مقدمة
توقفت الفتوحات الإسلامية فترة من الزمن بسبب أحداث الفتنة حتي استتبَّ الأمر لِمُعاوية بن أبي سُفيان، فأعاد تعيين عمرو بن العاص واليًا على مصر.
وأصبح صاحب الرأي فيما يتَّصل بِأُمور إفريقية معاوية بن حديج، وأصبح في مقدوره أن يخرج لِغزوها إن أراد، وكانت الغنائم الوفيرة التي عاد بها عبد الله بن سعد والنجاح السريع الذي أحرزه دافعين إلى التفكير في أمر إفريقية، كما أنَّ مُعاوية بن أبي سفيان كان قد صبَّ جُل اهتمامه بالفُتوحات على الجبهة المغربيَّة كونها كانت تُمثِّلُ امتدادًا للِحرب مع بيزنطة، وترك الجبهة الشرقيَّة لِوُلاة العراق ووالي البصرة بِصفةٍ خاصَّة.
ولاية معاوية بن حديج
تحرك مُعاوية بن حُديج بأمر من معاوية بن أبي سفيان لِغزو إفريقية للمرَّة الثانية، بعد أن نقض أهل إفريقية العهد مُجددًا، وكان قوام جيشه 10 آلاف مقاتل فيهم عبد الله بن عُمر بن الخطَّاب وعبد الله بن الزُبير وعبد الملك بن مروان وغيرهم، وخرجوا من مصر وتابعوا زحفهم حتَّى وصلوا إلى قمونية حيثُ اتخذوا مُعسكرًا في منطقةٍ تُدعى القرن، وأرسل الإمبراطور البيزنطي جيشًا روميًا قوامه 30 ألف مقاتل بِقيادة نقفور، والتقى الجمعان عند حصن الأجم بالقرب من سوسة في معركة ٍانتصر فيها المُسلمون، ولاذ الروم بالفرار في البحر، ثُمَّ وجه ابن حُديج عبد الملك بن مروان في ألف فارس إلى مدينة جلولاء، فحاصرها وفتحها عنوة وسار ابن حُديج بقوة فتح بها بنزرت، وتمَّ فتح جزيرة جربة على يد الصحابي رُويفع بن ثابت الأنصاريّ، كما سيَّر حملةً إلى صقلية حيثُ أقام المُسلمون شهرًا بِقيادة عبد الله بن قيس الحارثي، وعادوا إلى إفريقية بِغنائم كثيرة ورقيق.
ولاية عقبة بن نافع
ثم ولّى مُعاوية بن أبي سفيان مُعاوية بن حُديج على مصر، فأناب ابن حُديج عقبة بن نافع عنه على إفريقية، وكان اختيارُ عقبة بن نافع لِولاية حرب إفريقية من قِبل وضع الشيء في موضعه الصحيح، فعقبة من أوائل جُند المغرب، إذ دخل برقة مع عمرو بن العاص، وظلَّ مُرابطًا هُناك مُنذ ذلك الوقت، وخِلال إقامته التي دامت حوالي رُبع قرنٍ من الزمان في هذا الثغر، كان عقبة بن نافع دائب الجد والاجتهاد في العمل على توطيد دعائم الإسلام، وحصد لِنفسه صيتًا عظيمًا بين المُسلمين وأهالي المغرب من بربر وأفارقة وسودان، وقد عرف مُعاوية بن أبي سُفيان للرجل حُسن بلائه بالمغرب في سبيل نشر الإسلام، فكافأه بأن جعل له قيادة الجيش.
ابتدأ عقبة ولايته بغزو سرت، ومنها سار إلى ودّان بعد أن نقض أهلها عهدهم معه حين افتتحها في ولاية عمرو بن العاص الثانية، فافتتحها مجددًا وبعدها سار إلى جرمة أكبر مدن فزّان، فدعاهم إلى الإسلام، فأجابوا. ثم مضى على قصور فزّان، فافتتحها قصرًا قصرًا، ومنها إلى قصور خاوار، فحاصر قصبة كوار، فلم يتمكن منها، فمضى وافتتح قصورها، ثم عاد من طريق آخر إلى خاوار، فداهم أهلها وافتتح القصبة بعد ذلك، انصرف عائدًا إلى زويلة، ومنها سار إلى أرض قبيلة مزاتة في ودّان، فافتتح قصورها، ثم إلى صفر فافتتحها، ثم بعث خيلاً إلى غدامس، فأعاد افتتاح غدامس، ولما عادت إليه السرايا سار إلى قفصة فافتتحها، وافتتح قصطيلية، كما وجّه عقبة بسر بن أبي أرطأة إلى إحدى القلاع بالقرب من مجانة، فافتتحها، وازدادت قُوَّات المُسلمين آنذاك وقُدرتهم على الحرب بِفضل البربر الذي دخل العديد منهم في الإسلام، فأصبحوا، وهم أهل البلاد، يُقدمون النُصح والمشورة ويُرشدون الجُيوش ويُقاتلون معهم.
بناء القيروان
لاحظ عقبة بن نافع أثناء إقامته في برقة أنَّ البربر يخضعون للمُسلمين ما بقي المُسلمون بينهم، ثُمَّ ينقلبون عليهم عند مُغادرتهم البلاد ويرتدُّون عن الإسلام، لِذلك فكَّر في بناء مدينة تكون قاعدةً عسكريَّةً لِتثبيت الفتح الإسلامي فيها، وذلك جريًا على السياسة التي ابتدأها المُسلمون في المشرق عندما أنشأوا الكوفة والبصرة في العراق ثُمَّ الفسطاط في مصر، واستشار عقبة أصحابه في بناء مدينة لهم حتَّى يستقر الأمر للمُسلمين ولا يعود أهل البلاد إلى العصيان، ولقيت الفكرة قُبولًا من العسكر، بل إنَّ مُستشاري عقبة بلغوا في حماسهم إلى درجة أنهم اتفقوا على أن يكون أهلها مُرابطين فيها، وقالوا بأن تكون المدينة العتيدة على ساحل البحر ليتمَّ لهم الجهاد والرباط، لكنَّ عقبة خالفهم في الرأي لأنه خشي أن يطرق الروم المدينة الجديدة أيضًا إن كانت على ساحل البحر، ففضَّل أن يكون بينها وبين البحر ما لا يُوجب التقصير في الصلاة وهي مسافة عشرين ميلًا تقريبًا، وأن يصل الخبر إلى سُكَّانها قبل أن يصل إليها عدوٌّ إذا داهم البلاد، وأن يكون موضعها تتوافر فيه المراعي للمواشي.
سار عقبة مع أصحابه فوقع اختياره على وادي كثير الشجر، اختطّ فيه مدينة دعاها «القيروان».
ابتدأ عقبة بناء القيروان سنة 51هـ، فأمر بِقطع أخشاب أشجار الزيتون البرّي لاستعمالها في البناء، وكانت تلك الأشجار كثيفة وعديدة، وبعد قطع ما يلزم من الأشجار، أمر عقبة بإحراق الأرض المُخصصة للبناء كي يُظهرها من الأشواك والشُجيرات.
وأوَّل ما اختُطَّ من القيروان هو دار الإمارة، ثم أتى المُسلمون إلى موضع المسجد الأعظم، فاختطّوه، ثم أخذ الناس في بناء الدور والمساكن والمساجد استمرَّت عمليَّة البناء حتَّى سنة 55هـ، فعمُرت القيروان بالأبنية وأُقيمت فيها الأسواق، وأصبحت قاعدة انطلاق الفُتوح ناحية المغرب والأقصى، وبتمام بناء المدينة أمن المُسلمون واطمأنوا في إفريقية، وثبُت الإسلام فيها، وأقبل البربر على السكن في القيروان، واعتنقوا الإسلام وامتجزوا مع العرب بِمُرور الوقت.
عزل عقبة بن نافع
بينما كان عقبة بن نافع يواصل فتوحاته وينظم مدينته الجديدة إذا بوالي مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري يعزله ويولي مكانه مولاه أبو المهاجر دينار، فقال له أصحابه: لو أقررت عقبة فإن له جزالة وفضلاً، فقال مسلمة: إن أبا المهاجر صبر علينا في غير ولاية ولا كبير نيل فنحن نحب أن نكافئه.
وحينما وجه مسلمة بن مخلد أبو المهاجر إلى المغرب أوصاه أن يحسن عزل عقبة ، ولكن أبو المهاجر أساء إلى عقبة إساءة بالغة فقد سجنه وأوقره حديداً حتي أتي كتاب من الخليفة بتخلية سبيله وإشخاصه إليه، وحينما وصل عقبة إلى مصر ركب إليه مسلمة بن مخلد وترضاه وأقسم له أن أبو المهاجر خالف الوصية، وحين وصل عقبة إلى معاوية وبسط لهُ ظلامته وما فعلهُ معهُ أبو المُهاجر، وممَّا قاله: «فَتَحْتُ البِلِادَ وَبَنَيتُ المَنَازِلَ وَمَسْجِدَ الجَمَاعَةِ وَدَانَت لِي، ثُمَّ أَرسَلتَ عَبْدَ الأَنصَارِ فَأَسَاءَ عَزلِيَ». اعتذر مُعاوية من عقبة قائلًا: «قَد عَرَفتُ مَكَانَ مَسْلَمَةَ بنُ مَخلَد مِنَ الأَمَامِ المَظلُومِ وَتَقْدِيمِهِ إيَّاهُ بِدَمِهِ وَبَذلُ مُهجَتِهِ»، ووعده معاوية برده إلى ولايته.
ورغم أن أبو المهاجر كان يجل عقبة ويحترمه وقد جزع عندما دعا عليه عقبة فقال: هذا رجل لا يرد له دعاء، إلا أنه أساء عزله وسبب ذلك أنه ربما رفض عقبة أن يرضخ للعزل بسهولة لانه يري أنه أحق بالولاية من أبو المهاجر، فخاف أبو المهاجر من أن يحدث خلاف في جيش المسلمين لعدم رضوخ عقبة فيستغله الروم فاضطر إلى سجنه.
ولاية أبو المهاجر دينار
علي الرغم من الخطأ الذي ارتكبه أبو المهاجر في حق عقبة إلا أنه كان له دور كبير في فتح المغرب، وكانت سياسة أبو المهاجر دينار هي كسب القلوب، فالبربر قوم أشداء يعتدون بكرامتهم وحريتهم فسياسة اللين معهم أفضل من سياسة الشدة.
تحرك أبو المهاجر أولاً إلى عاصمة الروم في إفريقية وهي مدينة قرطاجنة وقام بحصارها وشدد عليها الحصار وأدرك الروم أن لا قبل لهم بالجيش الإسلامي وأن أبو المهاجر سينتصر عليهم فطلبوا منه الصلح، فوافق أبو المهاجر علي الصلح وصالحهم على إخلاء جزيرة شريك فترك أبو المهاجر حامية بقيادة حنش الصنعاني في الجزيرة لمراقبة تحركات الروم.
رفع أبو المهاجر الحصار عن مدينة قرطاجنة واتجه غرباً حتي وصل مدينة ميلة ولم يجد أي مقاومة في الطريق إليها، وفي مدينة ميلة كان يتواجد طائفة من الروم والبربر مستعدين للقتال واستطاع أبو المهاجر أن يفتح هذه المدينة وغنم مافيها وكانت هذه المدينة تتوسط المغرب الأدنى والأوسط فجعلها أبو المهاجر مقراً له لمراقبة الروم، وأقام بها سنتين وفي هذه المدة عمل على الاتصال بالبربر وإفهامهم الاسلام ودعوتهم إليه وقد نجح في ذلك فأقبل البربر على الاسلام وبدأوا يتحالفون مع المسلمين ضد الروم.
وصلت الأخبار إلى أبو المهاجر دينار أن جمعاً من الروم والبربر يستعد لحربه فقرر المسير إليهم وكانت زعامة المغربين الأوسط والاقصي لقبيلة أوربة وهي قسم كبير من أقسام البربر البرانس وقائدهم كسيلة بن لمزم وكان البربر يحبونه ويجلونه وكان نصرانياً متمسكاً بدينه، وتحالف معه الروم وأوصلوا إليه صورة خاطئة عن الاسلام والمسلمين فرآهم أعداءه وقرر جمع البربر لقتال المسلمين فتجمع له جيش كثيف من الروم والبربر.
زحف كسيلة بجيشه وعسكر في تلمسان ووصل أبو المهاجر بجيشه وعسكر هناك والتقي الجيشان في معركة قاسية انتصر فيها المسلمين وهزموا جيش كسيلة وتم أسره وحمل إلى أبو المهاجر فأحسن إليه وقربه وعامله معاملة الملوك وطمع في إسلامه، فشرح له أبو المهاجر حقيقة الإسلام ودعاه إليه فأسلم كسيلة ودعا قومه إلى الإسلام، وبعد أن اطمأن أبو المهاجر إلى أمور المغرب الأوسط عاد إلى قرية تسمي دكرور بالقرب من القيروان.
ولاية عقبة بن نافع الثانية
وفي عام 62ه توفي مسلمة بن مخلد الأنصاري فقام يزيد بن معاوية بعزل أبو المهاجر عن ولاية المغرب وأسندها إلى عقبة بن نافع، وعندما وصل عقبة إلى المغرب اعتقل أبو المهاجر وأوثقه ولكن أبو المهاجر كان مخلصاً وفياً وكان دائم النصح لعقبة، وقد أشار عليه أن يكرم زعيم البربر كسيلة ولكن عقبة أهان كسيلة ومن ذلك أن عقبة أتي بغنم فأمر كسيلة بذبحها وسلخها فقال كسيلة: هؤلاء فتياني وغلماني يكفونني المئونة، ولكن عقبة أصر وأمره بسلخها، ففعل كسيلة مغضباً وجعل كلما دس يده في الشاة مسح بلحيته، وبلغ ذلك أبو المهاجر فأرسل إلى عقبة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألف جبابرة العرب وأنت تعمد إلى رجل جبار في قومه وبدار عزه حديث عهد بالشرك فتفسد قلبه، توثق من الرجل فإني أخاف فتكه (أي اعتقله حتي لا يقتلك) فتهاون عقبة في ذلك، وكان اجتهاد عقبة في ذلك يقضي بمحاولة إذلال كسيلة وكسر طغيانه حتي تهون مكانته في نفوس قومه فلا يستطيع أن يستنفرهم مرة أخرى لحرب المسلمين ولكن عقبة أخطأ في اجتهاده.

إرسال تعليق