نسبه ونشأته
هو صهيب بن سنان بن مالك ويقال: خالد بن عبد عمرو بن عقيل، ويقال: طفيل بن عامر بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس بن زيد مناة بن النمر بن قاسط النمري وأمه من بني مالك بن عمرو بن تميم، كان والده حاكم الأبلة ووليًّا عليهـا لكسرى، وهو من العرب الذين يعيشون بالعراق، وكان له قصـر كبير على شاطئ الفرات، فعاش صهيب طفولته هناك، إلى أن سبي بهجوم رومي، وقضى شبابه في بلاد الروم، وأخذ لسانهم ولهجتهم، ثم باعه تجار الرقيق لعبد الله بن جدعان في مكة فأعجب بذكائه ونشاطه وإخلاصه ونتيجة لذلك أعتقه وحرره وأخذ يتاجر معه حتى أصبح لديه المال الكثير.
إسلامه وهجرته
يقول عمار بن ياسر: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله فيها, فقلت له: ماذا تريد؟ فأجابني: ماذا تريد أنت؟ قلت له: أريد أن أدخل على محمد، فأسمع ما يقول. قال: وأنا أريد ذلك، فدخلنا على رسول الله فعرض علينا الإسلام، فأسلمنا ثم مكثنا على ذلك حتى أمسينا، ثم خرجنا، ونحن مستخفيان فكان إسلامهما بعد بضعة وثلاثين رجلاً.
ولانه كان من الموالي فقد كان المشركين يعذبونه وقد ألبسه الكفار أدراع الحديد وصهروه في الشمس حتى بلغ الجهد منه كل مبلغ حتي أذن النبي صلي الله عليه وسلم لصحابته بالهجرة إلي المدينة وكان صهيب رضي الله عنه من ضمنهم وقد ترك لهم صهيب كل ما يملك من مال وترك ثروته الضخمة في سبيل الله وابتغاء مرضاته.
عَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: "أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ سَبِخَةً بَيْنَ ظَهْرَانَيْ حَرَّةٍ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ هَجَرًا أَوْ تَكُونَ يَثْرِبَ". قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَخَرَجَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَكُنْتُ قَدْ هَمَمْتُ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ فَصَدَّنِي فِتْيَانٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَعَلْتُ لَيْلَتِي تِلْكَ أَقُومُ لاَ أَقْعُدُ، فَقَالُوا: قَدْ شَغَلَهُ اللهُ عَنْكُمْ بِبَطْنِهِ. وَلَمْ أَكُنْ شَاكِيًا، فَنَامُوا فَخَرَجْتُ، فَلَحِقَنِي مِنْهُمْ نَاسٌ بَعْدَمَا سِرْتُ بَرِيدًا لِيَرُدُّونِي، فَقُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ أَنْ أُعْطِيَكُمْ أَوَاقِيَ مِنْ ذَهَبٍ وَتُخَلُّونَ سَبِيلِي وَتَفُونَ لِي؟ فَفَعَلُوا، فَسُقْتُهُمْ إِلَى مَكَّةَ، فَقُلْتُ: احْفِرُوا تَحْتَ أُسْكُفَّةِ الْبَابِ فَإِنَّ تَحْتَهَا الأَوَاقِيَ، وَاذْهَبُوا إِلَى فُلاَنَةَ فَخُذُوا الْحُلَّتَيْنِ. وَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قُبَاءَ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْهَا، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: "يَا أَبَا يَحْيَى؛ رَبِحَ الْبَيْعُ". ثَلاَثًا، فَقُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللهِ مَا سَبَقَنِي إِلَيْكَ أَحَدٌ، وَمَا أَخْبَرَكَ إِلاَّ جِبْرِيلُ عليه السلام".
وفاته رضي الله عنه
وبعد الهجرة، شهد صهيب مع النبي صلي الله عليه وسلم غزواته كلها وبعد وفاة النبي صلي الله عليه وسلم، أقام صهيب بالمدينة المنورة، وقد اختاره عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمّا طُعن ليُصلّي بالمسلمين إلى أن يتفق أهل الشورى على خليفة جديد ولما قُتل عثمان بن عفان، اختار صهيب رضي الله عنه أن يعتزل الفتنة التي وقعت بين المسلمين، حتي مات في شوال سنة ثمان وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة، وكانت وفاته في المدينة المنورة.
سخاؤه وكرمه
كان صهيبًا جوادًا كريم العطاء, ينفق كل عطائه من بيت المال في سبيل الله, حتى أثار سخاؤه المفرط انتباه عمر بن الخطاب فقال: "أراك تطعم كثيرًا حتى أنك تسرف", فأجابه صهيب: لقد سمعت رسول الله يقول: "خياركم من أطعم الطعام ورد السلام", فذلك الذي يحملني على أن أطعم الطعام.
وقد قال رضي الله عنه: "لم يشهد رسول الله مشهدًا قط، إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضره، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضره، ولا غزا غزاة قط، أول الزمان وآخره، إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خاف المسلمون أمامهم قط، إلا كنت أمامهم، ولا خافوا وراءهم، إلا كنت وراءهم، وما جعلت رسول الله بيني وبين العدو أبدًا حتى لقي ربه".
وقد رآه الرسول يأكل رطب، وكان بإحدى عينيه رمد، فقال له الرسول ضاحكًا: "أتأكل الرطب وفي عينيك رمد", فأجاب قائلاً: "وأي بأس؟ إني آكله بعيني الأخرى!!".
وعن أسلم مولي عمر بن الخطاب قال: خرجت مع عمر حتى دخلت على صهيب بالعالية فلما رآه صهيب قال: يا ناس يا ناس. فقال عمر: ما له يدعو الناس؟ قلت: إنما يدعو غلامه يحنس، فقال له: يا صهيب ما فيك شيء أعيبه إلا ثلاث خصال؛ أراك تنتسب عربيًّا ولسانك أعجمي، وتكنى باسم نبي وتبذر مالك. قال: أما تبذيري مالي, فما أنفقه إلا في الحق، وأما كنيتي فكنانيها النبي، وأما انتمائي إلى العرب فإن الروم سبتني صغيرًا، فأخذت لسانهم.

إرسال تعليق