تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

وفد المسلمين إلى كسري

 

وفد المسلمين إلى كسري

بدأ سعد في اختيار أعضاء الوفد الذي يقابل "يزدجرد الثالث" كسرى فارس، واختار من الجيش 14 رجلاً؛ يقول الرواة: إن الأربعة عشر رجلاً كانوا جميعًا أصحاب هيئة وجسامة، وكانوا جميعًا يزيدون في طولهم على المترين، وعلى رأسهم النعمان بن مُقَرِّن ومعه بُسر بن أبي رُهم، ومن الوفد أيضاً حنظلة بن الربيع وكان من خطباء الجاهلية والإسلام، وسُمِّيَ حنظلة الكاتب، وفرات بن حيان وكان أكثر العرب خبرة بالطرق، ومع الوفد أيضًا المغيرة بن زرارة وهو من الصحابة، وسهيل بن عدي، وحَمَلة بن جُويَّة.
ومن ضمن الوفد أيضاً عاصم بن عمرو التميمي، والمُعَنَّى بن حارثة، وعطارد بن حاجب وهذا الرجل هو الوحيد الذي دخل قبل ذلك إيوان كسرى، وعمرو بن معد يكرب وكان من أشهر فرسان العرب، ومن الوفد أيضًا المغيرة بن شعبة، والأشعث بن قيس، والحارث بن حسان، واختير لهم أفضل أربعة عشر من الخيول، ولبسوا أفضل اللباس، وخرجوا جميعًا لمقابلة يزدجرد ودعوته إلى الإسلام، وعلم الفرس بقدومهم، فخرج الشعب الفارسي ليشاهد هؤلاء العرب الذي كانوا يعتقدون أنهم أعراب أجلاف ليس لهم في الحرب شيء.

وصول المسلمين لمقابلة كسري

تقول إحدى النساء اللائي أسلمن بعد ذلك: فوقفنا ننظر إليهم، والله ما رأينا أربعة عشر مثلهم قَطُّ يعادَلون بألف، وإن خيولهم لتنفث غضبًا وتضرب في الأرض، ووقعت في قلوبنا المهابة وتشاءمنا. وأرسل يزدجرد إلى أهل الرأي يستشيرهم في مقابلة الرسل المسلمين أم لا، فأشاروا عليه أن يقابلهم، فأمر يزدجرد بدخول الوفد عليه والحديث معه.
علم يزدجرد أن الوفد واقف على باب إيوان كسرى، وإيوان كسرى هذا عبارة عن مساحة ضخمة جدًّا من الأرض حولها سور عالٍ، وهذا السور لا يستطيع أحد خارجه أن يرى ما بداخل القصر؛ فالسور عالٍ وبداخله قصر، وحول القصر حديقة هائلة، فدخل الوفد بخيولهم حتى وصلوا إلى باب القصر المتواجد فيه كسرى، فنزلوا عن خيولهم، وتَرَجَّلوا حتى وصلوا إلى باب الغرفة الكبيرة المتواجد فيها كرسي العرش ليزدجرد كسرى فارس، ودخل الأربعة عشر فارسًا من المسلمين على كسرى فارس.
وهذه الحجرة عبارة عن حجرة فسيحة جدًّا، على أرضيتها سجادة هي أكبر سجادة في التاريخ، فمساحتها ضخمة جدًّا تُقدَّرُ بأكثر من ستين مترًا عرضًا، وأكثر من ثمانين مترًا طولاً، والسجادة مصنوعة من نوعيات فخمة جدًّا من النسيج ومرصعة بالجواهر، وهذه السجادة غنمها المسلمون بعد موقعة المدائن.
ثم رأوا بعد ذلك كرسي العرش الذي يجلس عليه يزدجرد وهو ضخم جدًّا عرضه أربعة أمتار، والتاج الذي على رأسه ضخم جدًّا يصل إلى أكثر من مترين، ووزنه تسعون كيلو جرامًا، وقد كان أهل فارس يعلقون هذا التاج في سلاسل ضخمة تصل إلى السقف، وحولها ستائر كبيرة تحجبها فلا تُرَى، ثم يأتي كسرى فيجلس تحت هذا التاج، فيظهر كأنه لابس هذا التاج، وقد غنمه المسلمون أيضاً.

