تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

فتوحات العراق وفارس في عهد عمر بن الخطاب 2


معركة القادسية

قام عمر يحشد الجنود لمعركة فاصلة يكسر بها شوكة الفرس؛ فأرسل إلى عماله في بقاع الجزيرة أن يجمعوا ما عندهم من الرجال والمجاهدين، ويوافوه بعد الموسم بالمدينة، وكان فيما كتبه إليهم: (لا تدعن أحدا له سلاح أو فرس أو نجدة أو رأي إلا انتخبتموه، ثم وجهتموه إلي، والعجل العجل) ولبى الأمراء طلب الخليفة، ومنهم سعد بن أبي وقاص الذي كان عاملاً لأبي بكر على صدقات هوازن، ولما استخلف عمر أقره عليها وكتب إلى عمر: (إني قد انتخبت لك ألف فارس مؤد، كلهم له نجدة ورأي، وصاحب حيطة يحوط حريم قومه، ويمنع ذمارهم، إليهم انتهت أحسابهم ورأيهم، فشأنك بهم) وتقاطر الجند إلى المدينة، وكان الفاروق يوجههم إلى مكان يدعى ماء صرار، تتجمع فيه القوات المسلمة المجاهدة. 
وفي أول يوم من المحرم من سنة ١٤هـ خرج عمر من المدينة ونزل على صرار، وعسكر به عازماً على غزو العراق بنفسه، واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، واستصحب معه عثمان بن عفان وسادات الصحابة. وعقد مجلسا لاستشارة الصحابة فيما عزم عليه، ونودي أن الصلاة جامعة، وقد أرسل إلى علي فقدم من المدينة، واستشارهم، فكلهم وافقوه على الذهاب إلى العراق، إلا عبد الرحمن بن عوف فإنه قال له: (فما فديت أحدا بأبي وأمي بعد النبي صلى الله عليه وسلم قبل يومئذ ولا بعده، فقلت: بأبي وأمي اجعل عجزها بي وأقم وابعث جندا، فقد رأيت قضاء الله لك في جنودك قبل وبعد، فإنه إن يهزم جيشك ليس كهزيمتك، وإنك إن تقتل أو تهزم في أنف الأمر خشيت ألا يكبر المسلمون وألا يشهدوا أن لا إله إلا الله أبدا!). 
وأتى كتاب سعد على حفف مشورتهم، فقال عمر: فأشيروا علي برجل، فقال عبد الرحمن: وجدته، قال: من هو؟ قال: الأسد في براثنه ، سعد بن مالك. 
تحرك سعد بجيشه نحو العراق ووصل زرود فنزلها عن أمر عمر، وكان المثنى معسكرا بجيشه في شراف ينتظر قدوم سعد لينضم إليه، لكن المنية عاجلته فانتقض جرحه الذي كان جرحه يوم الجسر فمات رضي الله عنه، واستخلف على الجيش بشير بن ‏الخصاصية، وكتب وصيته ودفعها إلى أخيه المعنى ليدفعها إلى سعد ويبين فيها نصيحته في أساليب قتال الفرس. 
وبعد أن أقام سعد في زرود ثلاثة أشهر تأتيه أمداد المجاهدين، أمره عمر بالزحف نحو العراق، فغادر زرود ونزل في شراف، وتوالت دفعات المجاهدين تنضم إليه من مختلف القبائل في الجزيرة العربية، من جنوبها ووسطها وشرقها وغربها، وانتهت إليه رياستها وإمرتها، ولم يبق بالعراق أمير من سادات العرب إلا وكان تحت إمرته، حتى اجتمع له يوم القادسية بضعة وثلاثون ألفا. 
وكان في هذا الجيش كله من الصحابة ثلاث مئة وبضعة عشر صحابيا، منهم بضعة وسبعون بدريا، وكان فيه سبعمائة من أبناء الصحابة رضي الله عنهم. 
وجعل سعد نائبه خالد بن عرفطة، وعلى المقدمة زهرة بن الحوية، وعلى الميمنة عبد الله بن المعتم، وعلى الميسرة شرحبيل بن السمط، وعلى الساقة عاصم بن عمرو التميمي، وعلى الطلائع سواد بن مالك التميمي، وعلى الخيل سلمان بن ربيعة الباهلي، وعلى المشاة حمال بن مالك الأسدي، وعلى الركبان عبد الله بن ذي السهمين الخثعمي، وقاضي الجيش عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي ذا النور، وداعية الجيش وواعظهم سلمان الفارسي، والترجمان هلال الهجري، والكاتب زياد بن أبي سفيان. وخرج سعد على تعبية من شراف متوجهاً إلى القادسية.
وصل سعد القادسية فجعل مقر قيادته حصن قديس وهو حصن القادسية، وأخذت سراياه تشن الهجمات فضج أهلها إلى يزدجرد وطلبوا إليه حمايتهم من المسلمين.
ولى كسرى يزدجزد رستم قائداً على الفرس لمجابهة المسلمين في جيش قوامه 120 ألفا، يليهم من الأتباع والخدم 120 ألفاً آخرون، في مقابل 33 ألفاً هم جيش المسلمين. 
وتحرك رستم من المدائن إلى ساباط فعسكر بها، وعبأ جيشه وجعل على المقدمة الجالينوس وعلى الميمنة الهرمزان وعلى الميسرة مهران وعلى الساقة البيرزان. وسار رستم متباطئا إلى القادسية، ويزدجرد يحثه على الإسراع، ورستم يكره لقاء المسلمين، ووصل القادسية في أربعة أشهر، مما يوحي بخوفه وانخلاع قلبه من مواجهة المسلمين، ويريد من وراء ذلك أن يضجر سعدا وجيشه لعلهم يرجعون. 
وكانت الكتب تتوالى بين عمر وسعد، وقد وصف سعد لأمير المؤمنين جيش الفرس وعدده وعدته وقادته.
وأرسل سعد وفداً من وجوه أصحابه بإمرة النعمان بن مقرن، وفي الوفد: المغيرة بن شعبة، وعمرو بن معدي كرب، وعاصم بن عمرو، وغيرهم، أرسلهم إلى كسرى يزدجرد ليبلغوه دعوة الإسلام ويقيموا عليه الحجة. 
ولما تواجة الجيشان بعث رستم إلى سعد يبعث إليه برجل عاقل عالم بما يسأله عنه. فبعث سعد زهرة بن الحوية في اليوم الأول، فدخل على رستم وتكلم بكلام جزل رفيع أوضح فيه حقيقة دعوة الإسلام وما الذي أخرجهم من جزيرة العرب إلى بلاد فارس. وبعث سعد ربعي بن عامر في اليوم الثاني وحذيفة بن محصن في اليوم الثالث ثم المغيرة بن شعبة في اليوم الرابع فكابر رستم وعاند، وأبى الفرس إلا القتال. 
والتقى الجيشان في القادسية يفصل بينهما نهر العتيق، المسلمون جنوبه وخلفهم الخندق، والفرس شماله وخلفهم نهر ‏الخضوض، وكان على نهر العتيق قنطرة قد غلب عليها المسلمون وأصبحت تحت سيطرتهم. ‏وقال رستم: أتعبرون إلينا أم نعبر إليكم؟ فقال سعد: بل اعبروا إلينا. 
تعبأ الجيشان، وتواجه الصفان، ودنت ساعة الزحف والالتحام وبدأت معركة القادسية بأول أيامها، وقد استمرت أربعة أيام وثلاث ‏ليال، وانتهت المعركة بنصر مؤزر للمسلمين، وقتل رستم، ووصل ضرار بن الخطاب إلى راية الفرس (درفش كابيان) فطرحها على الأرض، فلم ترتفع لهم راية بعدها. 
وقد قتل من الفرس مقتلة عظيمة، ويعبر شقيق بن سلمة عن ذلك فيقول: (لقد رأيتني أعبر الخندق مشيا على الرجال، قتل بعضهم بعضا ما بهم سلاح!). بلغ عدد قتلى الفرس أكثر من خمسين ‏ألفاً وقد استشهد من المسلمين ثمانية آلاف وخمسمائة.

فتح المدائن 

جاء كتاب عمر إلى سعد يأمره بالتوجه إلى المدائن عاصمة الدولة الفارسية، فخرج بالجيش، وكانوا كلهم من الفرسان لكثرة ما غنموا في القادسية، فكان لكل مجاهد فرس. والمدائن تتكون من سبع مدن، بعضها يقع على الشاطئ الغربي لنهر دجلة وبعضها الآخر على الشاطئ الشرقي منه، وأهم هذه المدن: (طيسفون) و(أسبانبر) وهذه فيها مقر كسرى وإيوانه وقصره والحدائق المدائن من أعاجيب الدنيا، آسرة جذابة بارعة الجمال، وفيها القصر الملكي الذي يسمى القصر الأبيض. 
نازل سعد بجيشه (بهرسير) وهي واحدة من المدائن السبع واستخدم الأسلحة الثقيلة فرمى المدينة بالمنجنيقات، وكذلك استخدم الدبابات ، وشدد الحصار على أهلها حتى سيطر عليها. 
وتراءى للمسلمين منها القصر الأبيض فكبروا واستبشروا حيث تذكروا البشارة النبوية في غزوة الخندق بأن الله سيفتحه عليهم. 
وعبر المسلمون نهر دجلة وساقوا وراء الأعاجم حتى دخلوا المدائن فلم يجدوا فيها أحدا، فقد أعجلت المفاجأة أكثر الفرس عن أن يحملوا أموالهم، فخرجوا بما قدروا عليه من حر متاعهم وخفيفه وما قدروا عليه من بيت المال، وبالنساء والذراري. وتركوا ما عجزوا عنه من الأنعام والثياب والمتاع والآنية والأدهان والألطاف ما لا يدرى قيمته. وكان في خزانة كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار.
ودخل سعد القصر الأبيض واتخذ من إيوان كسرى مصلى، وصلى فيه ثماني ركعات صلاة الفتح، وصلى صلاة الجمعة بالإيوان، فكانت أول جمعة بالعراق جمعت جماعة بالمدائن. وشرع في تحصيل الأموال والكنوز والتحف، وكان في جملة ذلك تاج كسرى وهو مكلل بالجواهر النفيسة التي تحير الأبصار، و(منطقته) كذلك، و(سيفه وسواره وقباؤه) و(بساط إيوانه) والإيوان مربع ستون ذراعا في مثلها من كل جانب. وأرسل سعد بخمس الغنائم ولباس كسرى والبساط إلى عمر والمسلمين بالمدينة لينظروا إليه ويتعجبوا منه. فلما نظر عمر إلى ذلك قال: إن قوما أدوا هذا لأمناء! فقال له علي بن أبي طالب: إنك عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعت.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب