تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

وفود المسلمين إلى رستم قائد الفرس

 

الرؤيا التي أفزعت رستم

وصل رستم بجيشه إلى غرب نهر العتيق أي أنه وصل إلى القادسية، ولا يفصل بينه وبين جيش المسلمين سوي قنطرة صغيرة علي النهر وهذه القنطرة يسيطر عليها جيش المسلمين.
وذات ليلة رأي رستم رؤيا حقّ، وهي أنه نزل عليه ملك من السماء، ثم دخل المعسكر، وأخذ أسلحة الجيش، وختم عليها ختم، وأعطاه لرجل؛ فقال رستم: من هذا الرجل؟ فقيل له: هو محمد. وأخذ هذا الرجل السلاح وأعطاه لرجل آخر؛ فقال رستم: من هذا الرجل؟ فقيل له: عمر بن الخطاب. فأخذ هذا الرجل السلاح فأعطاه لرجل ثالث؛ فقال: من هذا الرجل؟ فقيل له: سعد بن أبي وقاص.
استيقظ رستم من النوم فزعًا، وكان رستم من الذين يؤمنون بالتنجيم وتأويل الأحلام وما إلى ذلك؛ لذا فقد تشاءم عندما رأى هذه الرؤيا، ونادى على من في الجيش من مفسري الأحلام، ومن المنجمين، وحكى لهم الرؤيا؛ فاضطربوا وتذبذبوا وقالوا له: اكتم هذا الحلم ولا تحدث به أحدًا.
وهذه مجرد رؤيا رآها رستم؛ ولكن لأنه كان يؤمن بالتنجيم وقع الرعب في قلبه، وقلوب خاصته ورؤساء قومه، وبدأ الفرس بأجمعهم يشعرون بالقلق، وفي اليوم التالي خرج رستم يستعرض جيش المسلمين، وهو راكب فرسه، ثم وقف على القنطرة وطلب أن يتحدث مع رجل من المسلمين.

وفود المسلمين إلى رستم

1- زهرة بن الحوية

تقدم له زهرة بن الحُوِيَّة، بنفسه كي يتحدث معه.
قال رستم: أنتم جيراننا، وكنتم تأتوننا وتطلبون منا الطعام، وكنا نعطيكم ولا نمنعكم، وكنا نحسن جواركم، وكنا نُظِلُّكم بظلِّنا، ونطعمكم من طعامنا، ونسقيكم من شرابنا، وكنتم تأتوننا ولا نمنعكم من التجارة في أرضنا، ثم جئتم الآن تحاربوننا، فقال زهرة: صدقت في قولك عمَّن كانوا قبلنا؛ كانوا يطلبون الدنيا ولكن نحن نطلب الآخرة، كنا كما تقول حتى بعث الله إلينا رسولاً، وأنزل عليه كتابًا، فدخلنا معه في دينه، وقال له الله: إني مسلِّطٌ هذه الفئة على من خالفني، ولم يَدِنْ بديني، فإني مُنتقِمٌ منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مُقرِّين بي.
فقال له رستم: وما هذا الدين؟ فقال زهرة بن الحُوِيَّة: هذا الدين عموده أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن تُقرَّ بكل ما جاء من عند الله، وتُبعد عن حكمك كل ما خالف أمر الله.
فقال رستم: ما أحسن هذا، وأي شيء آخر؟ فقال زهرة: وجئنا أيضًا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. قال: وهذا حسن أيضًا، أي شيء آخر؟ فقال: والناس كلهم أبناء آدم وحواء إخوة، لا يتفاضلون إلا بالتقوى. فقال: هذا شيء عظيم!! ثم قال له رستم: أرأيت لو أني رضيت بهذا الأمر، ودخلت معك وقومي في دينك أترجع عنا؟ قال: نعم واللهِ، نخلِّف فيكم كتاب الله، ونترككم ولا نعود إليكم إلا في حاجة أو تجارة. فقال رستم: صدقتني. ثم انصرف رستم وانصرف زهرة.
من خلال هذا الحديث كان رستم يريد معرفة سبب مجئ المسلمين إلى بلادهم وأراد أيضاً أن يعرف من المسلمين الكثير عن دينهم وطريقة تفكيرهم حتى يعرف كيف يقاتلهم. عاد رستم إلى قومه، وجمعهم وجمع مجلس الحرب، وأخذ يناقشهم، ويقول لهم: ما رأيكم في هذا؟! وهل رأيتم أحسن من هذا؟! فأَنِفَ القوم من هذا الحديث، ولم يقبلوا فكرة الدخول في الدين الإسلامي، فقال لهم: أما رأيتم من حُلو حديثهم، ودقة كلامهم، وثباتهم وعدم خوفهم من الموت؟ وأخذ يعدّد حسنات المسلمين.
فغضب القوم منه، وتجادلوا معه جدالاً عنيفًا، حتى أغضبهم وأغضبوه؛ فأصرَّ رستم على عرض فكرة المصالحة، فقال له القوم: إنك بدأت تجبن عن لقاء القوم، فأخذت الكلمة مأخذها في صدر رستم، إذ كيف برستم أشجع قواد فارس يُتَّهم بالجبن؟ ثم قال لهم: أخذ الله أجبَنَنا، إنما تلقون بفارس إلى التهلكة، وأنا لست أجبنَكم، ولكني أحكمكم وأعقلكم.

2- ربعي بن عامر

في اليوم التالي أرسل رستم عبر القنطرة يطلب من المسلمين وفدًا للحديث معه، فأخبر زهرة بن الحُوِيَّة سعد بن أبي وقاص بذلك، فجمع سعد بن أبي وقاص مجلس حربه، وقال لهم: إنني سأرسل له وفدًا عظيمًا من أصحاب الرأي، كما أرسلت من قبل ليزدجرد؛ ليقيم عليه الحُجَّة، ويدعوه إلى الإسلام. فقال ربعي بن عامر: إن هؤلاء القوم قوم تباهٍ، وإننا لو فعلنا ذلك يرون أننا قد اعتددنا بهم ولكني أرى أن ترسل لهم واحدًا فقط؛ فيشعروا أننا غيرُ مهتمين بهم؛ فيوهن ذلك في قلوبهم، فتجادل معه القوم، ولكنه ظل يجادلهم حتى قال سعد: ومن نرسل؟ فقال ربعي: سَرِّحوني، أذهب إليه أكلمه.
وافق سعد وذهب ربعي بن عامر ليقابل رستم، وانطلق ربعي على فرسه الصغير ذي الذيل القصير، ويلبس ثيابًا بسيطة جدًَّا، وذهب به لمقابلة رستم، وربط سيفه في وسطه بشيء غنمه من الفُرْسِ، وفي هذا إذلال لهم، ويحمل فوق ظهره السهام، وفي مِنطَقته السيف، وله جحفة من جريد النخل مثل التُّرس يتقي بها السهام، وكانت دروع الفُرس من الحديد القوي، وكان يلبس من الدروع درعًا حديدية تغطي نصفه الأعلى، وكان من أطول العرب شعرًا وقد ضفَّره في أربع ضفائر، فكانت كقرون الوعل، ودخل عليهم بهذا المنظر غير المعتاد بالنسبة لهم؛ فدخل بفرسه ووقف على باب خيمة رستم، فطلب منه القوم أن ينزع سلاحه، فقال: لا، أنتم دعوتموني، فإن أردتم أن آتيكم كما أُحِبُّ، وإلا رَجعتُ.
فأخبروا رستم بذلك، فقال: ائذنوا له بالدخول. فدخل بفرسه على البُسُطِ الممتدة أمامه، وهي طويلة جدًّا، وعندما دخل بفرسه وجد الوسائد المُوَشَّاة بالذهب؛ فقطع إحداها، ومرر لجام فرسه فيها وربطه به، ثم أخذ رمحه، واتجه صوب رستم وهو يتكئ عليه، والرمح يدب في البسط فيقطعها، ولم يترك بساطًا في طريقه إلا قطعه، ووقف أهل فارس في صمت، وكذلك رستم، وبينما هم يفكرون في جلوسه جلس على الأرض، ووضع رمحه أمامه يتكئ عليه، وبدأ رستم بالكلام؛ فقال له: ما دعاك لهذا؟ فقال له: إنا لا نستحب أن نجلس على زينتكم. فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال له: لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فمن قَبِلَ ذلك منا قبلنا منه، وإن لم يقبل قبلنا منه الجزية، وإن رفض قاتلناه حتى نظفر بالنصر.
فقال له رستم: قد تموتون قبل ذلك. فقال: وعدنا الله أن الجنة لمن مات منا على ذلك، وأن الظفر لمن بقي منا. فقال له رستم: قد سمعت مقالتك، فهل لك أن تؤجلنا حتى نأخذ الرأي مع قادتنا وأهلنا؟.
فقال له: نعم، أعطيك كم تحب: يومًا أو يومين؟. فقال له رستم: لا، ولكن أعطني أكثر؛ إنني أخاطب قومي في المدائن.
فقال: إن رسول الله قد سنَّ لنا أن لا نمكن آذاننا من الأعداء، وألا نؤخرهم عند اللقاء أكثر من ثلاث، فإني أعطيك ثلاثة أيام بعدها؛ اختر الإسلام ونرجع عنك أو الجزية، وإن كنت لنصرنا محتاجًا نصرناك، وإن كنت عن نصرنا غنيًّا رجعنا عنك، أو المنابذة في اليوم الرابع، وأنا كفيل لك عن قومي أن لا نبدأك بالقتال إلا في اليوم الرابع، إلا إذا بدأتنا.
فقال له رستم: أسيِّدُهم أنت؟، فقال له: لا، بل أنا رجل من الجيش، ولكنَّ أدنانا يجير على أعلانا، ثم تركه وانصرف.
عاد رستم يُكلِّم حاشيته مرة أخرى، وقال لهم: أرأيتم من مَنطِقِه؟، أرأيتم من قوته؟ أرأيتم من ثقته؟، ولكنهم رفضوا ولجُّوا، وقالوا له: إنك تجبن.