حوار المسلمين مع كسرى

دخل الوفد المسلم ورأى هذا المنظر، وحول يزدجرد الحاشية، وأقرب شخص له على بعد ثلاثة أمتار، وحوله الوسائد الموشاة بالذهب، وكل الحاشية واقفة في هذا المجلس في خضوع تام؛ وذلك لإيقاع الرهبة في قلوب المسلمين فيُجبُنوا، ولكن المسلمين دخلوا حتى وصلوا إلى مسافة من يزدجرد، فطلب من ترجمان له أن يسألهم عن هذا اللباس الذي يلبسونه فسألهم؟ فقال أحد المسلمين: هذا نسميه رداءً. وكانت هذه الكلمة تشبه في نطقها كلمة هلاك بالفارسية؛ فلذلك عندما نطقوا بها غضب يزدجرد على الفور وبدأ يزمجر، ففهم المغيرة بن شعبة وكان يعرف الفارسية، فقال لهم: إنه يقول لهم: يا للشؤم! أول كلمة قالوها: هلاك. فقال: هلاكٌ للفُرس. ثم قال: وما الذي تحملونه في أيديكم؟ فقالوا: سوط. وكان كل مسلم في يده سوط صغير، فغضب أكثر، فقال لهم المغيرة: إن كلمة سوط في الفارسية تعني حريقًا. فقال يزدجرد: حريق يحرق فارس.
ثم بدأ يزدجرد الحديث، وقال لهم: ما دعاكم إلى الولوغ إلى أرضنا، والولوع بها؟ أَمِنْ أجل عددٍ لَحِقَ بكم اجترأتم علينا؟ أي عندما شعرتم بالكثرة تجرأتم علينا وبدأتم في الدخول في أرضنا.
فقام النعمان بن مقرن لكي يرد على يزدجرد، وهو أمير الوفد، فقال له: "إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير، ويأمرنا به، ويدلنا على الشر وينهانا عنه، فلم يدعُ إلى ذلك قبيلة إلا انقسمت هذه القبيلة إلى فرقتين: فرقة تباعده، وفرقة تقاربه، وظلت هذه الحال إلى فترة حتى دخل معه بعض العرب، ثم أمره الله أن ينبذ إلى من خالفه من العرب فبدأ بهم وفعل، فدخلوا معه في دينه على فرقتين طائع أتاه فازداد، ومُكْرَهٍ عليه فدخل في الإسلام فاغتبط، فعرفنا فضل ما جاء به من الإسلام على ما كنا عليه، ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم، فندعوهم إلى الإسلام، ونحن ندعوكم إلى الإسلام وهو دينٌ حسَّن الحَسَنَ كُلَّه، وقَبَّح القبيحَ كلَّه، فنحن ندعوكم إلى هذا الدين، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شرٌّ منه وهو الجزية ونمنعكم، وأما الآخر الذي هو شرٌّ منه فهو المناجزة، فنحن ندعوكم إلى ثلاث: إما أن تُسلِمُوا، وإما أن تدفعوا الجزية، وإما أن نقاتلكم حتى يخلِّي الله بيننا وبينكم".

فقام يزدجرد، وقال له في غضب شديد: واللهِ أنا لا أعلم على الأرض أمة أسوأ منكم، ولا أقل عدد، ولا أهون ذات بينٍ منكم أيها العرب، وإنا كنا نُوَكِّل بكم قرى الضواحي، فإن كان عدد لحَِق بكم فلا يغُرَّنَّكم منا، وإن كان الجهْدُ لحق بكم أو المئونة التي بين أيديكم نفدت فجئتم من أجل ذلك لحربنا، أعطيناكم من عندنا وكسوناكم وأطعمناكم، وملَّكنا عليكم ملكًا يرفق بكم.
فقام المغيرة بن زرارة خطيب المسلمين، فقال له: يا كسرى فارس، إنك وصفتنا صفة لم تكن بها عالمًا فنحن كنا أسوأ من ذلك بكثير، إن جوعنا لم يكن يشبه جوعكم؛ فقد كان طعامنا الجعلان والخنافس والعقارب والحيات، وكان لباسنا ما نغزله من أشعار الإبل وأوبار الغنم، وكانت منازلنا ظهر الأرض، ثم قال له: وإن ديننا أن يقتلَ بعضُنا بعضًا، وأن يُغِيرَ بعضُنا على بعض، وإن كان الرجل منا لَيقتل ابنته حية كراهية أن تأكل معه من الطعام، وكنا على هذه الحالة وأسوأ منها حتى أتانا رجل نعرف نسبه، ونعرف مولده، ونعرف قبيلته، فهو أنسبنا وأكرمنا وأحلمنا وأصدقنا؛ فيقول: إن هذا الرجل أتانا ودعانا إلى الله، وقال لنا: إنني بينكم وبين الله، فدعانا إلى ذلك فلم يجبه إلا واحد، قال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا؛ فكان معه صِدِّيقٌ ورِدْءٌ، ثم كان الخليفة من بعده وهو سيدنا أبو بكر الصديق، فظل على هذه الحال يدعونا حتى وقع الإسلام في قلوبنا، فآمنا به وصدقناه، وعرفنا أن ما جاء به هو الحق من عند الحق، ثم قال لنا: إن الله يقول لكم: إنني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، كنتُ إذ لم يكن شيءٌ، وكل شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقتُ كُلَّ شيء وإليَّ يصير كل شيء، وإن رحمتي أدركتكم؛ فبعثت إليكم هذا الرجل، لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري دارَ السلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحق.
وقال له المغيرة: إن الرسول يقول: إن الله يقول لنا: إنه من تابعكم على هذا الدين فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أَبَى فاعرضوا عليه الجزية، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحَكَمُ بينكم: فمن قُتِلَ منكم أدخلته جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه. 
ثم قال له المغيرة بن زرارة بعد أن انتهى من هذه المقالة: فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تُسْلِم فتنجي نفسك".
والمترجِم يترجم هذا الكلام ثم جاء عند كلمة صاغر فلم يعرف ترجمتها، فنقلها كما هي، فقال: صاغر.
فسأل يزدجرد: ما معنى صاغر؟ فقال له المغيرة بن زرارة: أن تعطي الجزية ونرفضها، فتعطيها فنرفضها، فترجونا أن نقبلها، فنقبلها منك.
فغضب يزدجرد غضبًا شديدًا؛ فوقف وقال له: أتستقبلني بمثل هذا؟! فقال المغيرة بن زرارة: إنك الذي كلمتني، ولو كان كلمني غيرُك لاستقبلته به. فغضب كسرى ونادى على حاشيته لتقترب منه، لكي يأمرهم بأمر شديد.
ثم قال كسرى للمسلمين: من أشرفُكم؟ فتقدم عاصم بن عمرو التميمي، وقد ظن أنه سيُقتَل، وقال: أنا أشرفهم. فدعا يزدجرد بوِقْرٍ من تراب وقال: ضَعُوه على رأسه، فوضعوه على رأس عاصم بن عمرو التميمي، ثم كرر عليه: أأنت أشرفهم؟ فقال: نعم، أنا أشرفهم. ثم قال لهم يزدجرد: "لولا أن الرسل لا تُقتَل لقتلتكم، اذهبوا لا شيء لكم عندي".
خرج الوفد بسرعة من إيوان كسرى إلى سعد بن أبي وقاص، وهم فرحون مستبشرون، وعلى رأس عاصم بن عمرو التميمي التراب، وبالرغم من ذلك فهو يضحك مستبشرًا ويقول للوفد الذين بصحبته: أعطَوْنا أرض فارس فمَلَّكنا الله أرضهم.
ثم جاء بعد ذلك رستم، ولم يكن حاضرًا هذا اللقاء، فدخل على يزدجرد، وقال له: ماذا رأيت؟ فقال: والله رأيت قومًا ما رأيت مثلهم من قبل، ولم أكن أعلم أن العرب فيهم مثل ذلك، ولكن أشرفهم كان أحمقهم. فقال له: لِمَ؟ قال: سألته من أشرفهم؟ حتى أحمله وِقْرًا من تراب، فقال: أنا. وكان يستطيع أن يتَّقِيني، وأنا لا أعلم. فقال رستم: بل هو أعقلهم. فقال له: لِمَ؟ قال: لأنك أعطيته أرض فارس، يَا للشُّؤم. وعندما سمع يزدجرد هذه الكلمة ربطها بفكرة الشُّؤم، وأنه أعطاهم أرض فارس، وعلى الفور أرسل فرقة تلحق بالمسلمين؛ لكي يقبضوا على الأربعة عشر، ويأخذوا منهم وِقْرَ التراب فقط ويتركوهم، ولكن المسلمين كانوا قد وصلوا إلى معسكرهم، فأفلتوا منهم.

عسكر المسلمون في القادسية في انتظار جيش الفرس وكانت الفرق تخرج دائما من أجل الإغارة لتزويد المسلمين بالغنائم والزاد، وقد كره المسلمون الانتظار الطويل في الأراضي الفارسية وكانوا كثيرًا ما يترددون على سعد بن أبي وقاص ويقولون له: ما لنا لا نُقدِمُ؟ فيقول لهم سيدنا سعد: إذا لم نطلب منكم الرأي كفيناكم إنما نأخذ الرأي من أهل الرأي وما عليكم إلا أن تَسمعُوا وتُطيعوا وتَصبروا، وكان عمر بن الخطاب بين كل فترة وأخرى يرسل رسالة إلى الجيش يقول لهم: الصبرَ الصبرَ، فقد كان الفرس يطاولون المسلمين لكي يملوا من طول المقام في القادسية؛ فيضطرون إلى ترك أرض فارس، وبذلك يسلم الفرس من حرب المسلمين.
لم يكن رستم يرغب في الخروج لقيادة جيش الفرس في القادسية ولكن يزدجرد كان مُصِرًّا عليه، فكان رستم كلما عسكر في مكان أرسل إلى يزدجرد يقول له: ما رأيك في أن أعود إلى المدائن، وترسل الجالينوس إلى المسلمين؛ فسُمْعَتُه عندهم كسُمعتي عندهم، ولكن العرب تظل دائمًا على هيبة ما بَقيتُ في المدائن، فيأبى يزدجرد إلا أن يذهب رستم بنفسه، فيذهب رستم ويتحرك من المدائن إلى ساباط، ويقدم الجالينوس على مقدمة الجيش إلى النجف.

وصول الفرس إلى النجف

استغرق وصول الجيش الفارسي كاملاً إلى النجف أربعة أشهر ونصف مع العلم أن المسافة من المدائن إلى النجف مائة وخمسة وثمانون كيلو مترًا، قطعها الجيش الفارسي بمعدل كيلو ونصف في اليوم.
وصل رستم إلى النجف وبدأ يقسم الجيش، فجعل الجالينوس كما هو على المقدمة، وجعل على ميسرته مهران الرازي، وعلى رأس الميمنة الهرمزان، وبهمن جاذويه بين الجالينوس وبين رستم في قلب الجيش، والبيرزان على المؤخرة، وبذلك أصبح جيش فارس على أُهْبَة الاستعداد للقتال، وعلى التعبئة التي سيقاتل بها المسلمين.

طليحة الأسدي والأسير الفارسي

أرسل سعد بن أبي وقاص سبعة من المسلمين مهمتهما استكشاف الجيش الفارسي، ومعرفة مكان رستم الذي نزل فيه، وكان ضمن السبعة عمرو بن معديكرب، وطليحة بن خويلد الأسدي، وقد كانا من قبل من المرتدين الذين عادوا إلى الإسلام.
خرج السبعة للاستكشاف، والجيش الفارسي في هذا الوقت تقدَّم من النجف، وعَبَرَ قنطرة على نهر الحَضُوض، ووصل إلى منطقة تُسَمَّى سَيْلَحِين، وتصل مقدمته إلى منطقة تسمى نَبَاذ وعلى بعد كيلو متراتٍ معدودةٍ من القنطرة التي على نهر العتيق قبل القادسية مباشرة، ويعسكر رستم في سَيْلَحِين، فإذا الجيش الفارسي قد أصبح على بُعدِ كيلو متراتٍ معدودة من الجيش المسلم، بينما كان الأخير يظن أن الجيش الفارسي ما زال في النجف على بعد أربعين أو خمسين كيلو مترًا، فلمَّا خرجت الغارة الاستكشافية بقيادة طليحة وعمرو بن معديكرب وجدوا أن الجيوش الفارسية في أعداد عظيمة جدًّا من الخيول موجودة في منطقة نباذ في منطقة قريبة جدًّا، اجتمع السبعة للتشاور، فقال عمرو بن معديكرب: نعود إلى المسلمين، ونخبرهم بالأمر، فقال له طليحة: ولكننا لا نعرف أين رستم؟ فيقول له عمرو: كيف نهجم على جيش بهذا العدد ونحن سبعة؟! فيقول له طليحة: لا أعود إلا وأعرف أين رستم.
وكان سعد بن أبي وقاص قد أوصاهما وصية أخرى وهي إحضار فارسي لو استطاعا، حتى يسأله عن الجيش الفارسي.
قرر طليحة أن يدخل في الجيش وحده؛ ليستكشف مكان رستم، وعاد عمرو بن معديكرب بالخمسة الذين كانوا معه إلى مكان قُرْبَ القنطرة قبل أن يصل إلى زهرة أو سعد بن أبي وقاص، وفي هذه الأثناء شعر سعد بن أبي وقاص بتأخرهم، فأرسل لهم فرقة على رأسها قيس بن هبيرة ومعه مائة فارس لنجدتهم، فقد كان يظن أنه قد حدث لهم مكروه، وفي الطريق قابلوا عمرو بن معديكرب وهو عائد، فيقولون له: أين طليحة؟ فيقول لهم: لا أعلم؛ فقد دخل جيش فارس ليستكشفه. فقال قيس بن هبيرة: انتظر الأمر، فقال له عمرو: معك مائة فارس؟ فقال له: نعم. فقال عمرو: فلنهجم عليهم، فقال له قيس بن هبيرة: ألقي مائة فارس داخل هذا الكَمِّ من الخيول؟! فيقول له: وماذا في ذلك؟ نقاتلهم إما النصر وإما الشهادة، فرفض قيس بن هبيرة ذلك، وقال له: بل نعود، فقال عمرو له: وما لك في ذلك؟! أي: لماذا يكون الأمر لك، ولم يكن لي؛ فيقول له: لقد أَمَّرني سعد بن أبي وقاص عليك. وصَدَّقه جنوده الذين حضروا معه في ذلك، ولكن عمرو بن معديكرب ما زال في نفسه أشياء من الجاهلية، فيقول: والله إن زمنًا كنتَ فيه أميرًا عليَّ لزمنُ سوء، ولكنها الطاعة، وعاد معه عمرو بن معديكرب إلى سعد بن أبي وقاص، وقصَّ عليه القصة، فقال له سعد بن أبي وقاص: يا عمرو، والله لَسَلامةُ مائةٍ من المسلمين أفضلُ عندي من قتل ألفٍ من العَجَم. ونصحه بطاعة قيس وطاعة الأمير.

أما طليحة بن خويلد الأسدي فقد سار بجانب القوات الفارسية بعيدًا عنها يخوض في مستنقعات غير عميقة المياه، ويتخير الأماكن التي لا يستطيع الجيش الفارسي أن يعسكر فيها، وظل يمشي حتى تجاوز المقدمة كلها، ووصل إلى المعسكر الذي يقيم فيه رستم وهو قلب الجيش، ثم تجاوز قلب الجيش بأكمله، وخيمةُ رستم موجودة في آخر قلب الجيش، وهي الخيمة الوحيدة البيضاء في المعسكر وبخارجها فرس مربوط لم يُرَ مثلُه قَطُّ في الجيش الفارسي، فأدرك أن هذه خيمة رستم، وأن هذا فرس رستم، فانتظر في مكانه حتى الليل، وعندما جَنَّ الليلُ ذهب طليحة بن خويلد الأسدي إلى الخيمة، وضرب بسيفه حبال الخيمة، فوقعت على رستم ومن معه بداخله، ثم قطع رباط الخيل وأخذ الخيل معه وجرى. 
وبعد أن وقعت الخيمة على رأس رستم صرخ ونادى الحرس من حوله، فشاهدوا طليحة وهو يجري ومعه خيل رستم، فقال رستم: اطلبوا هذا الرجل، فخرج في إثره الفرسان، وكلما جروا خلفه جرى أسرع؛ فيفتقده الفرسان، وبالرغم من ذلك لم يدركه إلا ثلاثة منهم؛ فرماه الفارس الأول برمح فتنحَّى طليحة بن خويلد الأسدي، فطاش الرمح وأمسك طليحة رمحه وقذفه في قلب الرجل الفارسي فقتله، وواصل الجري نحو المعسكر المسلم، فتابعه الاثنان المتبقيان، فوصل إليه أحدهما، ففعل به مثلما فعل بالأول وقتله أيضًا، ثم هرب تجاه الجيش المسلم، فتبعه الثالث فرماه برمحه فتنحَّى أيضًا طليحة، فطاش الرمح ثم أمسك طليحة برمحه وهدده أن يستسلم، وإما أن يقتله؛ فاستسلم هذا الرجل، وأخذه طليحة من فوق فرسه وأنزله على الأرض، وجعله يجري أمامه والرمح خلفه في ظهره.

وعندما دخل هذا الرجل الفارسي على سعد بن أبي وقاص قال له: أمِّنِّي على دمي، وأصدقك القول. فقال سيدنا سعد: فالأمان لك، ونحن قوم صدق فخَبِّرنا عن جيشكم، فقال له الرجل: قبل أن أخبرك عن جيشي أُخبركم عن رجلكم، فقال: إن هذا الرجل ما رأينا مثله قَطُّ؛ لقد دخلت حروبًا منذ نعومة أظافري، رجل تجاوز معسكرين لا يتجاوزهما جيوش، ثم قطع خيمة القائد وأخذ فرسه، وتبعه الفرسان منهم ثلاثة: قتل الأول ونعدله عندنا بألف فارس، وقتل الثاني ونعدله بألف، والاثنان أبناء عمي؛ فتابعته وأنا في صدري الثأر للاثنين اللذين قُتِلا، ولا أعلم أحدًا في فارس في قوتي، فرأيتُ الموت فاستأسرت، فإن كان مَنْ عندَكم مثله فلا هزيمة لكم، ولكني أُنْبِئُُكَ عن جيش فارس؛ فجيش فارس مائة وعشرون ألفًا من الجنود، يتبعهم مائة وعشرون ألفًا من التُّبَّع، على رأسهم رستم والتجهيزات كالآتي: الجالينوس على المقدمة، والهرمزان على الميمنة، ومهران على الميسرة.
فأَمَّنه سعد بن أبي وقَّاص على دمه، وقال له: إن شئت تَعُدْ إلى قومك، وإن شئت تبقَ معنا، فاختار أن يبقى معهم، وذهب إلى سعد بن أبي وقاص، وطلب منه أن يعلمه الإسلام فعلَّمه، وأسلم الرجل، فسماه سعد "مُسْلِمًا".

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب