذ كتابه بيمينه أبو سلمة بن عبد الأسد، وأول من يأخذ كتابه
بشماله أخوه سفيان بن عبد الأسد.
وفاته رضي الله عنه
استخلف
رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم أبا سلمة على المدينة حين خرج إلى غزوة
العشيرة، وكانت في السّنة الثّانية من الهجرة. شهد بدرًا وأُحُدًا وكان
الذي جرحه بأُحُد أبو أُسامة الجُشَميّ رماه بمِعْبَلَة في عَضُده فمكث
شهرًا يداويه فبرَأ فيما يُرَى، وقد اندمل الجُرْحُ على بَغْيٍ لا يعرفه،
فبعثه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، في المحرّم على رأس خمسة وثلاثين
شهرًا من الهجرة سريَةً إلى بني أسد بقَطن، فغاب بضع عشرة ليلة ثمّ قدم
المدينة فانتفض به الجرح فاشتكى، ثمّ مات لثلاث ليالٍ مضين من جمادى
الآخرة، فغُسّلَ من اليُسَيْرَة بئر بني أميّة بن زيد بالعالية وكان ينزل
هناك حين تحوّل من قباءَ، غُسّلَ بين قَرني البئر وكان اسمها في الجاهليّة
العُسْرَة فسمّاها رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم. اليُسيرةَ، ثمّ حُملَ
من بني أميّة بن زيد فدفن بالمدينة.
قال البغوي: قال أبو بكر بن زنجويه:
توفي أبو سلمة في سنة أربع من الهجرة بعد منصرفه من أُحد، انتقض به جرح
كان أصابه بأُحد، فمات منه فشهده رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا قال
ابن سعد، إنه شهد بدرًا، وأحدًا فجرح بها، ثم بعثه النبي صلى الله عليه
وسلم على سرية إلى بني أسد في صفر سنة أربع، ثم رجع، فانتقض جرحه، فمات في
جمادى الآخرة.
وقد روي أنَّ أبا سلمة جاء إلى أم سلمة فقال: سمْعتُ من
رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم حديثًا أحبَّ إليّ من كذا وكذا؛ سمعتُه
يقول: "لَا يُصِيبُ أحَدًا مُصِيبَةٌ فَيَسْتَرجِعَ عِنْدَ الله، ثُمَّ
يَقُولُ: اللهُمَّ عِنْدَكَ احْتَسبْتُ مُصِيبتِي هَذِهِ، اللهُمَّ
اخْلُفْنِي فِيهَا إلَّا أعطاه الله". قَالَتْ أمُّ سَلَمَةَ: فلما أصيب
أبو سلمة قلْتُ ولم تطب نفسي أن أقول: اللهم أخلفني منها، ثم قلت: مَنْ خير
من أبي سلمة! أليس؟ أليس؟ ثم قلت ذلك، فلما إنقضت عدّتها أرسل رسولُ الله
صَلَّى الله عليه وسلم فتزوجته.
روى قَبيصة بن ذُؤَيْب، عن أُم سلمة
قالت: لما حضر أَبا سلمة الموت حضره رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم،
فلما شخص أَغمض رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم عينيه، ورواه أَبو قِلابة
عن قَبِيصة، وزاد بعد "فأَغمضه": ثم قال: "إِنَّ الْرُّوْحَ إِذَا قُبِضَ
تَبَعَهُ الْبَصَرُ". فَضَج نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ: "لاَ تَدْعُوا
عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ
يُؤَمِّنُونَ"ثُمَّ قَالَ: "الْلَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ،
وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عِقِبِهِ فِي
الْغَابِرِيْنَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِيْنَ" . ولما
حضرت أَبا سلمة الوفاة قال: "اللهم اخلُفْني في أَهلي بخير". فخلفه رسول
الله صَلَّى الله عليه وسلم على زوجه أُم سلمة، فصارت أَمًّا للمؤمنين،
وصار رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أَبًا لأَولاده: عُمَر، وسلمة،
وزينب، ودُرَّة.

إرسال تعليق