مقدمة
لقد بيَّن الله سبحانه وتعالى في مُحكمِ كتابه الكريم أنَّه جعل الأهلةَ مواقيتَ للناس كلِّهم، عربِهم وعجمِهم، يوقِّتونَ بها عباداتِهم، ومعاملاتِهم، قال تعالى: [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ] [البقرة: 197]، وقال في الصوم: [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ] [البقرة: 185]، وقال صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ».
وبالأهلة تُعرَفُ عدةُ الوفاةِ، والطلاقِ، والإيلاءِ، وتُعرَفُ آجالُ الدِّيونِ، وغيرُ ذلك، فعباداتنا ومعاملاتُنا مرتبطةٌ بالأهلة، كما قال ربُّ العزةِ: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ]، ولكن ظهرت الحاجة إلى التقويم فبدأ وضعه والعمل به في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
التقويم قبل الإسلام عند العرب
كان العرب قبل الإسلام يستعملون السنة قمرية وكان بها 12 شهرا قمريا تضبط من رؤية الهلال إلى رؤيته ثانية وكان فيها أربعة أشهر حرم يقعدون فيها عن القتال ويقيمون فيها أسواقهم بعكاظ وغيرها ويحجون إلى الكعبة وهم آمنون فى سفرهم وإقامتهم من الغارات والسلب وقطع الطريق.
لكنهم رغم اعتمادهم على شهور السنة القمرية، لم يعتمدوا تقويما خاصا بهم يؤرخون به أحداثهم، وإنما اعتمدوا في تأريخهم لأحداث حياتهم الهامة على حوادث تاريخية محددة، مثلًا: عام بناء الكعبة، عام الفجار، عام الفيل، عام سيل العرم. وبعد أن بُعِث النبيُّ صلى الله عليه وسلم وظهر الإسلام في مكة، وهاجر المسلمون إلى المدينة، أصبحوا يُطلِقون على كلِّ سنةٍ من السنوات اسمًا خاصًّا بها، فيقولون مثلًا: عام الخندق، كما قالوا في مكة عام الحزن، وعام الوداع، كما قالوا عام الرمادة في عهد عمر رضي الله عنه
وقد استخدم العرب عبر فترات تاريخهم الطويل قبل الإسلام أسماء للأشهر القمرية التي كانوا يعملون بها وقتئذ، إلى أن تغيرت تلك الأسماء وتوحدت في ربوع الأرض العربية لتأخذ صورتها المعروفة عليها منذ أواخر القرن الخامس الميلادي في عهد كلاب الجد الخامس للرسول محمد عليه الصلاة والسلام.
وضع التقويم الهجري
وردت الكثير من الروايات في سبب وضع التاريخ الهجري منها:
1- ورد أن أبا موسى كتب إليه، يقول له: إنك تكتب إلينا الكتب لا ندري متى هي, يختلط علينا شعبان هذا العام بشعبان السنة الماضية فلا ندري متى هي! فجمع الصحابة وأمرهم بأن يكتبوا تاريخاً.
2- قال عمر رضي الله عنه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضعوا للناس شيئًا يعرفونه، فقال بعضهم: اكتبوا على تأريخ الروم، فقيل: إنَّهم يكتبون من عهد ذي القرنين، فهذا يطول، وقال بعضهم: اكتبوا على تأريخ الفرس، فقيل: إنَّ الفرس كلَّما قام ملك طَرَح من كان قبله، فاجتمع رأيهم على أن ينظروا: كم أقام رسول الله بالمدينة؟ فوجدوه عشر سنين، فكُتب التأريخ من هجرة رسول الله.
3- قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «اتفق الصحابة رضي الله عنهم في الدولة العمرية على جعل ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وذلك أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، رفع إليه صك، أي حجة، لرجل على آخر، وفيه أنه يحل عليه في شعبان، فقال عمر: أي شعبان؟ أشعبان هذه السنة التي نحن فيها، أو السنة الماضية، أو الآتية؟ ثم جمع الصحابة فاستشارهم في وضع تأريخ يتعرفون به حلول الديون، وغير ذلك، فقال قائل: أرخوا كتاريخ الفرس. فكره ذلك، وكانت الفرس يؤرخون بملوكهم واحدا بعد واحد. وقال قائل: أرخوا بتاريخ الروم، فكره ذلك. وقال آخرون: أرخوا بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون: بل بمبعثه. وقال آخرون: بل بهجرته. وقال آخرون: بل بوفاته عليه السلام. فمال عمر رضي الله عنه إلى التأريخ بالهجرة لظهوره واشتهاره واتفقوا معه على ذلك.
وقد اختلفوا في أي شهر يبدأون به تقويمهم مثلما اختاروا سنةً لهذه البداية، فعن محمد بن سيرين رحمه الله، قال: قام رجلٌ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أرِّخوا، فقال عمر رضي الله عنه: ما أرِّخوا؟ قال: شيءٌ تفعله الأعاجم، يكتبون في شهر كذا من سنة كذا، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حَسَنٌ، فأرِّخوا. فقالوا: من أيِّ الشهور نبدأ؟ فقالوا: رمضان، ثم قالوا: المحرَّم، فهو منصرف الناس من حجِّهم، وهو شهرٌ حرام، فأجمعوا على المحرم.
وبذلك اتفق الصحابة علي بداية سنة التقويم الهجري من سنة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك اختاروا شهر بداية السنة وهو المحرم عملاً بمشورة عثمان بن عفان رضي الله عنه باعتماد المحرَّم بدايةً للسنة الهجريَّة على اعتبار أنَّه منصرف الناس من حَجِّهم، وهو شهر الله، قال الحسن البصري رحمه الله: إنَّ الله افتتح السنة بشهرٍ حرام، فليس في السنة شهرٌ بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرم، وكان يُسمَّى شهر الله الأحم من شدَّة تحريمه.
ولم يؤرخوا بالمبعثِ؛ لأنَّ في وقتِه خلافًا، ولا مِن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما في تذكُّرِ ذلك مِن التَّألُمِ، ولا مِن وقتِ قدومِه المدينةَ, وإنما جعلوه مِن أولِ المحرمِ؛ لأنَّ ابتداءَ العزمِ على الهجرةِ كان فيه, إذ البيعةُ كانت في ذي الحجة, وهي مقدمةٌ لها, وأولُ هلالٍ هَلَّ بعدها المحرمُ؛ ولأنه مُنصرَفُ الناسِ مِن حجِهم؛ فناسبَ جعْلُه مبتدًأ.
وقد بدأ العمل بالتاريخ الهجري في عام 17ه، وأوَّل من أرَّخ يعلي بن
أميَّة وهو باليمن، ويتكوَّن التقويم الهجرى من 12 شهرًا قمريًّا؛ أى أنَّ
السنة الهجريَّة تُساوي 354 يومًا تقريبًا، والشهر فى التقويم الهجري إمَّا
أن يكون 29 أو 30 يومًا.
إرسال تعليق