نسبه وإسلامه
هو عبد الله بن قيس بن زائدة بن الأصم من بني عامر بن لؤي
القرشي العامري، وهو وابن خال خديجة بنت خويلد، وقد كان عبد الله ضريرًا
أعمى، وأمه هي: عاتكة بنت عبد الله.
أسلم ابن أمّ مكتوم بمكّة قديمًا،
وكان من المهاجرين الأولين؛ قدم المدينة قبل أنْ يُهاجِرَ النبيُّ صَلَّى
الله عليه وسلم، رَوَى عن البراء قال: كان أوّل من قدم علينا من المهاجرين
مُصْعب بن عُمير أخو بني عبد الدار بن قُصيّ فقلنا له: ما فعل رسول الله
صَلَّى الله عليه وسلم؟ فقال: هو مكانه وأصحابه على أثَري، ثمّ أتانا عمرو
ابن أمّ مكتوم الأعمى فقالوا له: ما فعل من وراءك رسول الله وأصحابه؟ فقال:
هم أوْلاءِ على أثَري. وروى الواقدي أيضا عن البراء: أوّل من قدم علينا من
أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم مُصْعَب بن عمير، وابن أمّ مكتوم
فجعلا يُقْرِئانِ الناسَ القُرْآن.
عبدالله رضي الله عنه بعد إسلامه
قال
أبو ظلال: كنتُ عند أنس بن مالك فقال: متى ذهبَتْ عَيْنُك؟ قال: ذهَبتْ
وأنا صغير فقال أنس: إنّ جبرائيل أتَى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم،
وعنده ابن أمّ مكتوم فقال: "متى ذهب بَصَرُك؟" قال: وأنا غلام، فقال: "قال
الله تبارك وتعالى: إذا ما أخذتُ كريمة عبدي لم أجِدْ له بها جزاءً إلاّ
الجنّة. وَرَوَى هشام بن عُروة، عن أبيه، عن ابن أمّ مكتوم: أنّه كان
مؤذّنًا لرسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وهو أعمى، وكان بلال يؤذّن،
ويُقيم ابن أمّ مكتوم، وربّما أذّن ابن أمّ مكتوم، وأقام بلال، وَرَوَى
سالم بن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، قال: "إن
بلالًا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يُنادِي ابن أمّ مكتوم"، قال: وكان
ابن أمّ مكتوم رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ.
وَرَوَى نافع عن ابن عمر قال: كان يؤذّن لرسول الله صَلَّى الله عليه وسلم،
بلال بن رَباح، وابن أمّ مكتوم، فكان بلال يؤذّن بليل ويُوقِظَُ الناسَ،
وكان ابن أم مكتوم يتوخَّى الفَجرَ فلا يُخْطِئُه، فكان بلال يقول: كلوا
واشربوا حتى يؤذّن ابنُ أمّ مكتوم.
وَرُوِيَ عن جابر بن عبد الله
الأنصاريّ قال: جاء ابن أمّ مكتوم إلى النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، فقال:
يا رسول الله، إنّ منزلي شاسع، وأنا مكفوف البصر، وأنا أسمع الأذان، قال:
"فإن سمعتَ الأذانَ فأجِبْ ولو زَحْفًا" أو قال: "ولو حَبْوًا"، وَرَوَى
زياد بن فيّاض عن إبراهيم قال: أتَى عمرو ابن أمّ مكتوم رسول الله فشكا
قائده وقال: إنّ بيني وبين المسجد شَجَرًا فقال له رسول الله صَلَّى الله
عليه وسلم: "تسمع الإقامةَ؟" قال: نعم. فلم يُرَخّصْ له.
وعندما نزل قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قال
عبد الله بن أم مكتوم: "أيْ ربِّ أَنْزِل عُذري" فأنزل الله: {غَيْرُ
أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95]، فجُعِلَتْ بينهما وكان بعد ذلك يغزو
فيقول: "ادفعوا إليّ اللواء، فإنّي أعمى لا أستطيع أن أفرّ، وأقيموني بين
الصّفَّين".
