فتوحات عقبة بن نافع
بعد عودة عقبة إلى ولاية أفريقية قام برحلته الجهادية المشهورة التي قطع فيها ما يزيد على ألف ميل من القيروان في تونس إلى ساحل المحيط الأطلسي في المغرب، وقد استخلف على القيروان زهير بن قيس البلوي ودعا لها قائلا: يا رب املأها علماً وفقهاً واملأها بالمطيعين لك، واجعلها عزاً لدينك وذلاً على من كفر بك وامنعها من جبابرة الأرض.
وخرج عقبة بأصحابه الذين قدم بهم من الشام وعددهم عشرة آلاف إلى جانب عدد كبير انضم إليهم من القيروان، ودعا بأولاده قبل سفره وقال لهم: إني قد بعت نفسي من الله فلا أزال أجاهد من كفر بالله ثم قال: يا بني أوصيكم بثلاث خصال فاحفظوها ولا تضيعوها: إياكم أن تملئوا صدوركم بالشعر وتتركوا القرآن، فإن القرآن دليل على الله عز وجل، وخذوا من كلام العرب ما يهتدي به اللبيب ويدلكم على مكارم الأخلاق، ثم انتهوا عما وراءه، وأوصيكم أن لا تداينوا ولو لبستم العباء فإن الدين ذل بالنهار وهم بالليل، فدعوه تسلم لكم اقداركم واعراضكم وتبق لكم الحرمة في الناس ما بقيتم، ولا تقبلوا العلم من المغرورين المرخصين فيجهلوكم دين الله ويفرقوا بينكم وبين الله تعالى، ولا تأخذوا دينكم إلا من أهل الورع والاحتياط فهو أسلم لكم، ومن احتاط سلم ونجا فيمن نجا ثم قال: عليكم سلام الله وأراكم لا ترونني بعد يومكم هذا ثم قال: اللهم تقبل نفسي في رضاك واجعل الجهاد رحمتي ودار كرامتي عندك.
سار عقبة في جيش عظيم متجها إلى مدينة باغية، حيث واجه مقاومة عنفة من البيزنطيين الذين انهزموا أمامه ودخلوا مديتتهم وتحصنوا بها، فحاصرهم مدة ثم سار إلى تلمسان وهي من أعظم مدائنهم، فانضم إليها من حولها من الروم والبربر فخرجوا إليه في جيش ضخم والتحم القتال، وثبت الفريقان حتى ظن المسلمون أن في تلك المعركة فناءهم، فكانوا أشد وأصبر من أعدائهم فهاجموا الروم هجوما عنيفا حتى الجئوهم إلى حصونهم فقاتلوهم إلى أبوابها وأصابوا منهم غنائم كثيرة، ثم استمر غربا قاصداً بلاد الزاب، فسأل عن أعظم مدنها فقيل له «أربه» وهي دار ملكهم وكان حولها ثلاثمائة وستون قرية كلها عامرة، فامتنع بها من كان هناك من الروم وأهل المدينة وهرب بعضهم إلى الجبال، فاقتتل المسلمون مع أهل تلك المدينة فانهزم أهل تلك البلاد وقتل كثير من فرسانهم ورحل عقبة إلى تاهرت فاستغاث الروم بالبربر فأجابوهم ونصروهم.
وقام عقبة بن نافع في الناس فخطب خطبة فقال بعدما حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس إن أشرافكم وخياركم الذين رضي الله تعالى عنهم وأنزل فيهم كتابه بايعوا رسول الله بيعة الرضوان على من كذب بالله إلى يوم القيامة، وهم أشرافكم والسابقون منكم إلى البيعة، باعوا أنفسهم من رب العالمين بجنته بيعة رابحة، وأنتم اليوم في دار غربة وإنما بايعتم رب العالمين، وقد نظر إليكم في مكانكم هذا، ولم تبلغوا هذه البلاد إلا طلبا لرضاه وإعزازا لدينه، فأبشروا فكلما كثر العدو كان أخزى لهم وأذل إن شاء الله تعالى وربكم عز وجل لا يسلمكم، فالقوهم بقلوب صادقة، فإن الله عز وجل جعلكم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، فقاتلوا عدوكم على بركة الله وعونه، والله لا يرد باسه عن القوم المجرمين.
وقد التقى المسلمون بأعدائهم في مدينة «تاهرت» وقاتلوهم قتالا شديدا، فاشتد الأمر على المسلمين لكثرة عدوهم، ولكنهم انتصروا اخيراً، وانهزم اعداؤهم من الروم والبربر، وقتل منهم عدد كبير، وغنم منهم
المسلمون أموالهم وسلاحهم، ثم توجه إلى جهات المغرب الأقصى فوصل إلى طنجة، حيث قابل بطريقاً من الروم اسمه «جوليان» الذي أهدى له هدية حسنة، ونزل على حكمه ولما ساله عقبة عن بحر الأندلس قال عنه: لا إنه محفوظ لا يرام، ثم ساله عن البربر والروم بقوله: دلني على رجال البربر والروم فقال: قد تركت الروم خلفك وليس أمامك إلا البربر وفرسانهم في عدد لا يعلمهم إلا الله تعالى وهم أنجاد البربر وفرسانهم، فقال عقبة: فأين موضعهم؟ قال: في السوس الأدنى، وهم قوم ليس لهم دين، استفاد عقبة من هذه
المعلومات واتجه إلى الجنوب الغربي، قاصدا بلاد السوس الأدنى حيث التقى بجموع بربر أطلس الوسطى، فهزمهم وطاردهم نحو صحراء وادي درعا، حيث بنى مسجداً في مدينة درعا ثم غادر صحاري مراكش باتجاه الشمال الغربي إلى منطقة «تافللت» من أجل أن يدور حول جبال أطلس العليا كي يدخل بلاد صنهاجة الذين أطاعوه دون قتال، وكذلك فعلت قبائل مكسورة في مدينة «اغمات»، بعدها اتجه عقبة نحو الغرب إلى مدينة تفيس، حيث حاصر بها جموعا من البيزنطيين والبربر، فلم ينفعهم تحصنهم، فدخل المدينة منتصراً وبذلك أتم تحرير بلاد السوس الأقصى ودخل عاصمتها «إيجلي» التي بنى فيها مسجدا، ثم دعا القبائل فيها هناك إلى الإسلام فأجابته قبائل جزولة، وبعد ذلك سار إلى مدينة «ماسة» ومنها إلى رأس «إيفران» على البحر المحيط، وبوصول عقبة بن نافع إلى ساحل المحيط الأطلسي يكون قد انجز تحرير معظم بلاد المغرب.
ولما وصل عقبة إلى المحيط الأطلسي قال: يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدا في سبيلك. ثم قال: اللهم اشهد أني قد بلغت الجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بالله حتى لا يعبد أحد من دونك، ثم وقف ساعة ثم قال لأصحابه: ارفعوا أيديكم، ففعلوا، فقال: اللهم لم أخرج بطراً ولا أشراً وإنك لتعلم أنما نطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين وهو أن تعبد ولا يشرك بك شيء، اللهم إنا معاندون لدين الكفر، ومدافعون عن دين الإسلام، فكن لنا ولا تكن علينا يا ذا الجلال والإكرام، ثم انصرف راجعاً.
ولم يقف عمل عقبة على الجهاد بل رافق ذلك بناء المساجد مثل مسجد درعة ومسجد ماسة بالسوس الأقصى، كما كان يترك نفرا من أصحابه يعلمون الناس القرآن وشرائع الإسلام، ومن هؤلاء شاكر الذي بنى رباطا ما بين بلدتي مراكش وموجادور ولا زال موقعه باقيا إلى اليوم وهو المعروف عند العامة بالمغرب الأقصى "بسيدي شاكر"، ويظهر أن أغلبية بربر المغرب الأقصى أسلموا على يده طوعاً مثل صنهاجة وهسكورة وجزولة، كما أخضع المصامدة، وحملهم على طاعة الإسلام، وكي يأمن القبائل الكثيرة من الانتقاض عليه، كان عقبة يأخذ منها رهائن ويولي عليها رجلا منها مثلما فعل مع مصمودة فقد ترك عليها أبا مدرك زرعة بن أبي مدرك، أحد رؤسائها.
استشهاد عقبة بن نافع
كان سبب استشهاد عقبة هو سياسته نحو البربر بصفة عامة، وزعيمهم كسيلة بصفة خاصة، ذلك الزعيم صاحب النفوذ والمكانة في قومه، والذي كان أبو المهاجر قد تألفه وأحسن إليه، فأسلم وتبعه كثير من قومه، لكن عقبة أساء إلى هذا الرجل إساءة بالغة، فأدرك أبو المهاجر عاقبة الخطأ الذي وقع فيه عقبة ولم يكتم نصيحته عنه ولكن عقبة لم يسمع منه، وكان أبو المهاجر من معاشرته للبربر وزعيمهم، قد عرف مدى اعتزازهم بكرامتهم وأدرك أنهم لن يقبلوا هذه الإهانة وهذا الإذلال الذي لحق بزعيمهم من عقبة فخاف غدرهم، فأشار على عقبة بالتخلص من كسيلة وقال له: عاجله قبل أن يستفحل امره، ولكن عقبة لم يصغ إلى هذه النصيحة أيضاً، بل أقدم على عمل آخر في غاية الخطورة، حيث جعل معظم جيشه يسير أمامه بعد أن رجع من رحلته الطويلة من المغرب الأقصى ولما صار قريباً من القيروان أرسل غالب جيشه على أفواج إلى القيروان وبقي هو على رأس الفوج الأخير، ومعه ما يقرب من ثلاثمائة من الفرسان من الصحابة والتابعين، وكان من عادة عقبة أنه يكون في مقدمة الجيش عند الغزو ويكون في الساقة عند قفول الجيش.