3- حذيفة بن محصن

في اليوم التالي بعث رستم برسالة إلى زهرة بن الحُوِيَّة يقول له: أرْسِلْ إلينا الرجل الذي كان عندنا، فأرسل زهرة بذلك إلى سعد بن أبي وقاص، فقال له سعد: بل أرسل له اليوم آخر، فأرسل له حذيفة بن محصن.
فدخل حذيفة عليه وهو راكب فرسه، فقالوا له: انزل من على فرسك. فقال: لا، والله لا أنزل؛ أنتم دعوتموني، فإن أردتم أن آتيكم كما أُحِبُّ، وإلا رجعت.
ودخل حذيفة بجواده يمشي به على البُسط، وظل راكبًا حتى وصل إلى رستم، فقال له: انزل. فقال: لا أنزل؛ أنتم دعوتموني، فإن أردتم أن آتيكم كما أُحِبُّ، وإلا رجعت. فقبل رستم أن يحدثه فوق حصانه، وهو يمشي على سريره المذهب!! وبدأ يخاطبه، فقال له: ما بالك جئت ولم يجئ صاحبك؟ يقصد ربعي بن عامر، فقال له: إن أميرنا يعدل بيننا في الرخاء والشدة، وهذه نوبتي.
فقال له: ما جاء بكم؟ فقال حذيفة: إن الله مَنَّ علينا بدينه، وأرانا آياته فعرفناه، وكنَّا له منكرين، ثم أمرنا بدعاء الناس إلى ثلاث فأيُّها أجابوا قبلناه: الإسلام وننصرف عنكم، أو الجزاء ونمنعكم إن أردتم ذلك، أو المنابذة.
فقال له رستم: أو الموادعة إلى يوم ما؟ أي من الممكن أن تعطينا فرصة؛ فقال له: نَعَمْ، ثلاثة أيام. فقال: إذن تقاتلونا في اليوم الرابع. فقال: ثلاثة أيام من أمسِ؛ وعلى ذلك فقتالكم في اليوم الثالث.
اضْطَرب رستم اضطرابًا شديدًا، ونظر إلى قومه، فعلم القوم ما يدور في ذهنه، فأراد رؤساء القوم أن يخففوا من هول الموقف عليه، وأن يُثبتوا له أن هؤلاء القوم ليس لهم قوة أو خبرة بالحروب؛ فقالوا لحذيفة بن محصن: ما هذا الذي تحمله؟! فأخرج سيفه كأنه شعلة من نار؛ فصرخ رستم في وجهه: أَغْمِدْه. فأغمده بعد أن رأى الرعب في أعينهم، ثم أقاموا له درعًا من دروعهم، فأطلق فيه سهمًا فخرقه، ثم أقام لهم جحفته وكانت من جريد النخل، فأطلقوا عليها سهامهم، فسلمت؛ فقال لهم: يا قوم فارس، إنكم عظَّمتم الطعام والشراب وعظمتم اللهو، ولم نعظمهم؛ فعَظَّمَنا الله وصغَّرَكُم.
ثم رجع حذيفة بن محصن إلى المسلمين، وعاد رستم يجادل قومه مرة أخرى.

