تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

معركة سبيطلة



الاستعدادات لفتح إفريقية

بعد استشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتولي عثمان بن عفان رضي الله عنه الخلافة قام بعزل عمرو بن العاص عن إمارة مصر وأسندها إلى عبدالله بن سعد بن أبي السرح، وقد واصل عبد الله بن سعد بن أبي سرح رضي الله عنه السياسة العسكرية التي انتهجها عمرو بن العاص بعد فتح طرابلس، فأخذ يرسل جماعات الخيالة في شكل سرايا، للإغارة على أطراف إفريقية. وكان من أغراض هذه السرايا الاستكشاف، ورصد المتغيِّرات على حدود مصر الغربيَّة، ومراقبة القوى البيزنطية المعادية.
ولما اجتمعت عند عبد الله بن سعد معلومات کافية عن إفريقية من ناحية مداخلها ومخارجها، وقوتها وعدادها، وموقعها الجغرافي الاستراتيجی، كتب حينئذ إلى الخليفة الراشد عثمان بن عفان يخبره بهذه
المعلومات الهامة عن إفريقية، ويستأذن بناء على تلك المعلومات بفتحها، فجمع عثمان الصحابة واستشارهم في ذلك، فاشاروا عيه بفتحها، ولما أجمع الصحابة على ذلك، دعا عثمان للجهاد، وأستعدت المدينة لجمع المتطوعين، وتجهيزهم، وترحيلهم إلى مصر، لغزو إفريقية، وقد ظهر الاهتمام بأمر تلك الغزوة جليا فهذا يتضح من الذين خرجوا إليها من كبار الصحابة، ومن خيار شباب آل البيت، وأبناء المهاجرین الأوائل وكذلك الأنصار فقد خرج في تلك الغزوة، الحسن والحسين، وسمى هذا الجيش جيش العبادلة لاشتراك عبد الله بن عمر، وعبد الله بن زيد بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم. وكانوا جميعا شبابا في السن الباكرة رضي الله عنهم أجمعين.
هذا وقد خرج من قبيلة مهرة وحدها في غزوة عبد الله بن سعد ستمائة رجل، ومن غنث سبعمائة رجل، ومن ميدعان سبعمائة رجل، وعندما بات الاستعداد تاما خطب عثمان فيهم، ورغبهم في الجهاد، وقال لهم: لقد استعملت عليكم الحارث بن الحكم إلى أن تقدموا على عبد الله بن سعد فيكون الأمر إليه، وأستودعكم الله ويقال: إن عثمان رضي الله عنه قد أعان في هذه الغزوة بالف بعير يحمل عليها ضعفاء الناس، وعندما وصل هذا الجيش إلى مصر، انضم إلى جيش عبد الله بن سعد، وتقدم من الفسطاط تحت قيادة عبد الله ذلك الجيش الذي يقدر بعشرين ألفا يخترق الحدود.

التحرك نحو سبيطلة

وعندما وصلوا إلى برقة انضم إليهم عقبة بن نافع الفهرى، ومن معه من المسلمين، ولم يواجه الجيش الإسلامی أي صعوبة أثناء سیرهم في برقة، وذلك لأنها ظلت وفية لما عاهدت المسلمين عليه من الشروط زمن عمرو بن العاص، حتى إنه لم يكن يدخلها جابي الخراج، وإنما كانت تبعث بخراجها إلى مصر في الوقت المناسب.
ثم تحرك إلى طرابلس وكانت قد خرجت عن طاعة المسلمين بعد فتحها الأول ووجد أهلها قد امتنعوا خلف أسوارها. فلبث على حصارها أيَّامًا، فخاف أن يطول الحصار وهو يريد الإسراع إلى جرجير في سبيطلة، فأمر الناس بالرحيل كسباً للوقت، وكذلك فعل حين وصل إلى قابس، وجد أهلها متحصنين، فانصرف عنها، إذ أشار عليه الصحابة أن لا يشتغل بها عن هدفه الأساسي، وهو فتح إفريقية والقضاء على التجمع البيزنطي في سببيطلة.
وهكذا انطلقت هذه الحملة نحو إفريقية، وكان ذلك بعد انضمام قوات عقبة بن نافع إليها، وكان عبد الله بن سعد يرسل الطلائع والعيون في جميع الاتجاهات لاستكشاف الطرق وتأمينها، ورصد تحركات العدو وضبطها، تحسباً لأی كمين، أو مباغتة تطرأ على حين غفلة، فكان من نتائج تلك الطلائع الاستطلاعية أن تم رصد مجموعات من السفن الحربية تابعة للامبراطورية الرومانية، حيث كانت هذه السفن الحربية قد رست في ساحل ليبيا البحرى بالقرب من مدينة طرابلس، فما هي إلا برهة من الزمن حتى كان ما تحمله هذه السفن غنيمة للمسلمين، وقد أسروا أكثر من مائة من أصحابها. وواصل عبد الله بن سعد السير إلى إفريقية، وبث طلائعه وعيونه في کل اتجاه، حتى وصل جيشه إلى مدينة سبيطلة بأمان. 

معركة سبيطلة

وسبيطلة مدينة كبير وحصينة، وهي خط الدفاع الثاني الذي أقامته بيزنطة للدفاع عن البلاد ضد ما يتوقعه الروم من هجمات البربر. وتقع على الطريق الذي يؤدي من السهل الساحلي إلى جبال الأوراس، وقريبة من المنطقة التي ستبنى فيها مدينة القيروان، بينهما سبعون ميلا، وبينها وبين قرطاجنة مائة وخمسون ميلًا، وقد تم اختيارها قاعدة للملك لأن جرجير استشعر بخطر المسلمين بعد أخذهم طرابلس وسيرت، ثم إنه كان يعول على نصر البربر وعونهم، فأحب أن يتحرر فيهم، ويستعين بهم، ففضل اللجوء إلى الداخل، والتحصن في سبيطلة.
وهناك التقى الجمعان، جيش المسلمين بقيادة عبد الله بن سعد، وجيش جرجير حاكم إفريقية (كان حاكم المغرب جريجوريوس الأرمني ويسميه العرب جرجير)، وكان تعداد جيشه يبلغ حوالی مائة وعشرين الفا، وكان بين القائدین اتصالات مستمرة، ورسائل متبادلة، فحواها عرض الدعوة الإسلامية على جرجير ودعوته للدخول في الإسلام، أو أن يدفع الجزية، ويبقی على دینه خاضعاً لسيادة الإسلام، ولكن كل تلك العروض، رفضها وأصر واستكبر هو وجنوده؛ وضاق الأمر بالمسلمين، ونشبت المعركة بين الجمعين، وحمى الوطيس بينهما لعدة أيام، واستمرت الحرب سجالا دون طائل، وكان القتال يدور يوميا نهاراً من الصباح إلى وقت الظهر، ثم ترجع كل طائفة إلى معسكرها، فلا يستأنفون القتال إلا في اليوم التالي حتى وصل مدد بقيادة عبد الله بن الزبير.

خطة عبدالله بن الزبير

فقال عبد الله بن الزبير: نظرت إلى الملك جرجير من وراء الصفوف وهو راكب على برذون، وجاریتان تظلانه بريش الطواويس، فذهبت إلى عبد الله بن سعد بن أبی سرح وقلت: قد رأیت أن نترك غداً جماعة صالحة من أبطال المسلمين في خيامهم متأهبين ونقاتل نحن الروم في باطن العسكر إلى أن يضجروا ويملوا فإذا رجعوا إلى خيامهم ورجع المسلمون رکب من كان في الخيام من المسلمين ولم يشهدوا القتال وهم مستريحون ونقصدهم على غرة، فلعل الله ينصرنا عليهم فاحضر عبدالله بن سعد جماعة من أعيان الصحابة واستشارهم فوافقوه على ذلك، فلما كان الغد جعل شجعان المسلمين في خيامهم، وخيولهم عندهم مسرجة، ومضى الباقون فقاتلوا الروم إلى الظهر قتالاً شديدا، فلما أذن الظهر هم الروم بالانصراف على العادة وعاد عنهم المسلمون، وحمل عليهم ابن الزبير ومعه جماعة المسلمين الذين كانوا في خيامهم وقصد الروم فلم يشعروا بهم حتى خالطهم وحملوا حملة رجل واحد وكبروا فلم يتمكن الروم من لبس سلاحهم حتى غشيهم المسلمون، وقتل عبدالله بن الزبير جرجير وانهزم الروم وقتل منهم مقتلة عظيمة وأخذت ابنة الملك جرجير ضمن السبي.

بعد معركة سبيطلة

ولما رأی الروم الذين بالساحل ما حل بجرجير وأهل سببطلة، غارت أنفسهم وتجمعوا، وكاتب بعضهم بعضا في حرب عبد الله بن سعد فخافوه وراسلوه، وجعلوا له جعلاً على أن يرتحل بجيشه، وإلا يعترضوه بشيء، ووجهوا إليه ثلاثمائة قنطار من الذهب على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم، فقبل ذلك منهم وقبض المال.
بعد معركة سبيطلة أقام عبد الله بن سعد بن أبي سرح معسكره وأخذ يوجه السرايا تضرب في أرجاء ولاية إفريقية وتجتاح البلاد بهمة كبيرة حتى ذلت الروم، ورعبوا رعبا شديدا، ولما رأى ذلك رؤساء أهل إفريقية طلبوا إلى عبد الله بن سعد أن يأخذ منهم مالا على أن يخرج من بلادهم، فقبل ذلك، ورجع إلى مصر، ولم يول عليهم أحد، وكان من بين شروط الصلح أنَّ ما أصاب المسلمون قبل الصلح فهو لهم، وما أصابوه بعد الصلح ردوه عليهم.
رجع عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى مصر بعد خمسة عشر شهرًا قضاها في هذه الغزوة دون أن يتَّخذ أي إجراء يكفل الاحتفاظ بنتائج هذا النصر الكبير، وبدلًا من أن يسير نحو قرطاجنة ويستولي عليها، ويُقرِّر بذلك نهاية ولاية إفريقيَّة البيزنطيَّة نجده يكتفي بالغنائم الوفيرة، ويقبل بشروط الصلح ويعجل بالعودة، فكان على من أتى بعده أن يبدأ من جديد؛ لأنَّ انسحابه عفى على معظم النتائج التي كان المسلمون قد وصلوا إليها في البلاد.
ثم نقضت إفريقية العهد فعاد عبد الله بن سعد بن أبي سرح إليها، وجدد فتحها، وبقي عقبة بن نافع أميرًا على برقة، وكثيرًا ما كان يحدث نقض العهد من قِبَلِ البربر فيقوم المسلمون بإعادة تسيير الجيوش ويجددون الفتح.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب