تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

معركة القادسية....... اليوم الأول والثاني

 

اليوم الأول.... يوم أرماث

قبل المعركة بيوم مرض سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فقد أصيب بدمامل في ظهره، وأُصِيبَ بعِرْق النَّسَا؛ فكان لا يستطيع أن يمشي، ولا يستطيع الجلوس، ولم يكن يستطيع أن يمتطي حصانهُ، فاتخذ قصر "قديس" مكانًا للقيادة، واستخلف على الجيوش خالد بن عرفطة الذي كان من قادة المسلمين المهرة، فيقوم خالد بن عرفطة بقيادة الجيوش، واعترض بعض الناس على إمارة خالد بن عرفطة، فما كان من سعد بن أبي وقاص إلا أن قام بالقبض على هؤلاء وكان يتزعمهم أبو محجن الثقفي، وحبسهم في قصر "قديس".
وأرسل سعد بن أبي وقاص إلى المسلمين يقول لهم: أما والله لولا أن عَدُوَّكم بحضرتكم لجعلتكم نكالاً لغيركم، فقام جرير بن عبد الله وقال: أما إني واللهِ بايعت رسول الله على أن أطيع أميري، ولو كان عبدًا حبشيًّا.
ثم أرسل سعد بن أبي وقاص خطبة إلي الجيش يقول فيها: "إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونثني عليه الخير كله. إن الله هو الحق لا شريك له في الملك، وليس لقوله خُلْف، قال جلَّ ثناؤه: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105 ], إن هذا ميراثكم وموعود ربكم، وقد أباحاها اللهُ لكم منذ ثلاث حجج؛ فأنتم تطعمون منها، وتأكلون منها، وتجبونها، وتقتلون أهلها، وتسبونهم إلى هذا اليوم بما نال منهم أصحاب الأيام منكم، وقد جاءكم منهم هذا الجمع، وأنتم وجوه العرب وأعيانهم، وخيار كل قبيلة، وعِزُّ مَن وراءكم. فإن تزهدوا في الدنيا وترغبوا في الآخرة جمع الله لكم الدنيا والآخرة، ولا يُقرِّب ذلك أحدًا إلى أجله، وإن تهنوا تفشلوا وتضعفوا تذهب ريحكم، وتوبقوا آخرتكم".

وقد فحَمَّسَتْ هذه الخطبةُ الناس، وتحفزوا للقاء الفرس، ثم قام عاصم بن عمرو في المجردة، فقال: هذه بلاد قد أحلَّ اللَّهُ لكم أهلها، وأنتم تنالون منها منذ ثلاث سنين ما لا ينالون منكم، وأنتم الأعلون واللَّه معكم إن صبرتم، وصدقتموهم الضرب والطعن فلكم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم وبلادهم، ولئن خُرْتم وفشلتم والله لكم من ذلك جار وحافظ لم يُبقِ هذا الجمعُ منكم باقية، اللهَ اللهَ، اذكروا الأيام وما منحكم الله فيها، اجعلوا همَّكم الآخرة، يا معاشر العرب إنكم تخاطرون بالجنة وهم يخاطرون بالدنيا، فلا يكونُنَّ على دنياهم أحوطَ منكم على آخرتكم، لا تُحْدِثوا أمرًا تكونون به شَيْنًا على العرب.
ثم أرسل سعد بن أبي وقاص بيانًا إلى الناس، وذلك قبل صلاة الظهر؛ لِيُقْرَأَ على كل الكتائب، يقول لهم فيه: "الزموا مواقفكم لا تحركوا شيئًا حتى تُصَلُّوا الظهر، فإذا صلَّيتم الظهر فإني مُكبر تكبيرة، فإذا كبرت فكبروا، ثم شدوا شُسُوعَ نِعَالِكُم، واعلموا أن التكبير لم يُعْطَه أحدٌ من قبلكم، وإنما أُعْطِيَ لكم لتأييدكم، فإذا كبرت التكبيرة الثانية فكبروا وتهيئوا ولتستتموا عُدتكم؛ فإذا كبرت الثالثة فكبروا، وليخرج فرسانكم وليخرج أهل النجدة والبلاء، ولْيُنشِّطْ فرسانُكم الناسَ على القتال؛ ليبارزوا ويطاردوا، فإذا كبرت الرابعة فشدوا النواجذ على الأضراس، واحملوا وازحفوا جميعًا حتى تخالطوا عدوكم، وقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله".
ثم حان موعد صلاة الظهر فيُؤَذَّن لصلاة الظهر، وقد ظن رستم أنه نداء الحرب فتحرك نحو المسلمين، وما إن سمع المسلمون إقامة الصلاة حتى اصطفوا لها، فنادى رستم على جيشه بأن يأخذوا أُهْبَتَهُم ويستعدوا للقاء المسلمين؛ فقالت له العيون: إنما هذا للصلاة وليس للحرب.
تعجب رستم وقال: عجيب أمر هؤلاء الناس، حتى وَهُمْ في ميدان المعركة حريصون على الصلاة. ثم تُقامُ الصلاةُ ويَؤُمُّ المسلمين خالد بن عرفطة، ويصلي بهم صلاة الحرب، ثم أمر سعد بن أبي وقاص القُرَّاء بالانتشار في الكتائب، وقراءة سورة الأنفال.

بدء المعركة

بعد قراءة سورة الأنفال وارتفاع الروح المعنوية لدى المسلمين، صاح سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه رافعًا صوته قائلاً: الله أكبر! فكبر من ورائه المسلمون جميعًا، وتحفز المسلمون للقتال، ثم كبر سعد بن أبي وقاص التكبيرة الثانية فتصطف الصفوف، وتُرفَع السيوف من الأغماد، ويستعد الناس للقتال، ثم كبر سعد التكبيرة الثالثة فتخرج كتيبة الفرسان أفضل مجاهدي المسلمين من ناحية القتال المهاري على أشد الخيول ضراوةً إلى ساحة القتال يطلبون المبارزة؛ ليحفزوا المسلمين وينشطوهم، وكان من أوائل من خرجوا من فرسان المسلمين للقتال ربيعة بن عثمان، وغالب بن عبد الله، وعمرو بن معديكرب، وعاصم بن عمرو التميمي، وكان أول قتال نشب بين ربيعة بن عثمان من قبيلة هوازن وأحد أشداء الفرس، وكان قتالاً شديدًا، وتقاتلا مدة كبيرة، وأَذِن اللهُ لربيعة بن عثمان بقتل الفارسي بعد قتالٍ عنيف، وكان أول قتيل من الفرس في أرض القادسية فكبر المسلمون، وربط الله على قلوب المسلمين، وألقى الله الرعب في قلوب الفرس.
وتقدم غالب بن عبد الله رضي الله عنه ليقاتل فخرج له قائد فارسي اسمه هرمز، فتقاتلا قتالاً شديدًا، انتهي بانتصار غالب بن عبد الله وقتل هرمز في أرض المعركة، وقام عمرو بن معديكرب يتمشى بين الصفوف، وكان يحمل أقوى سيوف العرب وهو سيف الصمصامة، وكان ضخم الجثة قوي البنيان، وكان من المهرة في القتال، وكان يحفز الناس قائلاً لهم: قاتلوهم كما تقاتل الأسود، فأنتم اليوم أقوى من الأسود، فتقدم إليه رجل من الفرس ورماه برمح فوقع على درعه وسقط على الأرض، وكانت رماح الفرس من طولها يسمونها نشابًا، وتوجه عمرو بن معديكرب نحو الفارسي وحمل عليه حملة واحدة فخطفه من فوق فرسه، ورجع به إلى المسلمين، وألقاه على الأرض، وضرب رأسه بسيفه؛ فقطعها بضربة واحدة ثم أخذ رأسه وألقاها ناحية فارس، وحمل عاصم بن عمرو على رجل من أهل فارس، فترك هذا الرجل فرسه وهرب إلى الجيش الفارسي؛ ليحتمي بهم فأخذ عاصم فرسه وعاد به غنيمة إلى المسلمين.

وفي هذه اللحظة ارتد أحد المسلمين وخرج من الجيش يجري إلى الفرس رافعاً يده مستسلماً للفرس، يحكي أحد الفرس الذين أسلموا بعد بذلك فيقول: أن هذا الرجل جاء إلى الفرس، وأعلن ارتداده وانضمامه إلى صفوف الفرس، وسأله الفرس: أي العرب أشد؟ فقال لهم: إن بأسهم في بجيلة؛ فإذا انتصرتم عليها وهنت لكم قوة العرب، فلما وصل هذا الكلام إلى رستم أصدر أمرًا بتقدم الميمنة والمقدمة نحو بجيلة، فتحرك الهرمزان على رأس ثمانية وعشرين ألف مقاتلٍ، والجالينوس على رأس أربعة وعشرين ألفًا، وتوجهوا إلى قبيلة بجيلة، وإلى هذه اللحظة لم يطلِق سعد بن أبي وقاص التكبيرة الرابعة، وما إن توجهت هذه الأعداد إلى قبيلة بجيلة حتى أمطروهم بوابل من السهام، فاتَّقى المسلمون السهام، وتقدمت الفِيَلة نحو بجيلة فنفرت الخيل من أمام الفيلة، وبدأ الفرسان يدفعون بالمشاة ليتقدموا ويدفعوا عن الخيول، وكان من أشد المواقف صعوبة على المسلمين، وثبت المشاة من المسلمين ولم تثبت الخيول، وبدأت الكفة ترجح في جانب الفرس.
رأي سعد رضي الله عنه الهجوم الشديد على بجيلة فأرسل رسالة إلى قبيلة أسد أن أغيثوا بجيلة وهي على يمين بجيلة مباشرة، ولما وصلت الرسالة إلى قبيلة بني أسد قام طليحة بن خويلد الأسدي وخطب في الناس، وقال لهم: لو يعلم سعد قومًا أجدر منكم على إغاثتهم لاستغاثهم؛ وإنما سميتم أسدًا لتفعلوا فعله، فقاتلوا كما تقاتل الأسود، فقامت قبيلة أسد وهجمت على فرقة الجالينوس لتذب عن بجيلة الرماح والسهام والسيوف الفارسية، وقاتلت قبيلة "أسد" أشد ما يكون القتال، فوجه الفرس القتال ناحية قبيلة أسد، وفي أثناء القتال قام الأشعث بن قيس في قبيلة كِنْدَة التي كانت على ميسرة الجيش الإسلامي، فقال لهم: يا معشر كندة، لله دَرُّ بني أسد أي فري يفرون! منذ اليوم أغنى كل قوم ما يليهم، وأنتم تنتظرون من يكفيكم البأس. فتحمست كندة، وخرج له أهل النجدة، وتحولت قبيلة كندة من الدفاع إلى الهجوم ضد القوات الفارسية لِتَذُبَّ عن قبيلة بجيلة وقبيلة أسد، والتفت القبائل الثلاثة حول الفرقتين الفرسيتين بقيادة الهرمزان والجالينوس.
ودارت رَحَى المعركة على قبيلة بجيلة وأسد، وقبيلة كندة التي كانت تحاول مساعدة المسلمين، ولما رأى رستم ما حَلَّ بجيشه أمر بهمن جاذويه قائد القلب أن يتقدم ناحية قبيلة أسد، فيتقدم بهمن إلى قبيلة أسد مهاجمًاً، وللمرة الثانية بدأت الكفة ترجح في ناحية الفرس.

تعجب سعد بن أبي وقاص لما رأى الأفيال من فوق القصر، فنادى على عاصم بن عمرو التميمي وقال له: ألا لك في الفيلة من حيلة؟ فقال: بلى والله. فانتخب عاصم بن عمرو التميمي أفضل فرقة من قبيلة تميم، وكانوا من أفضل القبائل رميًا بالسهام، وبدأت هذه الفرقة برمي قائدي الفيلة بالسهام، فكان كل فيل حاملاً تابوتًا كبيرًا عليه أكثر من قائد، وقسَّم عاصم بن عمرو التميمي من معه إلى فرقتين: فرقة ترمي قُادة الفيلة بالسهام، والأخرى تندس داخل الجيش الفارسي لتقطع أحزمة التوابيت التي فوق الأفيال.
واستطاعت هذه الفرقة أن تصيب طائفة كبيرة من قادة الأفيال، واستطاعت الفرقة التي اندست في الجيش الفارسي أن تقطع أحزمة توابيت الأفيال، وعند ذلك كبر سعد بن أبي وقاص التكبيرة الرابعة، وما إن انطلقت التكبيرة الرابعة حتى انطلق المسلمون ناحية الجيش الفارسي، ويتقدم كذلك الجيش الفارسي وتلتحم الصفوف، وكانت المعركة على أشدها، وبدأت أسد وبجيلة في دفع بهمن جاذويه إلى الخلف.
واستمر القتال بين الفريقين ما بين قاتل ومقتول من الناحيتين حتى بعد غروب الشمس بقليل، وفي هذا الوقت كانت الجيوش لا تقاتل ليلاً، ونهكت قوى الفريقين، فبدأ الفريقان بترك أرض القتال كلٌّ منهما عائدًا إلى مكانه قبل صلاة العشاء في أول الأيام، وكان يوم القادسية في العام الخامس عشر الهجري، وسمِّيَ هذا اليوم بيوم أرماث.
واستشهد في أول أيام القادسية من المسلمين خمسمائة شهيدٍ، وقُتِلَ من الفرس أكثر من ألفين.
ولم يقع قتال في هذه الليلة وبدأ المسلمون بجمع شهدائهم ونقلهم إلى منطقة "عذيب الهجانات"، على الإبل حيث كانت النساء ينتظرن، وقد عسكروا في منطقة "عذيب الهجانات" في مؤخرة الجيش الإسلامي، وكان على النساء حبيب بن جرير الأنصاري، بالإضافة إلى اختصاصه بشئون الجرحى والشهداء، وبدأت النساء بحفر القبور، ودُفِنَ الشهداءُ في الليلة نفسها.

اليوم الثاني..... يوم أغواث

وفي ليلة اليوم الأول وصلت رسالة من أبي عبيدة بن الجراح بعد أن انتصر على الروم في موقعة اليرموك؛ فقد أرسل له عمر بن الخطاب رسالة يأمره أن يرسل مددًا من الشام إلى العراق لنجدتهم، فأرسل أبو عبيدة بن الجراح ستة آلاف مقاتلٍ على المقدمة القعقاع بن عمرو التميمي، وكان هذا سببًا في فرحة المسلمين واستبشارهم بالنصر؛ وكان على رأس الآلاف الستة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وهو ابن أخو سعد بن أبي وقاص، وعلى المقدمة القعقاع بن عمرو، وفي أول تباشير الصباح من اليوم الثاني وصلت المقدمة، التي تتكوّن من ألف مقاتلٍ على رأسهم القعقاع بن عمرو التميمي.

خطة القعقاع بن عمرو

قام القعقاع بتقسيم المقدمة التي معه عن إلى عشرة أقسام، كل قسم يتكون من مائة، وتقدم هو في أول مائة ودخل على الجيوش الإسلامية في الصباح، وهو يكبر والمائة يكبرون معه، ثم بعد قليل جاء مائة آخرون يكبرون، وهكذا تتابعت كل مائة حتى ظَنَّ المسلمون أن هذا المدد لا ينتهي؛ فزاد ذلك في عزيمتهم، وفي معنوياتهم، وفَتَّ في عَضُدِ الفرس الذين اعتقدوا أيضًا أن هذه الأعداد لا تنتهي.
وعندما وصل القعقاع بن عمرو التميمي، نادي في الفرس يطلب المبارزة فخرج له بهمن جاذويه قائد قلب الجيش الفارسي وكان على عشرين ألف مقاتلٍ، فقتل القعقاع بهمن، وعندما قُتِلَ بهمن جاذويه حدثت هزيمة نفسية شديدة للفرس، فأراد رستم أن يغيَّر من نفسية الفرس، فأخرج للقعقاع بن عمرو البيرزان قائد مؤخرة الجيوش الفارسية، وأخرج معه قائدًا آخر اسمه البندوان فخرج مع القعقاع بن عمرو الحارث بن ظبيان، والتقى المسلمان مع قائِدَي الفرس، فتبادلا ضربتين فقتل القعقاع بن عمرو البيرزان بضربة واحدة طارت فيها رأسه، وكذلك فعل الحارث بن ظبيان فقد قتل البندوان بضربة واحدة أيضًا.
وقد اختفت الفيلة في اليوم الثاني لأن توابيتها قُطِعَت كُلُّها في المعركة أمسِ؛ فلم يستطع الفرس الركوب على الفيلة بدون التوابيت، وكانت موجودة في الخلف يصلحون من شأن التوابيت، وعمل الأحزمة الجديدة اللازمة لها.

خرج في هذا اليوم علباء بن جحش ليقاتل أحد الفرس فأصاب كل منهما الآخر في مقتل؛ فضرب الفارسي المسلم في بطنه، فوقع على الأرض بعد أن ضرب الفارسي في صدره فقتله، وخرجت أمعاء علباء خارج بطنه، فقال لرجل من المسلمين بجواره: أعنِّي على بطني، فأدخل أمعاءه في بطنه، ثم قام فتوجه مرة أخرى إلى أرض المعركة ليستكمل القتال ولكنه سقط شهيدًا بعد خطوات قليلة.
ثم خرج أبناء الخنساء رضي الله عنها فانطلق أولادها الأربعة في هذا اليوم أيضًا للمبارزة قبل أن يلتقي الجمعان، فخرج الواحد منهم تلو الآخر، كل واحد منهم يخرج ويتلو بعض أبيات الشعر، ثم يتقدم ويحمل على الفُرْسِ؛ فيَقْتُل منهم من يَقْتُل، ثم يُستَشهد، فاستُشهِد في ذلك اليوم أبناء الخنساء الأربعة، وعندما بلغها رضي الله عنها وأرضاها خبرُ استشهادهم، قالت: الحمدُ للهِ الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.
ويذكر أن سواد بن مالك كان يطلب الشهادة وتستبطئ عليه؛ فقد كان يأخذ سيفه ويلقي بنفسه داخل الجيش الفارسي يقتل منهم من يقتل يبغي الشهادة فلا يستشهد، حتى اقترب من سرير رستم في عمق الجيش، ولكنه نال الشهادة التي طلبها.

ثم تقدم القعقاع يطلب المبارزة ثلاثون مرةً في هذا اليوم؛ فقتل وحده في الكَرِّ والفَرِّ ثلاثين فارسيًّا، واستمرت المبارزة حتى بعد صلاة الظهر في اليوم الثاني، ثم التحم الفريقان مع بعضهما البعض في قتال شديد، وقد كان الالتحام في اليوم السابق من ناحية الفرس تجاه المسلمين، إلا أنه في هذا اليوم تقدم المسلمون ناحية الفرس، وضغطوا عليهم في بداية القتال، ثم استمر القتال من صلاة الظهر حتى منتصف الليل دون انقطاع.

مشاركة أبو محجن الثقفي

وفي هذا اليوم أيضًا كان أبا مِحْجَنٍ الثقفي قد مكث في القصر يرسف في أغلاله ويسمع أصوات السيوف، ويسمع تكبير المجاهدين، ونفسه تتشوق إلى القتال والجهاد في سبيل الله؛ فندم على فعلته ومعصيته لأميره خالد بن عرفطة، وطلب من سعد بن أبي وقاص أن يشركه في القتال ثاني يوم، فرفض سعد بن أبي وقاص أن يشركه في القتال.
وكانت زوجة سعد بن أبي وقاص هي التي تسقي وتطعم المحبوسين داخل الحصن، فسمعت أبا محجن الثقفي ينادي عليها ويقول: يا أَمَةَ الله، هل لك في خير؟ فقالت له: وما ذاك؟ فقال لها: تفكين أسري وتعيريني البلقاءَ وهي فرس سعد بن أبي وقاص، فأشترك في القتال، فإن سلَّمني الله عُدْتُ، ووضعت قدمي في القيد، وهذا عهد مني إليك. فقالت: ما لي أفعل ذلك؟! فرفضت ثم عادت فسمعته يشدو شعرًا يذكر فيه تشوقه إلى الجهاد، وحسرته على أن المجاهدين في هذا الموقف، وهو في ذلك الموقف، وأخذ يبكي بكاء مُرًّا؛ فَرَقَّ قلبها لتشوقه للجهاد، وصَلَّت واستخارتِ اللهَ، ثم ذهبت إليه، وقالت: يا عبد الله، إني قد استخرتُ الله، وقبلتُ عهدك أمَّا البلقاء فلا أعيره.
وبالفعل فَكَّت قيده، فذهب أبو محجن الثقفي، وأخذ البلقاء، وخرج من الباب الخلفي لحصن قديس، وانطلق إلى أرض المعركة، وقد حدث كل ذلك بعد منتصف الليل، فتلثَّم أبو محجن حتى لا يعرفه أحد، ودخل أرض المعركة في ميسرة الجيوش حيث قبيلته ثقيف، ثم بدأ يقاتل قتالاً شديداً، وقَتَلَ من الفرس في ذلك اليوم الكثير، وظل يكرُّ ويَفِرُّ على ميسرة الفرس، فتعجب منه المسلمون وهم لم يعرفوا هذا الفارس، ثم عاد من خلف الجيوش وانتقل إلى ميمنة الجيش الإسلامي، وفعل بها مثل الميسرة وكذلك في قلب الجيش وسعد بن أبي وقاص من فوق حصن القادسية يرى الرجل، فقال: سبحان الله! الضبر ضبر البلقاء والطعن طعن أبي محجن، ثم يقول: والله لولا حبسُ أبي محجن، لقلت: أبو محجن، وقلت: البلقاء، ثم عاد بعد أن انتصف الليل وانفكت الجيوش إلى قيده، ووضع قدميه في القيد، وربط البلقاء وكأن شيئًا لم يكن، والمسلمون يتعجبون، ويقولون: واللهِ لولا أنَّا لا نرى الملائكة لقلنا: ملك يثبتنا.
ثم ذهبت زوجة سعد بن أبي وقاص إليه في اليوم التالي، وأخبرته بالقصة، فغضب في البداية، ثم اكتشف وجود أبي محجن في القيد، فعلم أنه وفَّى بعهده، وعاد إلى القيد؛ فسامحها وسامحه، وأطلقه في أرض المعركة في اليوم الثالث، وقد سُمِّي هذا اليوم يومَ أغواث.
وقد استُشهِد في هذا اليوم من المسلمين 2000 شهيد، وقُتِلَ من الفرس عشرة آلاف، وبعد منتصف الليل وانفصال الجيوش حمل الشهداء على الجمال، وسارت بهم من القادسية إلى عذيب الهجانات لكي يدفن الشهداء فيها.
أما بالنسبة لقتلى الفرس فقد كان دينهم يحرم عليهم دفن الموتى، وفي هذه المعركة انهزموا هزيمة نفسية فقد تركوا موتاهم في الميدان، وفي صباح اليوم الثالث كانت أرض المعركة كلها مملُؤَة بقتلى الفرس فقط، ولم يكن فيها شهيد من المسلمين، فأثَّر ذلك المشهد تأثيرًا نفسيًّا شديدًا على الفرس.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب