فتح جلولاء
بعد أن تم للمسلمين فتح المدائن، أتى الخبر إلى سعد بأن الفرس أخذوا يجمعون جندهم من جديد في عدة مدن لحرب المسلمين. فعسكر مهران الرازي في مدينة جلولاء وهي شمال شرق المدائن، وحفر حولها خنادق حصينة عظيمة. وتجمع
أهل الموصل في تكريت شمال المدائن وأما كسرى يزدجرد فاتخذ من حلوان عاصمة
مؤقتة وتقع إلى الشمال الشرقي من المدائن، وأخذ يبعث الأمداد إلى أهل
جلولاء.
فأرسل سعد إلى أمير
المؤمنين عمر وأوقفه على الأمر، فكتب إليه عمر: (سرح هاشم بن عتبة إلى
جلولاء في اثني عشر ألفا، واجعل مقدمته القعقاع بن عمرو، وعلى ميمنته سعر
بن مالك وعلى ميسرته عمرو بن مالك، واجعل على ساقته عمرو بن مرة الجهني فإن
هزم الله الجندين: جند مهران وجند الأنطاق، فقدم القعقاع حتى يكون بين
السواد وبين الجبل على حد سوادكم).
وصل
الجيش في أربعة أيام، فضربوا على جلولاء حصاراً طويلا زاد على سبعة أشهر،
ثم نشب قتال عنيف، وكانت معركة هائلة انتصر فيها المسلمون، وكثر القتلى في
صفوف الفرس واقتسم الناس الغنائم وكانت ثلاثين ألف ألف. وكان سعد بن أبي
وقاص قد وجه ابن أخيه هاشم بن عتبة ومعه القعقاع بن عمرو لفتح محور
(ديالى)، فانتصر هاشم في معركة جلولاء، وفتح القعقاع وجرير البجلي (خانقين
وحلوان وقصر شيرين).
كما وجه عبد
الله بن المعتم وربعي بن الأفكل وعرفجة بن هرثمة إلى محور دجلة ففتح عبد
الله بن المعتم (تكريت) ، وفتح ربعي (الموصل). وبلغه أن الفرس حشدوا قواتهم
في سهل (ماسبذان) فأرسل إليهم ضرار بن الخطاب الفهري، فدحر الفرس وفتح
(ماسبذان).
ووجه سعد عمرو بن مالك
الزهري والحارث بن يزيد العامري لفتح محور الفرات، حتى (قرقيساء) الواقعة
في ملتقى خابور الفرات بنهر الفرات، ففتحا هذه المنطقة. وبعث عتبة بن فرقد
السلمي لفتح شمالي العراق وأذربيجان، ففتح تلك المناطق. ووجه سعد عياض بن
غنم وسهيل بن عدي وعبد الله بن عبد الله بن عتبان لفتح الجزيرة، ففتحوا
(الرقة ونصيبين وحران والرها).
فتح جنوب العراق
بعث أمير المؤمنين عمر عتبة بن غزوان على رأس جيش وأمره أن يبدأ بفتح الأبلة وهي مدينة كانت مرفا للسفن القادمة من الهند والصين، فقاد عتبة الفتوحات في جنوب العراق، وفتح عامة البلاد هناك: الأبلة، والبصرة، وميسان، ودستميسان. وبنى عتبة البصرة عن أمر عمر. وبذلك تم تطهير جميع العراق من الوجود الفارسي وانضمت إلى دولة الخلافة الإسلامية الراشدة.
الفتوحات في أرض العجم
نتيجة عدم تعقب المسلمين لفلول الفرس في بلاد إيران حسب عمر، تمكن بعض قادتهم كالهزمزان وملكهم يردجزد من إعادة تنظيم الجيش، وبدأ التجمع الفارسي في مكانين: نهاوند ويتولى يزدجرد أمر حشد الجيوش فيها، والأهواز ويتولى الهرمزان الذي كان قد فر يوم القادسية أمر الفرس فيها. وبسبب قرب الأهواز من البصرة بدأت تحرشات الفرس بالمسلمين هناك.
فتح الأهواز
وهي بلاد واسعة تقع ما بين فارس والبصرة وواسط وجبال اللور المجاورة لأصبهان. ومن أشهر مدنها: الأهواز، وتستر، وجنديسابور، ورامهرمز، والسوس. وقد شارك عدد كبير من القادة في فتح هذه البلاد والمدن الواسعة:
ففي سنة (17ه) فتح حرملة بن مريطة التميمي وسلمى بن القين التميمي بلدتي (مناذر) الكبرى والصغرى. و(نهر تيرى).