ورُوِيَ عن زيد بن ثابت قال: كنتُ إلى جنب رسول الله صَلَّى
الله عليه وسلم، فَغَشِيته السّكينَةُ فوقَعَتْ فَخِذُه على فخذي فما
وجدتُ شيئًا أثقل من فخذ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ثمّ سُرِّيَ عنه
فقال لي: "اكتُبْ يا زيد فكتبتُ في كَتِفٍ: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، فقام عمرو
ابن أمّ مكتوم، وكان أعمى، لما سمعَ فضيلةَ المجاهدين فقال: يا رسول الله،
فكيف بمَن لا يستطيع الجهاد؟ فما انقضى كلامُه حتى غشيَتْ رسولَ الله
صَلَّى الله عليه وسلم السكينةُ فوقعتْ فخذه على فخذي فوجدتُ من ثِقَلِها
ما وجدتُ المَرّة الأولى ثمّ سُرِّيَ عنه فقال: "اقْرَأ يا زيد" فقَرَأتُ:
{لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}، فقال: "اكتُبْ: {غَيْرُ
أُولِي الضَّرَرِ} قال زيد: أنزلها الله وَحدَها فكأنّي أنظر إلى
مُلْحَقِها عند صَدْع الكَتِفِ.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يستخلفه على المدينة المنورة في غزواته فيصلي بالناس ويرعى شؤونهم وقد
استخلفه ثلاث عشرة مرة في الأبواء وبواط وذي العشيرة، وغزوته في طلب كرز بن
جابر، وغزوة السويق، وغطفان، وفي غزوة أحد، وحمراء الأسد، ونجران، وذات
الرقاع، وفي خروجه إلى حجة الوداع، وفي خروجه إلى بدر.
وقد نزلت فيه
سورة عبس وذلك بسبب أن الوليد بن المغيرة وقف مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه وقد طمع في إسلامه فبينما هو في
ذلك إذ مر به ابن أم مكتوم الأعمى، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل
يستقرئه القرآن فشق ذلك منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضجره،
وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد وما طمع فيه من إسلامه، فلمَّا
أكثر عليه انصرف عنه عابسًا، وتركه فأنزل الله تعالى فيه: {عَبَسَ
وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} [عبس: 1, 2] إلى قوله تعالى: {فِي
صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ} [عبس: 13، 14]؛ أي إنما
بعثتك بشيرًا ونذيرًا، لم أخص بك أحدًا دون أحد، فلا تمنعه ممن ابتغاه ولا
تتصدين به لمن لا يريده، فلما نزلت هذه الآية دعاه رسول الله صَلَّى الله
عليه وسلم، فأكرمه.
وقد نزل ابن أم مكتوم رضي الله عنه على يهودية
بالمدينة عمَّة رجل من الأنصار فكانت تخدمه وتؤذيه في الله ورسوله،
فتناولها فضربها فقتلها، فرُفِعَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أمّا
والله يا رسول الله إن كانت لتُرْفِقُني ولكنها آذتني في الله ورسوله،
فضربتها فقتلتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبعدها الله تعالى،
فقد أبطلتْ دَمَها".
وفاته رضي الله عنه
وفي السنة الرابعة عشرة
للهجرة عقد عمر بن الخطاب العزم على أن يخوض مع الفرس معركة فاصلة تديل
دولتهم وتزيل ملكهم وتفتح الطريق أمام جيوش المسلمين فكتب إلى عماله يقول:
لا تدعوا أحدًا له سلاح أو فرس أو نجدة أو رأي إلا وجهتموه إليَّ والعَجَلَ
العَجَلَ، وطفقت جموع المسلمين تلبي نداء أمير المؤمنين وتنهال على
المدينة من كل حدبٍ وصوبٍ وكان في جملة هؤلاء المجاهدين عبد الله بن أم
مكتوم، أمر الفاروق على الجيش سعد بن أبي وقاص وأوصاه وودعه.
ولما بلغ
الجيش القادسية، برز عبد الله بن أم مكتوم من بين الصفوف لابسًا درعه
مستكملاً عدته وندب نفسه لحمل راية المسلمين والحفاظ عليها أو الموت دونها،
وقد حدّث أنس بن مالك: أنّ عبد الله ابن أمّ مكتوم يوم القادسيّة كانت معه
راية له سَوْداء وعليه دِرْعٌ له، وفي رواية عن أنس أيضا: أنّ عبد الله بن
زائدة، وهو ابن أمّ مكتوم، كان يقاتل يومَ القادسيّة وعليه دِرع له حَصينة
سابغة.
والتقى الجمعان في أيام ثلاثة قاسية عابثة واحترب الفريقان
حربًا لم يشهد لها تاريخ الفتوح مثيلاً حتى انجلى اليوم الثالث عن نصر مؤزر
للمسلمين ودالت دولة من أعظم الدول، وزال عرش من أعرق العروش وهوت راية من
رايات الوثنية وارتفعت ورفعت راية التوحيد، وسقط مئات من الشهداء وكان من
بين هؤلاء الشهداء عبد الله بن أم مكتوم، فقد وجد صريعًا مدرجًا بدمائه
قابضًا على راية المسلمين.

إرسال تعليق