تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

الفتح النهائي لشمال إفريقيا


ولاية زهير بن قيس البلوي

بعد استشهاد عقبة بن نافع انسحب المسلمين إلى المشرق وتركوا القيروان فدخلها كسيلة وبقي فيها خمس سنوات حتي استقرت الأوضاع واستقل عبد الملك بن مروان بالخلافة بعد قضائه على الفتن الداخلية
وكان زهير مرابطاً في برقة منذ استشهاد عقبة بن نافع الفهري، فذكر عند عبد الملك من بالقيروان من المسلمين وأشار عليه أصحابه بإنفاذ الحيوش إلى إفريقية لاستنقاذهم من يد کسيلة وأن يعز الإسلام
بها كما كان في أيام عقبة، فقال لهم عبد الملك: من للأمر مثل عقبة؟، فاتفق رأيهم ورأي المسلمين على زهير، وكان من رؤساء العابدين وأشراف المجاهدين، فوجه اليه عبد الملك، وأمره بالخروج على رأس الجيش فيمن معه من المسلمين لغزو إفريقية، فسر بذلك زهير وسارع إلى الجهاد، ولكن زهير كتب إلى عبد الملك يعلمه بكثرة الروم والبربر ، وبقلة من معه من الرجال والأموال، فأرسل عبد الملك إلى أشراف العرب ليرسلوا الناس إلى الشام، وأفرغ عليهم أموال مصر فسارع الناس إلى الجهاد، واجتمع منهم خلق عظيم، فأمرهم أن يلحقوا بزهير، فلما وصلوا اليه خرج بهم إلى إفريقية، ولما دنا من القيروان نزل بقرية يقال لها قلشانة، فبلغ ذلك کسيلة وكان في خلق من الروم والربر، فدعا کبارهم وأشرافهم وشاورهم وقال لهم:
أرى أن ننزل بممس لئلا يركبنا من بالقيروان فنهلك، ولأن بالقيروان خلقا كثيراً من المسلمين ولهم علينا عهد فلا نغدر إن قاتلنا زهيراً أن يثب هؤلاء وراءنا، فإذا نزلنا ممس أمناهم وقاتلنا زهيراً، فإن ظفرنا بهم تبعناهم إلى طرابلس وقطعنا أثرهم من إفريقية، وإن ظفروا بنا تعلقنا بالجبال ونجونا كما أن الماء بممس كثير فأجابوه إلى ذلك، ورحل إلى ممس فبلغ ذلك زهيراً، فلم يدخل القيروان بل أقام ظاهرها ثلاثة أيام حتى أراح واستراح.

وفي اليوم الرابع زحف زهير في آلاف من المقاتلة ، وجمع له كسيلة قبيلة البرانس وسائر البربر ولقيه بممس من نواحي القيروان، وأشرف زهير علي عسکر کسيلة في آخر النهار، فأمر الناس بالنزول، فلما زحف اليه، وأقبل كسيلة ومن معه، فالتحم الفريقان، ونزل الضر وکثر القتل في الجانبين حتي يئس الناس من الحياة، ولم يزالوا كذلك حتي انهزم كسيلة وقتل، ومضى الناس في طلب البربر والروم، فلحقوا كثيراً منهم
وقتلوهم، وجدوا في طلبهم الى وادي ملوية وهو واد بطنجة بالمغرب، وفتح قلاعاً أخري وفتع مدينة تونس، وفي هذه الوقت ذل البربر وفنت فرسانهم ورجالم وخضدت شوكتهم وفزع أهل إفريقية واضمحل أمر الروم فلم يعد لهم شأن یذکر، وخاف البربر من زهير والعرب خوفاً شديدا، وكسرت شوكة أوربة من بينهم، واستقر جمهورهم بديار المغرب الأقصى ولم يكن لهم بعد هذه الوقعة ذکر، لقد کانت معركة ممس معركة حاسمة فقد قضی زهير علي مقاومة البرانس.
عاد زهير إلى القيروان فرأي بإفريقية ملكاً عظيماً فأبي أن يقيم بها وقال: إني ما قدمت إلا للجهاد، وأخاف أن أميل إلى الدنيا فأهلك فانصرف عنها وأقام بها أصحابه وترك القيروان آمنة لخلو البلاد من عدو ذي شوكة، ورحل في جمع ‏كثير إلى مصر، فبلغ الروم خروجه من إفريقية إلى برقة، ‏فأمكنهم ‏ما يريدون فخرجوا إليها في مراكب كثيرة وقوة عظيمة من القسطنطينية وجزيرة صقلية، فأغاروا على برقة وأصابوا بيها سبياً كثيراً، وقتلوا ‏ونهبوا ووافق ذلك قدوم عسكر زهير، فأمر عسكره بالمسير إلى الساحل ‏طمعاً بأن يدرك سبي المسلمين فيسنقذهم وأشرف على الروم، فاذا هم في خلق عظيم، فلم يقدر علي الرجوع، وقد استغاث به المسلمون وصاحوا، والروم يدخلونهم المراكب، فنادی بأصحابه: النزول، فنزلوا، وكان أكثرهم من التابعين ونزل الروم اليهم، وتلقوهم بعدد عظيم، فالتحم القتال وتكاثرت عليهم الروم، تقتل زهير وأشراف من كانوا معه من العرب ولم ينج منهم أحد وعاد الروم بما غنموا إلى القسطنطينية.

ولاية حسان بن النعمان

استشهد زهير بن قيس البلوي وأصحابه في معركة مع البيزنطيين في مدينة درنة شرق ليبيا ودفن مع أصحابه هناك وكان وقع استشهاد زهير بن قيس البلوي ورفاقه عظيماً على الخليفة عبد الملك بن مروان، لذلك ما إن انتهى من حربه مع ابن الزبير حتى أولى اهتماماً خاصاً إلى الوضع في شمال إفريقيا، لذلك جهز جيشأ كبيراً قوامه نحو أربعين ألف مقاتل غالبيتهم من أهل الشام، وعهد بقيادته إلى حسان بن النعمان الغساني الذي كان رجلاً ورعاً تقياً، وقد أقر الخليفة حسان بن النعمان أن يقيم بمصر استعداداً لإنجاز مهمته وكتب إليه: إني قد أطلقت يدك في أموال مصر، فأعط من معك ومن ورد عليك من الناس، واخرج إلى جهاد إفريقيا على بركة الله.
وقد بلغ من عظمة هذا الجيش من حيث تعداده وعدته أنه لم يدخل إفريقيا جيش مثله، وكان بداية الغزو في عام 74ه‍ وقد تمکن هذا الجيش من فتح المناطق التي مر بها، وكان على مقدمته كل من: محمد بن أبي بكير وهلال بن ثروان اللواتي وهو من البربر.
وصل حسان القيروان ودخلها دون أن يواجه أي مقاومة ثم توجه بعد ذلك إلى الشمال حيث قرطاجنة القاعدة البيزنطية على الساحل، وسار حسان إلى قرطاجنة وكان صاحبها أعظم ملوك إفريقية، فلما وصل إليها رأی بها من الروم والبربر ما لا يحصى كثرة، ولم تطل المعركة مع الیزنطين ودخل حسان قرطاجنة عنوة، ولم يکد حسان بنصرف منها عائداً إلى القيروان حتی عاد أهلها للاعتصام بها مرة أخرى، مما اضطر حسان لفتحها مرة ثانية، فهدم المسلمون ما أمكنهم منها، لكي لا يعود إليها من يطمع بالتحصن بها.

ثم أعقب حسان حملته بحملة على ططفورة وبنزرت فافتحها، ولم يتيع المنهزمین من الروم الذين تحصنوا في مدينة باجة ولا البربر الذين تحصنوا في مدينة بونة وعاد إلى القيروان لأن الجراح قد كثرت في اصحابه فأقام بها حتى صحوا.
وبعد ضرب الروم التفت حسان إلى زعامة البربر، فقال: دلوني على أعظم من بقي من ملوك إفريقية؟ فدلوه على امرأة تملك البربر وتعرف بالكاهنة، والتقى حسان بن النعمان بالكاهنة عند نهر يدعی نيني او مسكيانة على مرحلة من باغاي ومجانة، فانتصرت الكاهنة وقتل من المسلمین خلق كثير، وانسحب حسان إلى قابس، وقامت الكاهنة بالهيمنة على المغرب کله بعد حسان لمدة خمس سنین، فلما رأت إبطاء العرب عنها قالت: إن العرب إنما يطليون من إفريقية المدائن والذهب والفضة ونحن إنما نريد منها المزارع والمراعي فلا نرى لكم إلا خراب بلاد إفريقية كلها، حتى ييأس منها العرب فلا يكون لهم رجوع إليها إلا آخر الدهر واستجاب لها قومها من جرارة الذين كان يغلب عليهم الطابع البدوي فذهبوا إلى كل ناحية يقطعون الشجر، ويهدمون الحصون، فكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلاً وقری متصلة فأخرجت جميع ذلك، وقد أضر ذلك التخريب بالبرانس والأفارقة حتى ألجأهم إلى الفرار وطلب المساعدة، وخرج يومئذ من النصارى والأفارقة خلق كثير مستغيثين مما نزل بهم من الكاهنة، فتفرقوا علی الأندلس وسائر الجزر البحرية، وملكت الكاهنة إفريقية وأساءت السيرة في أهلها وظلمتهم.
كان لسقوط قرطاجنة بيد المسلمين أثر بالغ على اليزنطيين ووجدوا في خروج حسان من إفريقية والفوضى التي عمت البلاد مجالاً لإعادة نفوذهم في الشمال الإفريقي، فجهز الإمبراطور ليونتوس حملة كبيرة بقيادة البطريق يوحنا إلى إفريقية، وأعد أسطوا كبيراً لنقل الجند إليها، فتمكنت القوة اليزنطية من استعادة قرطاجنة سنة 78ه‍ دون مقاومة تذكر، واضطر أبو صالح نائب حسان عليها أن ينسحب منها مع من كان معه من المسلمين ودخلها البطريق يوحنا.
وأقام حسان في منطقة طرابلس قرب سرت في المكان المسمی قصور حسان خمس سنين، وحين استقرت الأوضاع في المشرق سارع عبد الملك بإرسال المدد إلى حسان وأمره بالمسير إلى إفريقية في أواخر سنة 81ه‍.
كان خالد بن يزيد العبسي أسيراً عند الكاهنة، فأرسل إلى حسان يخبره: أن البرير متفرقون لا نظام لهم ولا رأي عندهم فأطو المراحل وجد في السير ودارت المعركة بین الكاهنة وحسان على مقربة من قابس وانتهت بنصر كبير للمسلمين، وبمقتل الكاهنة عند بئر سمي بئر الكاهنة، وبعد هذا الانتصار عاد حسان إلى القيروان ومنها زحف إلى قرطاجنة وأعاد فتحها. وبهذا النصر المزدوج خلصت أرض إفريقية للمسلمين، تلت ذلك فترة اسقرار ثم انطلاق لفتح ما تبقى من المغرب.

ولاية موسي بن نصير

وفي سنة 85ه‍ عزل حسان بن النعمان من قبل والی مصر عبد العزيز بن مران، بسبب خلاف نشب بين حسان وعبد العزيز على ولايتی برقة وطرابلس، كما أخذ أغلب الغنائم والهدايا الثمينة التي كان حسان ينوي أن يحملها إلى الخليفة في دمشق، فحين وصل حسان إلى دمشق شكاه للخليفة وأعطاه ما تبقى من الغنائم وحين أراد الخليفة مکافاته برده إلى ولاية إفريقية رفض حسان وأقسم أنه لا يولی لبني أمية ابدا.
وبعد ان عزل عبد العزيز بن مروان والي مصر حسان بن النعمان والي إفريقية ولی مكانه موسی بن نصير، وعندما توافدت الجيوش، قام موسی بن نصير خطيباً، فكان مما قاله: وإنما أنا رجل كأحدكم، فمن رأی مني حسنة فليحمد الله، وليحض على مثلها، ومن رأی مني سيئة فلینكرها، فإني أخطئ كما تخطئون، واصيب كما تصيبون، وقد أمر الأمير أكرمه الله لكم بعطاياكم وتضعيفها ثلاثاً، فخذوها هنيئاً مريئاً، من كانت له حاجة فليرفعها إلينا، وله عندنا قضاؤها على ما عز وهان مع المواساة إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وهكذا أنجز موسی قبل أن يدخل إفريقية حشد جيشه، وأكمل استحضاراته وساوی نفسه برجاله، وسار موسی متوجها إلى الغرب وكان الأمن غير مستتب، فلما وصل إفريقية برز موسی بن نصير قائدا منتصراً في فتح المغرب، ويرجع ذلك إلى السياسة التي اتبعها مع الأهالي وهي سياسة التعاون والاندماج الكلي مع البربر، فحين كان يقدم على موسی وفود القبائل ليعلنوا ولاءهم كان يولي عليهم رجلا منهم وياخد رهائن من خيارهم لضمان هذا الولاء، ولكن ما إن يعتنق البربر الإسلام، كان موسی يقر زعمائهم في الرئاسة مقابل مساهمة كل قبيلة بعدد من المقائلين للانضمام للمقاتلة العرب.
وقد استطاع موسى أن يجند أعداداً كبيرة من قبائل البربر مثل كتامة وهوارة وزناتة ومصمودة، والحق موسی بن نصير هؤلاء المقاتلة من البرير مع جرارة الذين كانوا قد جندوا في عهد حسان، ووضعهم جميعا في حامية طنجة تحت قيادة طارق بن زياد الذي وليها من قبل موسى بن نصير.
وتتلخص أعمال موسی بن نصير في حرصه على نشر الإسلام بین البربر ولهذا كان يختار عمالاً يحسنون السيرة في أهالي المناطق المفتوحة، واختار فئة من أصحابه لتعليم البربر حديثي الإسلام القرآن ومبادئ الإسلام، فقد أمر العرب أن يعلموا البربر القرآن وأن يفقهوهم في الدين، واستطاع موسی بن نصير بعد حملات جهادية منظمة السيطرة على جميع شمال إفريقية من برقة إلى المحيط الأطلسي وأصبح سيد إفريقية بدون منازع.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب