عام الرمادة
بعد عودة الناس من الحج عام 18ه وقعت بالمدينة وما حولها من القرى مجاعة شديدة، فحبس المطر من السماء وأجدبت الأرض، وهلكت الماشية، واستمرت هذه المجاعة تسعة أشهر، حتى صارت الأرض سوداء فشبهت بالرماد.
وفي هذا العام انقطاع المطر عن أرْض الحِجاز مدةً طويلة، فحصل القحْط، ومات الزَّرْع، وقلَّتِ اللقمة، وعُدِم أطايب الأكْل، ونزر الكلام، وكفَّ السائلون عن السؤال، وهزلتِ المواشي، فكان الرجل يذبح الشاةَ فيعافها مِن قُبْحها، وجعلت الوحوش تأوي إلى الإنس، وحصلتْ مسغبةٌ ما عرفتْها العرب في أيَّامها؛ حتى كان الرجلُ القويُّ يتلوَّى بيْن أهله من شدَّة المخمصة، ومات كثيرٌ من الأطفال والنِّساء في تلك السَّنة.
وانجفل أهلُ البادية إلى المدينة، لعلَّهم يجدون عندَ الخليفة ما يسدُّ حاجتهم، ويُسكت بطونَهم، وكانت أعدادهم تزيد على ستِّين ألفًا، وبقوا أشهرًا عدَّة، ليس لهم طعامٌ إلا ما يُقدَّم لهم من بيت مال المسلمين، أو مِن أهل المدينة آنذاك.
حال عمر رضي الله عنه في تلك المجاعة
عاش كما يعيش الناس، تنفَّس همومَهم وغمومَهم، وذاق حاجتَهم وفاقتَهم، بل كان أولَ مَن جاع وآخِرَ مَن شبع، قال عنه خادمُه أسلم: "كنَّا نقول: لو لم يرفعِ الله تعالى المَحْل عام الرمادة، لظننا أنَّ عمر يموت همًّا بأمر المسلمين".
وكان يستمرئ الزيت ولايشبع مع ذلك فاسود لون عمر وتغير جسمه حتى كاد يخشى عليه من الضعف، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: "تقرقر بطن عمر وكان يأكل الزيت عام الرمادة، وكان حرم عليه السمن، فنقر بطنه بأصبعه. وقال: تقرقر تقرقرك إنه ليس لك عندنا غيره حتى يحيا الناس".
عمر رضي الله عنه وإدارة الأزمة
1- كان رضي الله عنه يكثر من الصلاة والدعاء واللجوء إلى الله كما حث الناس علي ذلك أيضاً، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: "كان عمر بن الخطاب أحدث في عام الرمادة أمرًا ما كان يفعله، لقد كان يصلي بالناس العشاء، ثم يخرج حتى يدخل بيته، فلا يزال يصلي حتى يكون آخر الليل، ثم يخرج فيأتي الأنقاب فيطوف عليها، وإني لأسمعه ليلة في السحر، وهو يقول: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي"، وكان يقول: "اللهمَّ لا تهلكْنا بالسنين، وارْفع عنَّا البلاء".
2- كان عمر رضي الله عنه يطلب الغيث من الله ويخرج دائماً لصلاة الاستسقاء، وقد خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرة يستسقي، فنادى في الناس فأوجز، ثم صلى ركعتين فأوجز، ثم قال: "اللهم عجزت عنا أنصارنا، وعجز عنا حولنا وقوتنا، وعجزت عنا أنفسنا، ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم اسقنا وأحيي العباد والبلاد". وعن خوات بن جبير قال: خرج عمر يستسقي بهم فصلى ركعتين فقال: "اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك"؛ فما برح من مكانه حتى مطروا، فقدم أعراب، فقالوا: يا أمير المؤمنين، بينا نحن في وادينا في ساعة كذا، إذ أظلتنا غمامة، فسمعنا منها صوتًا: "أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص"، وعن أنس: "أن عمر خرج يستسقي، وخرج بالعباس معه يستسقي بقوله: "اللهم إنا كنا إذا قحطنا على عهد نبينا توسلنا إليك بنبينا فتسقنا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا؛ قال: فيُسقون".
3- طلب المساعدات من عمال الأمصار وذلك في رسالته إلى عمرو بنِ العاص والي مصر بعث إليه: "يا غوثاه يا غوثاه، أنت ومن معك ومَن قِبَلك وما أنت فيه، ونحن ما نحن فيه"، فقال عمرو بن العاص والله لأرسلن له قافله من الأرزاق أولها في المدينة واخرها عندي في مصر" فأرسل إليه عمرو بألف بعير تحمل الدقيق، وبعث في البحر بعشرين سفينة تحمل الدهن، وبعث إليه بخمسةِ آلاف كِساء، وأرسل إلى سعد بن أبي وقاص فأرسل له بثلاثةِ آلاف بعير تحمل الدقيق، وبعث إليه بثلاثةِ ألاف عباءة، وأرسل إلى والي الشام فبعث إليه بألفي بعير تحمل الزاد.
4- تَرَك أخْذ الزكاة من الناس ذلك العام،
وأنْفق كلَّ ما في بيت المال من الطعام والكساء، واشترى كلَّ ما في السوق
من الأكل، حتى نفد الطعام، وأصبحَ المال لا قيمةَ له بعد ذلك.
واستمر هذا الحال في الناس تسعة أشهر ثم تحول إلى الخصب والدعة وانتشر الناس عن المدينة إلى أماكنهم.

إرسال تعليق