مقدمة
لم يُعرف منذ عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر رضي الله عنه شيءٌ يسمّى بالدواوين، ولكن كان يعرف ما يسمى ببيت مال المسلمين، وبقي ذلك في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إلى أن أنشِئ أول ديوان في عام 15 هـ.
وفي هذه السجلات تم إحصاء الرعية كأدق إحصاء، فكل رجل أو امرأة أو طفل عرف اسمه ومكانه وحصته من بيت المال، كما عرف أيضاً المجاهدين وعرفت رتبته من حيث السبق والتقديم.
تعريف الديوان
الديوان هو السجلات والدفاتر التي تسجل فيها أسماء الجيش وأهل العطاء، ويطلق أيضاً على المكان الذي يجتمع فيه الكتاب والموظفون العاملون بتلك السجلات.
وعرف الماوردي الديوان بأنه "موضع لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال، ومن يقوم بها من الجيوش والعمال", والديوان كلمة فارسية تعني السجل أو الجدول.
إنشاء الدواوين
كان إنشاء الدواوين بسبب كثرة الأموال والغنائم التي تأتي إلى المدينة من الفتوحات الإسلامية.
واختلف الناس في سبب وضع الديوان، فقالوا: سببه أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه قدم عليه بمالٍ من البحرين، فقال له عمر رضي الله عنه: ماذا جئت به؟ فقال: خمسمائة ألف درهم، فاستكثره عمر، فقال: أتدري ما تقول؟ قال: نعم مائة ألفٍ خمس مرَّات، فقال عمر: أطيِّبٌ هو؟ فقال: لا أدري، فصعد عمر رضي الله عنه المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيُّها الناس قد جاءنا مالٌ كثيرٌ، فإن شئتم كلنا لكم كيلًا، وإن شئتم عددنا لكم عدًّا، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين قد رأيت الأعاجم يُدوِّنون ديوانًا لهم فدوِّن أنت لنا ديوانًا".
وكان عمر رضي الله عنه يستشير أصحابه دائماً في كل شيء وقد استشارهم في أمر الدواوين فقال له عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه: "تُقسِّم كلَّ سنةٍ ما اجتمع إليك من المال ولا تمسك منه شيئًا، وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: أرى مالًا كثيرًا يتبع الناس، فإن لم يحصوا حتى يُعرف من أخذ ممَّن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر، فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة : يا أمير المؤمنين قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دوُّنوا ديوانًا، وجنَّدوا جندًا، فدوِّن ديوانًا، وجنِّد جندًا. فأخذ بقوله، فدعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم، وكانوا من نسَّاب قريش، فقال: اكتبوا النَّاس على منازلهم فكتبوا، فبدأوا ببني هاشم، ثُمَّ اتبعوهم أبا بكر وقومه، ثُمَّ عمر وقومه على الخلافة، فلما نظر فيه عمر قال: لوددت والله أنَّه هكذا، ولكن ابدأوا بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأقرب فالأقرب، حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله".
طريقة ترتيب الديوان وتسجيل الأسماء
لما أراد عمر وضع الديوان، قال له عليٌ بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما: ابدأ بنفسك، قال: لا، بل أبدأ بعمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ الأقرب فالأقرب، ففرض للعبَّاس رضي الله عنه وبدأ به، ثُمَّ فرض لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف، ثُمَّ فرض لمن بعد بدرٍ إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف، ثُمَّ فرض لمن بعد الحديبية إلى أن أقلع أبو بكر رضي الله عنه عن أهل الرِّدَّة ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، في ذلك من شهد الفتح وقاتل عن أبي بكر رضي الله عنه، ومن ولى الأيام قبل القادسية، كل هؤلاء ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، ثُمَّ فرض لأهل القادسية وأهل الشام ألفين ألفين، وفرض لأهل البلاد البارع منهم ألفين وخمسمائة ألفين وخمسمائة، فقيل له: لو ألحقت أهل القادسية بأهل الأيَّام! فقال: لم أكن لأُلحقهم بدرجة من لم يدركوا، وقيل له: قد سوَّيت من بَعُدت داره بمن قربت داره وقاتلهم عن فنائه، فقال: من قربت داره أحقُّ بالزيادة؛ لأنَّهم كانوا ردءًا للحوق وشجًى للعدو، فهلَّا قال المهاجرون مثل قولكم حين سوَّينا بين السابقين منهم والأنصار! فقد كانت نُصرة الأنصار بفنائهم، وهاجر إليهم المهاجرون من بعد، وفرض لمن بعد القادسية واليرموك ألفًا ألفًا، ثُمَّ فرض للروادف: المثنى خمسائة خمسمائة، ثُمَّ للروادف الثليث بعدهم، ثلثمائة ثلثمائة، سوَّى كلَّ طبقةٍ في العطاء قويُّهم وضعيفهم، عربهم وعجمهم، وفرض للروادف الربيع على مائتين وخمسين، وفرض لمن بعدهم وهم أهل هَجَر والعباد على مائتين، وألحق بأهل بدر أربعة غير أهلها: الحسن والحسين وأبا ذر وسلمان، وكان فرض للعباس خمسة وعشرين ألفًا، وقيل: اثنا عشر ألفًا، وأعطى نساء النبيِّ صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف عشرة آلاف، إلَّا من جرى عليها الملك، فقال نسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضلنا عليهن في القسمة فسو بيننا، ففعل، وفضَّل عائشة بألفين لمحبَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم إيَّاها فلم تأخذ، وجعل نساء أهل بدر في خمسمائة خمسمائة، ونساء من بعدهم إلى الحديبية على أربعمائة أربعمائة، ونساء من بعد ذلك إلى الأيام ثلثمائة ثلثمائة، ونساء أهل القادسية مائتين مائتين، ثُمَّ سوَّى بين النساء بعد ذلك، وجعل الصبيان سواءٌ على مائة مائة"
ولم يفضل أحد علي أهل بدر إلا زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فإنه فرض لكل إمرأة منهن اثني عشر ألف درهم.
وفرض لكل رجل هاجر قبل الفتح ثلاثة ألاف درهم، وفرض لمسلمة الفتح ألفين درهم لكل رجل منهم، وفرض لغلمان أحداث من أبناء المهاجرين والأنصار مثل مسلمة الفتح.
كما فرض عمر رضي الله عنه لعمر بن أبي سلمة أربعة آلاف درهم فقال محمد بن عبد الله بن جحش: لما تفضل عمر علينا وقد هاجر آباؤنا وشهدوا؟ فقال عمر بن الخطاب: أفضله لمكانه من النبي صلى الله عليه وسلم، فليأت الذي يستعتب بأم مثل أم سلمة أُعتبه.
وفرض لأسامة بن زيد أربعة آلاف درهم فقال عبد الله بن عمر: فرضت لأسامة أربعة آلاف ولي ثلاثة ألاف، وقد شهدت ما لم يشهد أسامة؟ فقال عمر: زدته لأنه كان أحب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وكان أبوه أحب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك.
كما أمر عمر بجريب من طعام فعجن ثم خبز ثم ثرد ثم دعا عليه ثلاثين رجلًا فأكلوا، ثم فعل في العشاء مثل ذلك، ثُمَّ قال: يكفي الرجل جريبان كل شهر، فرزق الناس جريبان كل شهر، والجريب من الطعام نحو مائة كيلوجرام.
وقد لاقي هذا التقسيم الرضى والقبول من عامَّة المسلمين، وبخاصَّةٍ أنَّها لم تتعارض مع الأعراف والقيم السلوكيَّة للقبائل الإسلامية المختلفة، ولا مع البنية القبليَّة للفاتحين، وتُحقِّق العدالة من واقع نصيب القبيلة في الجهاد، وتنسجم مع الأخلاقيَّة الدينية؛ لأنَّ إحصاء عمر رضي الله عنه للنَّاس صنَّفهم وِفْقَ معيارٍ دينيٍّ وهو الفضل والأسبقيَّة في الإسلام ونصرته.
تعقيب على الدواوين
1- دون عمر رضي الله عنه الديوان وفرض العطاء ليتفرَّغ المسلمون للجهاد، ولهذا منع قسمة الأراضي المفتوحة بين المقاتلين حتى لا يعملوا بالزراعة فتشغلهم عن الجهاد.
2- لم تكن الدواوين التي هي سجلَّات العطاء موجودةٌ كلُّها في المدينة، بل كان كلُّ ديوانٍ على حدة عند والي البلد التي فُرض فيها لأهل العطاء، كما كانت لغة الدواوين مختلفة حسب المنطقة الموجودة بها، فكانت لغة الدواوين في المدينة بالعربية، وفي العراق وفارس بالفارسية، والشام بالرومية، وفي خلافة عبد الملك بن مروان تم تعريب الدواوين كلها.
3- كان أبو بكر رضي الله عنه يرى أنَّ السابقة والقِدَم في الإسلام ثوابه على الله، وأنَّ المعاش "فالأسوة فيه خيرٌ من الأثرة"، لهذا قام بتوزيع الأموال القليلة التي كانت تصل إليه من أخماس الغنائم بالتساوي بين جميع المسلمين، وكان عمر رضي الله عنه أوَّل من رفع هذه المساواة في الرزق، وقد قال عمر رضي الله عنه: والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد.... ولكنا علي منازلنا من كتاب الله تعالى وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته.

إرسال تعليق