ولما علم الروم بانفراد عقبة بهذا العدد القليل من جيشه انتهزوا هذه الفرصة لمحاولة القضاء عليه، فتآمروا عليه مع كسيلة البربري، فجمعوا لعقبة وأصحابه جمعا لا قبل لهم به وإذا بكسيلة يحيط بجيش عقبة في جمع عدته خمسون الفا، وكان أبو المهاجر موثقاً في الحديد مع عقبة، فلما رای الجموع تمثل بقول أبي محجن الثقفي:
كفى حزنا أن تمرغ الخيل بالقنا
وأترك مشدودا علي وثاقيا
إذ قمت عناني الحديد وأُغلت
مصارع من دوني تصم المناديا
فلما سمع عقبة ذلك أطلقه، وقال له: الحق بالمسلمين وقم بأمرهم وأنا أغتنم الشهادة، فلم يفعل وقال: وأنا أيضا أريد الشهادة، ومن هذا المنطلق أقدم عقبة ومعه عدد قليل على معركة غير متكافئة، وثبتوا ثبات الأبطال حتى استشهدوا جميعا في بلاد تهوذة من أرض الزاب، ولقد کان استشهاد عقبة بن نافع ومن معه في عام ثلاثة وستين للهجرة وعمره آنذاك في حدود اربع وستين سنة.
أثر معركة تهوذة علي جيش المسلمين
كانت معركة تهوذة مصيبة على المسلمين، فقد استشهد القائد عقبة بن فانع وصحبه وكان لاستشهاده وقع أليم على المسلمين، وقد حاول زهير بن قيس البلوي خليفة عقبة على القيروان أن ينفخ في الجنود روح المقاومة والتصدي لكسيلة عندما زحف على القيروان، وهتف قائلاً: یا معشر المسلمين إن أصحابكم قد دخلوا الجنة، وقد من الله عليهم بالشهادة، فاسلكوا سبيلهم، أو يفتح الله عليكم دون ذلك، ولكن صيحة زهیر هذه لم تجد استجابة، بل لقيت معارضة وتثبيطاً، حيث تصدى له حنش الصنعاني وقال له: لا
والله ما نقبل قولك ولا لك علينا ولاية، ولا عمل أفضل من النجاة بهذه العصابة من المسلمين إلى مشرقهم، ثم قال: یا معشر المسلمین، من أراد منكم القفول إلى مشرقه فليتبعني فاتبعه الناس، ولم بيق مع زهير إلا أهل بيته، فنهض في أثره، ولحق بقصره في برقة وأقام بها مرابطاً إلى دولة عبد الملك بن مروان.
وأما كسيلة فاجتمع إليه جميع أهل إفريقية، وقصد القيروان، وبها أصحاب الأثقال والذراري من المسلمين، فطلبوا الأمان من كسيلة فأمنهم، ودخل القيروان، واستولى على إفريقية وأقام بها غير مدافع، إلى أن قوي أمر عبد الملك بن مروان، ولئن أخرجت إفريقية من يد المسلمین فإنها لم تخرج عن الإسلام، فقد أسلمت قبائل من البربر وثبت على إسلامها وكانت تعيش بالقيروان وكان كسيلة يحسب حسابها ويتفاداها لشدة بأسها فقد اعترف كسيلة بذلك حين اقترح على جيشه الخروج من القيروان واختيار موضع آخر لمواجهة جیش زهیر الذي آمده به عبد الملك بن مران، قال کسيلة: إني أردت أن أرحل إلى ممس فانزلها، فإن أهل المدينة يعني القيروان فيها خلق عظيم من المسلمين ولهم علينا عهد، فلا نغدر بهم ونحن نخاف إذا التحم القتال أن يثبتوا علينا.
وقد بقيت القيران بید كسيلة مدة تقارب خمس سنوات حتی خلصها زهير البلوي من قبضته بعد أن أمده عبد الملك بن مروان بجيش كبير.

إرسال تعليق