وفتح حرقوص بن زهير التميمي مدينة الأهواز، وتسمى سوق الأهواز.
وفتح جزء بن معاوية التميمي مدينة ذورق.
وفتح النعمان بن مقرن مدينة رامهرمز.
وفتح أبو سبرة بن أبي رهم القرشي مدينة تستر وهي أعظم مدينة بحوزستان، ومدينة السوس.
وفتح أبو سبرة بن أبي رهم وذر بن عبد الله بن كليب الفقيمي مدينة جنديسابور وهي مدينة حصينة واسعة.
وفتح الربيع بن زياد الحارثي بيروذ ناحية كبيرة بالأهواز وشارك في فتح مناذر.
وشارك أبو موسى الأشعري في فتح الأهواز والسوس.
وفي سنة (23هـ) فتح سلمة بن قيس الأشجعي جبال الأكراد في الأهواز.
معركة نهاوند
استمر يزدجرد في مقاومة الفتح الإسلامي، وحشد الجيوش في نهاوند من مختلف المقاطعات الفارسية، حتى اجتمع له زهاء 150 ألف مقاتل.
وجاء كتاب عبد الله بن عبد الله بن عتبان عامل عمر على الكوفة إلى عمر بأن الفرس قد اجتمعوا، وهم متذامرون على الإسلام وأهله، وأن المصلحة في معاجلتهم وفض جموعهم. فقال عمر لحامل الكتاب: ما اسمك؟ قال: قريب، قال: ابن من؟ قال: ابن ظفر، فتفاءل عمر بذلك وقال: ظفر قريب! ثم أمر فنودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، وصعد عمر المنبر وخطب الناس في أن يخرج بنفسه على رأس جيش يكون ردءاً للمسلمين في نهاوند، فخالفه أكابر الصحابة وأشاروا عليه بأن يؤمر قائداً خبيراً، ويمدهم هو برأيه ودعائه،فاستشارهم فيمن يوليه أمر الحرب ، فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين أبصر بجندك! فولى النعمان بن مقرن، وكتب إلى حذيفة بن اليمان أن يسير من الكوفة بجنود منها، وإلى أبي موسى أن يسير بجنود البصرة، وكتب إلى النعمان أن يسير بمن معه من الجنود إلى نهاوند. وإذا اجتمع الناس فكل أمير على جيشه، والأمير على الناس كلهم النعمان بن مقرن، فإذا قتل فحذيفة بن اليمان فإن قتل فجرير بن عبد الله ، فإن قتل فقيس بن مكشوح، حتى عد سبعة.
وكتب إلى النعمان كتابا يأمره بالمسير ويوصيه بالمسلمين. واجتمع جيش المسلمين في نهاوند، وقوام الجيش زهاء 30000 مقاتل، وكانت نهاوند حصينة، فكان الفرس يخرجون منها فيقاتلون ثم يحتمون بحصونها، فلم يتمكن المسلمون حتى استدرجوهم بعيدا عنها، ودارت رحى حرب طاحنة، وأنزل الله تعالى نصره على المسلمين، واستشهد النعمان رضي الله عنه، وتم فتح نهاوند، ولجلالتها وخطورتها سماها المسلمون (فتح الفتوح) ، ولم تقم للفرس بعدها قائمة.
بعد وقعة نهاوند تحطمت قوة الدولة الساسانية، وأمر الفاروق بالانسياح السريع في بلاد فارس حتى لا يجتمع لهم فل، وعقد سبعة ألوية وأقر على الجيوش سبعة قادة وهم:
1- الأحنف بن قيس إلى خراسان.
2- مجاشع بن مسعود السلمي إلى أردشير وسابور.
3- عثمان بن أبي العاص الثقفي إلى إصطخر.
4- سارية بن زنيم الكناني إلى فسا ودرابجرد.
5- سهيل بن عدي إلى كرمان.
6- عاصم بن عمرو إلى سجستان.
7- الحكم بن عمير التغلبي إلى مكران
فتح أصبهان
وجه عمر عبدالله بن عبدالله بن عتبان إلى أصبهان، وأمده بأبي موسى الأشعري، وبعد قتال عنيف خارج المدينة تم الفتح وصالحت أصبهان على الجزية. كذلك تم فتح مدينة (جي) صلحا. وجي: مدينة ناحية أصبهان بينهما نحو ميلين، وتسمى الآن عند العجم (شهرستان). وفتح أبو موسى مع عثمان بن أبي العاص مدينة (شيراز) و(أزجان)، كذلك فتح أبو موسى (قم) و(قاشان).
إعادة فتح همذان
نقض أهل همذان عهدهم الذي صالحهم عليه القعقاع بن عمرو، فكتب عمر إلى نعيم بن مقرن أخي النعمان أن يسير إلى همذان، فسار حتي وصل إليها فحاصرها، فنزلوا على الصلح. واجتمعت جيوش المقاطعات الشمالية من الديلم وأهل الري وأذربيجان بقيادة إسفنديار الرازي أخي رستم قائد القادسية فهزمهم نعيم بن مقرن في (واج الروذ).
فتح الري
عادت الجيوش المنهزمة أمام نعيم بن مقرن فاجتمعت في (الري) بقيادة ملك الري (سياوخش بن مهران)، وجاءتهم الأمداد من أهل (دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان)، لأن سقوط الري بيد المسلمين يجعل خطرهم مباشراً على هذه المناطق.
والري علاوة على أنها عاصمة الشمال الحصينة، فهي كذلك ذات أهمية دينية حيث فيها (معابد النار) الكثيرة. وحدثت مقاومة عنيفة انتهت بفتح المدينة عنوة، ومع ذلك فقد أجرى نعيم لأهلها الصلح، وتحصل لهم من الغنائم نحو من غنائم المدائن.
فتح قومس وجرجان وطبرستان
لما جاء البشير إلى المدينة المنورة بفتح الري والأخماس، كتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن يبعث أخاه سويد بن مقرن إلى (قومس)، ففعل نعيم، وخرج سويد في تعبئته من الري إلى قومس، فلم يقم له أحد، وأخذها سلما، وصالحه أهلها. وكذلك فعلت (دنباوند) ولم يبق من بلاد الفرس أمام المسلمين سوى (جرجان وطبرستان وأذربيجان) وبذلك يصلون إلى شواطئ بحر قزوين. وقد كاتب سويد بن مقرن ملوك هذه المقاطعات، فصالحه ملكا طبرستان وجرجان، ودفعا الجزية.
فتح أذربيجان وباب الأبواب وغزو الترك
وبعث عمر عتبة بن فرقد السلمي وبكير بن عبد الله الليثي لفتح أذربيجان، وفرقها بينهما فعتبة يغزوها من الجنوب، وبكير من الشمال، وتقدم الأميران في تلك البلاد، ولقيا مقاومة لم تكن بالصعبة، فافتتحاها بلدا بلدا، وأسر بكير قائد الفرس (إسفنديار)، ثم نزلوا على الصلح ، وكتب لهم عتبة كتاب الأمان، وأخذ منهم الجزية. وجمع أمير المؤمنين أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد فكان واليها، وأمر بكير بن عبد الله بالتقدم لفتح الباب.
وكتب عمر بإمرة الجيش إلى سراقة بن عمرو الملقب بذي النور، فخرج على تعبئة ومقدم عساكره عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي، ففتحوا (باب الأبواب) وما هنالك من البلدان وأهل الجبال المحيطة بـإرمينية ومات سراقة في (باب الأبواب)، واستخلف بعده عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي، فلما بلغ عمر ذلك أقره، وأمره بغزو الترك.
وخرج عبدالرحمن بن ربيعة الباهلي بالناس لغزو الترك حتى قطع (باب الأبواب)، قاصداً لما أمره عمر، فقال له شهربراز وهو ملك الباب، وقد كاتب عبد الرحمن واستأمنه، فأمنه، وصار عونا لهم في فتوح تلك البلاد: أين تريد؟ قال عبد الرحمن: أريد (بلنجر)، فقال له شهربراز: إنا لنرضى منهم بالموادعة ونحن من وراء الباب! فقال له عبد الرحمن: إن الله بعث إلينا رسولا، ووعدنا على لسانه بالنصر والظفر، وبحن لا نزال منصورين. فقاتل الترك وسار في بلاد بلنجر مئتي فرسخ وغزا مرات متعددة.
فتح توج وإصطخر ودرابجرد
سار مجاشع بن مسعود في معركة نهاوند، وبعد الفراغ منها قصد بمن معه من المسلمين (توج)، واصطدم بالفرس وفتح هذه المدينة، وتغلغل في أراضي سابور وأردشير ففتحهما بعد قتال. وسار عثمان بن أبي العاص إلى (إصطخر) عاصمة إقليم فارس وأكبر مدينة فيه، وجرى قتال عنيف، واستسلمت بعده المدينة على الجزية والذمة.
وأما درابجرد فكان الذي قصدها سارية بن زنيم الكناني، فاحتشدت له جموع عظيمة من الفرس والأكراد، ودهم المسلمين أمر عظيم، فأكرمهم الله تعالى بنداء عمر من على منبر رسول الله: (يا سارية.. الجبل الجبل)، فلجؤوا إلى الجبل وقاتلوا عدوهم، وهزموهم، وكان الفتح.
فتح كرمان ومكران وسجستان
فتحها سهيل بن عدي الخزرجي وهى ناحية كبيرة معمورة ذات مدن واسعة وقرى كثيرة، وكتب عمر إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان: (أن سر حتى تقدم على سهيل بن عدي فتجامعه على قتال من بكرمان، واستخلف على أصبهان السائب بن الأقرع). وحشد سهيل جيشه فى (البصرة) وقصد (كرمان)، ولحقه ابن عتبان مدداً له، فالتقى الطرفان في تخوم كرمان، فانهزم الفرس، ولكن المسلمين أخذوا عليهم الطرق، فقتلوا منهم خلقا، وغنموا غنائم لا تحصى.
أما مكران فقد عقد عمر لواء للحكم بن عمير التغلبي وأمره بفتح مكران، فحشد جيشه واتجه إلى هدفه، وأمده سهيل بن عدي وعبد الله بن عبد الله بن عتبان بأنفسهما، وجرت معركة حامية، لم يصمد لها الفرس طويلا حتى انهزموا، وطاردهم المسلمون أياما، ودخلوا مكران فـاتحين.
وأما سجستان فهي إقليم واسع إلى الشمال من مكران، ويقع في الجنوب والجنوب الغربي لأفغانستان ويمتد إلى بعض مناطق إيران الشرقية إلى الجنوب منها. وقد وجه عمر لفتحه عاصم بن عمرو التميمي وانضم إليه عبد الله بن عمير الأشجعي ، وتوجه الجيش بقيادة عاصم فالتقى بقوات سجستانية في أول حدود الإقليم، فهزمها. وتراجع أهل سجستان إلى عاصمة الإقليم (زرنج)، فحاصرهم المسلمون وضيقوا عليهم، حتى نزلوا على الصلح والجزية.
فتح خراسان
خراسان بلاد واسعة تضم مدنا كثيرة، يقع القسم الأكبر منها في أفغانستان شرقا وجنوبا، ومن مدنها: بلخ وهراة، وقسم في إيران غربا ومنها نيسابور، وقسم في روسيا شمالا ومن مدنها مرو. وقد عهد عمر بفتح خراسان إلى الأحنف بن قيس. وقد توغل الأحنف في خراسان ففتح (هراة) عنوة ثم صالح أهلها، وأرسل القوات إلى نيسابور وسرخس، وسار بنفسه إلى (مرو) حيث يقيم (يزدجرد) الذي فر منها إلى (مرو الروذ) ثم منها إلى (بلخ)، وتبعه الأحنف فسقطت بلخ، وفر يزدجرد إلى (سمرقند) لائذاً بخاقان الترك وتتابع أهل خراسان على الصلح، وكتب الأحنف إلى عمر بفتح خراسان.
وجاءت أوامر عمر إلى الأحنف أن لا يتقدم في بلاد الترك، فقد اتسعت الفتوح، ولا يؤمن انتقاض الفرس في البلاد المفتوحة؛ مما يهدد خطوط رجعة المسلمين، وقد توزعت قواتهم في الشام والعراق وفارس ومصر.
وبهذا سقطت الدولة الفارسية نهائيا ، وبسط الإسلام جناحه على تلك الأصقاع، وهيمن المسلمون على أرض شاسعة: يحدها من الغرب نهر الفرات، ومن الشرق نهر جيحون وبلاد السند، ومن الشمال بلاد إرمينية، ومن الجنوب البحر الهندي. وقد تم ذلك في مدة عشر سنين، خاض المسلمون فيها مئات المعارك، ولم تنكسر لهم شوكة ولا سقطت لهم راية إلا في وقعة واحدة هي يوم الجسر.

إرسال تعليق