4- المغيرة بن شعبة

في اليوم الرابع طلب رستم رجلاً آخر يتحدث معه، فأرسل له سعد بن أبي وقاص المغيرة بن شعبة، وهو يعرف الفارسية، ولكنه لم يخبرهم بذلك، وجعل المترجم بينهم حتى يسمع ما يقولون.
دخل عليه المغيرة بن شعبة وهذا المرة ترك حصانه بالخارج؛ ففرحوا وظنوا أنه لم يكن مثل من سبقوه فأحدهم دخل بفرسه والآخر قام بخرق البسط، وظل المغيرة يمشي حتى وصل إليه، فجلس بجانبه على السرير المُذهَّب، فصرخوا في وجهه إذ الفُرْسُ جميعهم يقفون بعيدًا جدًّا عن رستم، فقامت الحاشية بسرعة لكي تجذبه من مكانه، فقال لهم: أنتم دعوتموني، فإن أردتم أن آتيكم كما أحب، وإلا رجعت. فقال لهم رستم: صدق وتركه، فقال لهم المغيرة بن شعبة: واللهِ جلوسي جنب أميركم لم يزدني شرف، ولم ينقصه شيء، والله يا أهل فارس إنَّا كانت تبلغنا عنكم الأحلام (أي: نسمع عنكم أنكم عقلاء)، ولكني أراكم أسفهَ قوم، وكان أجدرَ بكم أن تقولوا لنا إنما يعبد بعضكم بعضًا، ولكننا نتواسى ولا تتواسَوْا، واللهِ الآن أدركتُ أن أمركم مضمحلٌّ، وأن أمر الغَلَبَة والملك لا يقوم على مثل ما أنتم عليه.
فسمع الحاشية من خلفه وهي تقول: واللهِ صَدَقَ العربي، ثم أخذ الرؤساء يحدث بعضهم بعضًا يقولون: ما أحمقَ أَوَّلِينا عندما كانوا يُصَغِّرُون أمر هذه الأمة.
فأراد رستم أن يخفف من تأثير أفعال الحاشية مع المغيرة حتى لا يغضب؛ فقال له: يا عربي، إن الحاشية قد تفعل شيئًا لا يرضى عنه الملك، ولكنه يتجاوز حتى لا يكسر حاشيته.
ثم قال له: يا هذا، ما هذه المغازل التي تحملها؟ يقصد سهامه القصيرة وكانت سهام الفرس طويلة جدًّا، فقال له المغيرة بن شعبة: ما ضَرَّ الجمرةَ أن لا تكون طويلة؛ ورماهم كما رماهم من قبلُ حُذَيفة، فأحضروا له درعًا من دروعهم، فرماه بسهم من سهامه التي يقولون عنها مغازل، فاخترقه، ولم تخترق سهامهم جحفته؛ فهَزَّ ذلك رستم، ثم حاول أن يتماسك، فقال له: ما بالي أرى سيفك رَثًّا؟ أي مظهره قديم وضعيف؛ فقال له: رَثُّ الكسوة، ولكنه حديد الضربة.
ثم قال له: تتكلم أو أتكلم؟ فقال له: أنت دعوتني فتكلَّمْ. فتكلم رستم قائلاً: لم نزلْ متمكنين في الأرض، وظاهرين على الأعداء؛ نُنصر ولا يُنصر علينا إلا اليوم واليومين، والشهر والشهرين؛ لِلذُّنوب، فإذا رضي الله عنا رَدَّ لنا بأسنا وجَاهَنَا، ومَلَّكنا على من ناوأنا، أما أنتم فأهل قَشْفٍ، ومعيشةِ سوءٍ وجَهدٍ وشقاء، لا نراكم شيئًا، ولا نَعُدُّكم، وكانت إذا قحطت أرضكم أتيتمونا، فحملناكم وِقْرًا من تمر أو قمح، فرَضِيتم ورجعتم.
ثم أكمل رستم فقال: وإنما مَثَلُكم كرجل له حائط، فدخل فيه ثعلب من خرم أو ثقب في سور الحائط؛ فأخذ يأكل من الكَرْمِ في الحديقة، فنظر الرجل إلى الثعلب، فقال: وما ثعلب؟ فأكل، ثم بدأ يعيث في الحديقة فسادًا: يأكل من هذا، ويفسد في هذا؛ فغضب الرجل وطلب منه أن يخرج، فأَبَى الثعلب، فنادى الرجل على غلمانه، فتتبعوه، فعندما أدرك الثعلب أنهم طالبوه وغير تاركيه؛ رجع إلى الثقب فدخل فيه حتى يخرج، ولكنه كان قد سمُن فانحشر في الثقب، فأتاه الغلمان على هذه الحالة، فظلوا يضربونه حتى قتلوه، فانظروا كيف تخرجون؟ وإني لأرى أن ما جاء بكم إلا الجَهْد، فعودوا أدراجكم ونحن نُوقِرُ لكم ركائبكم قمحًا وتمرًا، وأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم، وكل رجل منكم له وِقْر من تمر وقمح وثوبين، وتعودون إلى أرضكم؛ فإني لا أشتهي قتلكم، فارجعوا عافاكم الله.
فقال المغيرة: الحمد والشكر لله رب العالمين، إن الله خالق كل شيء، ورازق كل شيء، وصانع كل شيء؛ فأما ما ذكرت به نفسك وأهل بلادك من الغلبة، ومن الظهور على الأعداء، ومن التمكُّن في البلاد فنحن نعرف ذلك ولا ننكره، ولكننا نعلم أن الله قد صنعه بكم، وأما الذي ذكرت من سوء حالنا، ومن قلة زادنا، ومن ضيق عيشنا، ومن اختلاف قلوبنا، فنحن نعرفه أيضًا ولا ننكره، كنا في مثله أو أشد منه: كان أفضلنا من يقتل ابن عمه، ويأكل ماله، وكنا نأكل الميتة والدَّم والعظام، وغير ذلك من سوء العيش، ولكن الدنيا دُوَل، وما زال أهل شدائدها ينتظرون الرخاء حتى يصيروا إليه، وما زال أهل الرخاء ينتظرون الشدائد حتى تنزل بهم، ولو كنتم فيما آتاكم الله ذوي شكر لقصر عنه شكركم، ولكن أسلمكم ضعفُ الشكر إلى تغير الحال، ثم قال له: إن الله تعالى بعث فينا رسولاً، وأنزل فينا كتابه؛ فدعانا إلى الله وإلى ما بعثه به، فصدقه منا مُصدِّق، وكذَّب به آخر، فقاتل من صدَّقه من كذَّبه، حتى كانت لهم الغلبة واجتمعت العرب كلهم معه، وكانوا من اختلاف الرأي مما لا يطيق الخلائق تأليفهم، فعرفنا أنه الحق ثم أمرنا أن ننابذ من خالفه ممن يلينا؛ فنحن ندعوكم إلى واحدة من ثلاث: إما الإسلام ونرجع عنك ونتركك، ونخلف فيك كتاب الله، وإما الجزية عن يدٍ وأنت صاغر، وإن أبيت فالسيف.
فقال له رستم: وما صاغر؟ فقال له: أن يقوم أحدكم على رأس أميرنا فيطلب منه أن يأخذ الجزية، فيحمده إن قبلها، فكن يا رستم عبدًا لنا تعطينا الجزية؛ نكف عنك ونمنعك.
وعندما قال له: كن عبدًا لنا؛ قام رستم واستشاط غضبًا، واحمرَّت عيناه وبدأ يزبد فقال له: واللهِ ماكنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا الكلام منكم، ثم حلف بالشمس أن لا يرتفع الصباح حتى يدفنهم في القادسية، ثم قال له: ارجع إلى قومك، لا شيء لكم عندي، وغدًا أدفنكم في القادسية.
رجع المغيرة وأثناء مروره على القنطرة أرسل رستم رجلاً يناديه، فناداه، فنظر إليه، فقال له: مُنَجِّمُنا يقول: إنك تُفقَأ عينُك غدًا. وذلك ليخوفه، فتبسَّم المغيرة بن شعبة وقال: واللهِ لولا أني أحتاج الأخرى لقتال أشباهكم؛ لتمنيت أن تذهب الأخرى في سبيل الله.

قبل المعركة

أرسل رستم إلى المسلمين؛ يقول لهم: تعبرون إلينا أم نعبر إليكم؟ فقال له سعد بن أبي وقاص: اعبروا إلينا. فقال رستم: خَلُّوا بيننا وبين القنطرة، فقال له سعد: والله لن نعطيكم شيئًا غلبناكم عليه. فهذه القنطرة قد استولينا عليها منكم، ولن نعطيها لكم أبدًا، فانظروا طريقة أخرى تعبرون بها، فذهب جيش رستم إلى منطقة ضحلة من نهر العتيق، وظلوا يردمونها بالتراب والبوص والزروع طيلة الليل وسَاوَوْا عليها؛ ليتمكنوا من العبور عليها.
ثم بدأ الجيش الفارسي يعبر القنطرة، وكانت أرض القادسية ضيقة؛ فلا يستطيع رستم أن يرتب جيوشه في مقدمة ومؤخرة وميمنة وميسرة، ففقد بذلك عامل كثرة الجنود؛ وأصبح الجنود رغم كثرتهم صفًّا واحدًا: صفًّا وخلفه صف آخر وهكذا
وجعل على ميمنته الهرمزان، وكان عدد جيشه ثمانية وعشرين ألفًا، ومعه سبعةُ أفيال؛ أما الجالينوس قائد المقدمة فقد أصبح على يساره مباشرة، ومعه أربعةٌ وعشرون ألفًا وستة أفيال، وبِهْمَن في عشرين ألفًا وخمسة أفيال، والبيرزان قائد المؤخرة فقد أصبح على يمين الميسرة ومعه أربعة وعشرون ألفًا وستة أفيال، ومهران قائد الميسرة على أربعة وعشرين ألفًا وستة أفيال، وقِوَامُ هذا الجيش 120 ألفًا، وقوات الاحتياط التي لا تشترك في المعركة 120 ألفًا آخرون على الناحية الأخرى من نهر العتيق، وقد نصبوا لرستم شيئًا سَمَّوه طيارة تشبه الخيمة ولكن ليس لها جدران، مجرد سقف كبير جدًّا، ونصبوها عند أقرب الأماكن للردم؛ وذلك لكي يتمكن من الهرب إلى المدائن إذا حدثت هزيمة، ونصبت على يمينها راية الفرس العظمي واسمها الدِّرَفْش كَبْيَان، ويحمي خيمة ثلاثة من أفيال الملوك ومهمتها حراسة خيمة الملك فقط.
وقد فعل المسلمون مثل الفرس؛ لأن المنطقة ضيقة، فوضع على رأس الميمنة عبد الله بن المعتم، وعلى الميسرة شُرَحْبِيل بن السِّمْط، ودخلت المقدمة بقيادة زهرةبن الحوية وسواد في الوسط، ودخلت المؤخرة بقيادة عاصم بن عمرو التميمي في الوسط أيضًا بجوار الميمنة، ووقفت فرقة من المسلمين فيها نحو أربعة آلاف جندي على رأسهم مذعور بن عدي؛ لكي تحمي ظهر المسلمين من أي هجوم يأتيهم من خلفهم. 
وفي حصن قُدَيْس الذي يقع على خندق سابور كان يتواجد به سعد بن أبي وقاص؛ وقد قسم الجيش إلى قبائل وهي نحو ثماني عشرة قبيلة، من ضمنهم قيس عيلان وبكر بن وائل وتميم وأسد وبجيلة وكندة.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب