تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

حياة المسلمين في الحبشة

عمرو ضد المسلمين مرة أخرى

لم تنته المناظرة عند هذا الحد ولم يستسلم عمرو بن العاص بعد هزيمته أمام المسلمين ولكن هذه المرة تختلف عن الأولي، ففي المرة الأولى أراد عمرو من النجاشي أن يعيد المسلمين إلى مكة ولكن بعد هزيمته ضد المسلمين قرر هذه أن يخوض هذه الجولة ضدهم تنتهي بقتل النجاشي للمسلمين ولم يكن هذا الإقدام من أعمال المهمَّة التي كان عليه القيام بها من قِبَل قريش؛ ولكن الضربة التي تلقَّاها جعلته يتصرَّف بهذه الطريقة المنفردة.
قال عمرو بن العاص لعبد الله بن أبي ربيعة: «وَاللَّهِ لأُنَبِّئَنَّهُمْ غَدًا عَيْبَهُمْ عِنْدَهُمْ ثمَّ أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ».
فقال له عبد الله بن أبي ربيعة: «لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ لَهُمْ أَرْحَامًا وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا».
فقال عمرو بن العاص: «وَاللَّهِ لأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدٌ».
فقد كان أهل الحبشة يَتَّبعون كنيسة الإسكندرية، وكانوا يعتقدون أن المسيح عليه السلام هو إله تجسَّد في جسد بشر -تعالى الله عمَّا يصفون- ومثل هذا الخبر يعد أمراً عظيماً عند أهل الحبشة.
في اليوم التالي ذهب عمرو بن العاص إلى النجاشي وقال له: «أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عظيمًا فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ».
ولم يستطع النجاشي أن يتجاهل هذا الكلام كما أن هذا الكلام كان أمام وزراءه وبطاركته، ولذلك أرسل النجاشي إلى المسلمين تقول أم سلمة: "فَبَعَثَ وَاللهِ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهَا. فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: مَاذَا تَقُولُونَ لَهُ فِي عِيسَى إِنْ هُوَ يَسْأَلُكُمْ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: نَقُولُ وَاللهِ الَّذِي قَالَهُ اللهُ فِيهِ، وَالَّذِي أَمَرَنَا نَبِيُّنَا أَنْ نَقُولَهُ فِيهِ.
دخل جعفر بن أبي طالب علي النجاشي فسأله: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟
فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَقُولُ هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ.
وهنا فاجأ النجاشي الجميع برد فعله حيث ضرب الأرض بيده، وأخذ منها عودًا رفيعًا من النبات لا يكاد يُرَى، ثمَّ قال: «مَا عَدَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ».
ولكن قوله لم يعجب البطاركة فكان أن تناخرت أي أصدروا أصواتًا عالية تنمُّ عن الغضب والنفور من كلام النجاشي، فقال لهم النجاشي: «وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاللهِ».
ثم قال النجاشي لجعفر: "اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ شُيُومٌ فِي الأَرْضِ -الشُّيُومُ: الآمِنُونَ فِي الأَرْضِ- مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ثَلَاثًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبْرًا وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ، وَالدَّبْرُ بِلِسَانِهِمُ: الذَّهَبُ، ثمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: فَوَاللهِ مَا أَخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، وَلَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَ النَّاسَ فِيهِ،" فكان هذا قراراً باستضافة المسلمين في بلاده وحمايتهم.
ثم طرد عمرو بن العاص ووفد قريش ورد عليهم هداياهم فقال: "رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمْ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا، وَاخْرُجَا مِنْ بِلَادِي. فَخَرَجَا مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ".
ثم قال النجاشي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أشهد إِنَّهُ رَسُولُ الله، فَإِنَّهُ الَّذِي نَجِدُهُ فِي الإِنْجِيلِ، وَإِنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، انْزِلُوا حَيْثُ شِئْتُمْ، وَالله لَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ لأَتَيْتُهُ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أَحْمِلُ نَعْلَيْهِ، وَأُوَضِّئُهُ».

حياة المسلمين في الحبشة

قَالَتْ أم سلمة: "فَأَقَمْنَا مَعَ خَيْرِ جَارٍ فِي خَيْرِ دَارٍ"، وقالت مرَّة: «جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ، أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللهَ لَا نُؤْذَى وَلَا نَسْمَعُ شيئًا نَكْرَهُهُ».
كما أصدر النجاشي قانون لحماية المسلمين فقال مخاطبًا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: «اذْهَبْ فَأَنْتَ آمِنٌ بِأَرْضِي، فَمَنْ ضَرَبَكَ قَتَلْتُهُ، وَمَنْ سَبَّكَ غَرَّمْتُهُ» وهذا يُوَضِّح مدى حرص النجاشي على راحة المسلمين.
وقد زاد اهتمام النجاشي بجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال لحارسه: «مَتَى مَا أَتَاكَ هَذَا -يقصد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه- لِيَسْتَأْذِنَ عَلَيَّ فَأْذَنْ لَهُ عَلَيَّ إِلَّا أَنْ أَكُونَ عِنْدَ أَهْلِي، فَإِنْ كُنْتُ عِنْدَ أَهْلِي فَأَخْبِرْهُ، فَإِنْ أَبَى فَأْذَنْ لَهُ».

خروج أهل الحبشة على النجاشي

واجتمع أهل الحبشة وخرجوا علي النجاشي لأنه قال أن عيسى عليه السلام عبد قال ابن إسحاق: وَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «اجْتَمَعَتِ الْحَبَشَةُ فَقَالُوا لِلنَّجَاشِيِّ: إنَّكَ قَدْ فَارَقْتَ دِينَنَا. وَخَرَجُوا عَلَيْهِ».
فكان أول ما قام به النجاشي هو حماية جعفر وأصحابه « فَأَرْسَلَ إلَى جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، فَهَيَّأَ لَهُمْ سُفُنًا، وَقَالَ: ارْكَبُوا فِيهَا وَكُونُوا كَمَا أَنْتُمْ، فَإِنْ هُزِمْتُ فَامْضُوا حَتَّى تَلْحَقُوا بِحَيْثُ شِئْتُمْ، وَإِنْ ظَفِرْتُ فَاثْبُتُوا.».
«ثُمَّ عَمَدَ إلَى كِتَابٍ فَكَتَبَ فِيهِ: هُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ، ثُمَّ جَعَلَهُ فِي قَبَائِهِ عِنْدَ الْمَنْكِبِ الأَيْمَنِ، وَخَرَجَ إلَى الْحَبَشَةِ، وَصُفُّوا لَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْحَبَشَةِ، أَلَسْتُ أَحَقَّ النَّاسِ بِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَكَيْفَ رَأَيْتُمْ سِيرَتِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ سِيرَةٍ. قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ؟ قَالُوا: فَارَقْتَ دِينَنَا، وَزَعَمْتَ أَنَّ عِيسَى عَبْدٌ. قَالَ: فَمَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ فِي عِيسَى؟ قَالُوا: نَقُولُ هُوَ ابْنُ اللهِ. فَقَالَ النَّجَاشِيُّ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ عَلَى قَبَائِهِ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَعْنِي مَا كَتَبَ، فَرُضُّوا وَانْصَرَفُوا».
تقول أم سلمة رضي الله عنها: «وَسَارَ النَّجَاشِيُّ وَبَيْنَهُمَا عُرْضُ النِّيلِ، قَالَتْ: فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقْعَةَ الْقَوْمِ ثُمَّ يَأْتِيَنَا بِالْخَبَرِ؟ قَالَتْ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: أَنَا. قَالَتْ: وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ الْقَوْمِ سِنًّا، قَالَتْ: فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً، فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ ثُمَّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا مُلْتَقَى الْقَوْمِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهُمْ. قَالَتْ: وَدَعَوْنَا اللهَ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلادِهِ، فَجَاءَنَا الزُّبَيْرُ رضي الله عنه فَجَعَلَ يُلِيحُ إِلَيْنَا بِرِدَائِهِ وَيَقُولُ: أَلَا أَبْشِرُوا فَقَدْ أَظْهَرَ اللهُ النَّجَاشِيَّ. فَوَاللهِ مَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِظُهُورِ النَّجَاشِيِّ وَاسْتَوْسَقَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَبَشَةِ، فَكُنَّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ بِمَكَّةَ».

عودة المسلمين من الحبشة

كانت عودة المسلمين من الحبشة على ثلاث مجموعات:
1- المجموعة الأولى كانت في أوائل العام الثالث عشر للبعثة وهؤلاء عادوا من الحبشة ثم هاجروا إلى المدينة ومنهم أبو سلمة وأم سلمة، وعثمان بن مظعون وعثمان بن عفان وزوجته.
2- المجموعة الثانية وهم الذين عادوا بعد سماعهم بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ومنهم عبد الله بن جحش وعبد الرحمن بن عوف وقد تأخر عنهم عبد الله بن مسعود ولكنه لحق بهم قبل غزوة بدر.
3- المجموعة الثالثة وهم الذين جاءوا بعد فتح خيبر ومنهم جعفر بن أبي طالب وزوجته أسماء بنت عميس وأبو موسى الأشعري وكانوا ستة عشر رجلًا فقط ومعهم أربع نساء تقريبًا وخمسة أطفال.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب