محاولة الروم استرداد الإسكندرية
كبر على الروم خروج الإسكندرية من أيديهم، وظلوا يتحينون الفرص لإعادتها إلى حوزتهم، فراحوا يحرضون من بالإسكندرية من الروم على التمرد والخروج على سلطان المسلمين، ذلك لأن الروم كانوا يعتقدون أنهم لا يستطيعون الاستقرار في بلادهم بعد خروج الإسكندرية من ملكهم، وصادف تحريض الروم لأهل الإسكندرية هوى في نفوس سكانها فاستجابوا للدعوة وكتبوا إلى قسطنطين بن هرقل يخبرونه بقلة عدد المسلمين، ويصفون له ما يعيش فيه الروم بالإسكندرية من الذل والهوان، وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه قد عزل عمرو بن العاص عن مصر، وولی مكانه عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وفي أثناء ذلك وصل منويل الخصى قائد قوات الروم إلى الإسكندرية لإعادتها وتخليصها من يد المسلمين، ومعه قوات هائلة يحملهم في ثلاثمائة مركب مشحونة بكل ما يلزم هذه القوات من السلاح والعتاد.
علم أهل مصر بأن قوات الروم قد وصلت إلى الإسكندرية، فكتبوا إلى عثمان رضي الله عنه يلتمسون إعادة عمرو بن العاص ليواجه قوات الروم فإنه أعرف بحربهم، وله هيبة في نفوسهم، فاستجاب الخليفة لطلب المصريين، وابقي عمرو بن العاص أميرا على مصر.
دخل منويل وجيشه الإسكندرية وقاموا بنهب المدينة، وغادروها بعد أن تركوها قاعا صفصفا وتحركوا ليعيثوا فيما حولها من القرى ظلما وفسادا، وأمهلهم عمرو بن العاص لیمعنوا في الإفساد، وليشعر المصريون بالفرق الهائل بين حكامهم من المسلمين، وحكامهم من الروم، ولتمتلئ قلوب المصريين على الروم حقدا وغضبا فلا يكون لهم من حبهم والعطف عليهم أدنى حظ.
خرج منویل بجيشه من الإسكندرية يقصد مصر السفلي دون أن يخرج إليهم عمرو أو يقاومهم أحد، وتخوف بعض أصحابه ولكن عمرو كان له رأي آخر، فقد كان يرى أن يتركهم يقصدونه، ولا شك أنهم سينهبون أموال المصريين، وسيرتكبون من الحماقات في حق المصريين ما يملأ قلوبهم حقدا عليهم وغضبا منهم، فإذا نهض المسلمون لمواجهتهم عاونهم المصريون على التخلص منهم، وقال عمرو لأصحابه: دعهم يسيروا إلى، فإنهم يصيبون من مروا به، فيخزى بعضهم ببعض.
وبالفعل حدث ما توقعه عمرو بن العاص فقد أمعن الروم في إفسادهم ونهبهم وسلبهم، وضج المصريون من فعالهم، وأخذوا يتطلعون إلى من يخلصهم من شر هؤلاء الغزاة المفسدين.
وصل منويل إلى نقيوس، واستعد عمرو للقائه، وعبأ جنده، وسار بهم نحو عدوه، وتقابل الجيشان عند حصن نقيوس على شاطئ نهر النيل واستبسل الفريقان وصبر كل فريق أمام خصمه مما زاد الحرب ضراوة، وقد دفع ذلك عمرو بن العاص إلى أن يتمعن في صفوف العدو، ويقدم فرسه بين فرسانهم، حتي أصاب فرسه سهم فقتله، فترجل عمرو وانضم إلى صفوف المشاة، وأمام ضربات المسلمين وهنت عزائم الروم وخارت قواهم، فانهزموا أمام المسلمين، وقصد الروم في فرارهم الإسكندرية لعلهم يجدون في حصونها المنيعة وأسوارها الشاهقة ما يوارى عنهم شبح الموت الذي يلاحقهم.
خرج المصريون بعد أن رأوا هزيمة الروم يصلحون للمسلمين ما أفسده العدو الهارب من الطرق، ويقيمون لهم ما دمره من الجسور، وأظهر المصريون فرحتهم بانتصار المسلمين على العدو الذي اعتدى على أموالهم وممتلكاتهم، وقدموا للمسلمين ما ينقصهم من السلاح والمؤونة.
ولما وصل عمرو الإسكندرية ضرب عليها الحصار ونصب عليها المجانيق وظل يضرب أسوار الإسكندرية حتى أوهنها وألح عليها بالضرب، حتی ضعف أهلها وتصدعت أسوارها وفتحت المدينة الحصينة أبوابها، ودخل المسلمون الإسكندرية، وأعملوا سيوفهم في الروم يقتلون المقاتلين، فهرب من نجا من الموت لاجئين إلى السفن ليفروا بها عائدين من حيث أتوا، وكان منويل في عداد القتلى، ولم يكف المسلمون عن القتل والسبي في الروم حتى أمر عمرو بذلك لما توسط المسلمون المدينة، ولما لم يكن هناك من يقاوم أو يتصدى لهم، ولما فرغ المسلمون أمر عمرو ببناء مسجد في المكان الذي أوقف فيه القتال وسماه مسجد الرحمة، وعادت إلى العاصمة العتيدة طمأنينتها، وعادت السكينة إلى قلوب المصريين فيها، فرجع إليها من كان قد فر منها، أمام الجيش الرومي.
وجاء المصريون يشكرون عمرو على تخليصهم من ظلم الروم، ويطلبون منه إعادة ما نهبوا من أموالهم ودوابهم معلنين ولاءهم وطاعتهم فقالوا: إن الروم قد أخذوا دوابنا وأموالنا ولم نخالف نحن علیکم وكنا على الطاعة، فطلب منهم عمرو أن يقيموا البينة على ما ادعوا ومن أقام بينة وعرف من له بعينه رده عليه.
وقام عمرو بهدم سور الإسكندرية، وبذلك أصبحت الإسكندرية آمنة من جهاتها كلها رغم هدم سورها، فقد كان شرقها في قبضة المسلمين وجنوبها كذلك، وأما غربيها فقد أمنه عمرو بن العاص بفتح برقة وزويلة وطرابلس الغرب، وأما شمالها فكان في قبضة الروم، وقد تمت هزيمتهم على يد المسلمين ولم يترك لهم فرصة للتفكير في العودة، وحتى لو فكروا في العودة فهيهات أن يدخلوها وليس لهم فيها نصير ولا معين، وقوات المسلمين تراقب البحر بكل يقظة واهتمام.
لقاء عمرو بن العاص وأسقف القبط
وکان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له بنيامين، وكان هارباً في الصحراء بسبب الاضطهاد المذهبي الذي تعرض له الأقباط على أيدي الرومان، فلما بلغه قدوم عمرو بن العاص إلى مصر، كتب إلى القبط يعلمهم أنه لن تكون للروم دولة، وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقي عمرو، فيقال إن القبط الذين كانوا بالفرما صاروا يومثذ لعمرو أعوانا.
وقد جاء في رواية المؤرخ القبطي ساويرس بن المقنع: "أنه سانوتيوس أحد رؤساء القبط في ذلك الوقت وهو الذي كان يتولى إدارة شئون الكنيسة مدة اختفاء البطریق بنیامين، قد روى لعمرو موضوع الاب المجاهد بنيامين البطرك وأنه هارب من الروم خوفاً منهم، فكتب عمرو بن العاص إلى عمال مصر كتابا يقول فيه: الموضع الذي فيه بنيامين بطرك النصاری القبط له العهد والأمان والسلامة من الله، فليحضر آمنا مطمئنا ويدبر حال بيعته وسياسة طائفته، فلما سمع القدیس بنیامين هذا، عاد إلى الإسكندرية بفرح عظيم بعد غيبة ثلاث عشرة سنة، فلما ظهر فرح الشعب وكل المدينة بمجيثه ولما علم عمرو بوصوله أمر بإحضاره بكرامة وإعزار ومحبة، فلما راه أكرمه وقال لأصحابه إن في جميع الكور التي ملكناها إلى الآن ما رأيت رجلا يشبه هذا وكان الأب بنيامين حسن المنظر جدا، وجيد الكلام بسکون ووقار، ثم التفت عمرو إليه وقال له: جميع بيعتك ورجالك اضبطهم ودبر أحوالهم وانصرف من عنده مكرما مبجلا.
وقرب عمرو إليه البطريق بنيامين حتى لقد أصبح من أعز أصدقائه عليه، واطمأن العرب الفاتحون في مصر، وخطبهم أمیرهم عمرو بن العاص في أول جمعة صلاها بجامعه بالفسطاط فقال: . . استوصوا بمن جاوركم من القبط، فإن لكم فيهم ذمة وصهرا، فكفوا أيديكم، وعفوا وغضوا أبصاركم".

إرسال تعليق