مقدمة
كانت هجرة المسلمين الأولي إلى الحبشة فتحاً جديداً وخيراً للمسلمين واستطاعوا أن يكسبوا أرضاً جديدة تكون منطلقاً لدعوتهم واستطاعوا أن يقيموا شعائر دينهم بأمان، ولكن لم تدم الهجرة طويلاً فقد وصلت الأخبار إلى المسلمين في الحبشة أن قريشاً هادنت الإسلام وتركت أهله أحراراً وهناك من أخبرهم أن قريش كلها أسلمت لمجرد أنهم سجدوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم عندما قرأ سورة النجم، فتجهز الكثير منهم وعاد إلى مكة ليكتشف أن الأمر خلاف ما ظنوه وأن قريش مازالت علي كفرها وعنادها وقد ازداد التعذيب علي المسلمين وازداد أذية النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة عمه أبو طالب، فرجع من رجع منهم، ومن دخل مكة دخلها مستخفياً، أو في جوار رجل من المشركين، ثم زاد المشركون في تعذيب هؤلاء العائدين وسائر المسلمين.
متي كانت هجرة الحبشة الثانية
كانت هذه الهجرة في العام العاشر من البعثة وذلك لعدة أسباب منها: أن عبدالله بن مسعود كان ضمن المهاجرين إلى الحبشة في المرة الثانية وكان عبد الله بن مسعود شاهداً علي قصة إلقاء سلا الجزور علي ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وقد حدثت هذه الحادثة بعد وفاة أبو طالب حيث تجرأت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن عبدالله بن مسعود شاهداً على قصة سجود المشركين خلف النبي صلى الله عليه وسلم عندما قرأ سورة النجم فسجد وسجدوا خلفه وكانت هذه الحادثة في العام العاشر أيضاً.
الهجرة إلى الحبشة
كما ذكرنا من قبل أن من عاد من الحبشة وحين اكتشف حقيقة أن قريش لم تدخل في الإسلام رجع بعضهم إلى الحبشة مرة أخرى وأما من دخل مكة فقد دخلها مستخفياً أو في جوار رجل من قريش، ولكنهم لم يسلموا من التعذيب، واشتد تعذيب قريش للمسلمين فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة.
ولكن قريش حاولت إحباط محاولتهم للهجرة وكانت متيقظة هذه المرة إلا أن المسلمين كانوا أسرع وانحازوا إلى نَجاشيِّ الحَبشةِ قبلَ أن يُدركوا، وهاجر هذه المرة مِنَ الرِّجالِ ثلاثةٌ وثمانون رجلًا، وثماني عشرةَ أو تسعَ عشرةَ امرأةً، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «بَعَثَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَنَحْنُ نَحْوًا مِنْ ثَمَانِينَ رجلًا فِيهِمْ عَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ، وَجَعْفَرٌ، وَعَبْدُ الله بْنُ عَرْفَطَةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونَ، وَأَبُو مُوسَى، فَأَتَوُا النَّجَاشِيَّ..».
موقف قريش من هجرة المسلمين
قررت قريش إعادة المسلمين الذين في الحبشة إلى مكة فقاموا بتجهيز وفد يذهب إلى النجاشي ويطلب منه إعادة المسلمين، كما وضع القرشيون على رأس هذا الوفد أحد أكبر دهاتهم وهو عمرو بن العاص وذلك لأنه يتميز بصفات تؤهله لقيادة الوفد كما أنه صديق قديم للنجاشي، كما وضعت معه قريش على رأس الوفد عمارة بن الوليد بن المغيرة وكان من أجمل فتيان مكة وأبهاهم منظرًا، وهذا ليعطي هيبة وجلالًا للوفد القرشي، ومعهما وضع المشركون على قمة الوفد كذلك قائدًا ثالثًا هو عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي.
حملت قريش الوفد بالهدايا الثمينة وكان من ضمنها الجلود حيث كان يحبها أهل الحبشة كثيراً، ولم تكن الهدايا للملك فقط بل كانت له ولبطارقته وحاشيته وذلك لكي يكسب عمرو بن العاص رجال الملك في صفه.
"عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ابْنَةِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ، أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللهَ لَا نُؤْذَى وَلَا نَسْمَعُ شيئًا نَكْرَهُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قريشًا ائْتَمَرُوا أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فِينَا رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ، وَأَنْ يُهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَيْهِ الأَدَمُ، فَجَمَعُوا لَهُ أَدَمًا كثيرًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إِلَّا أَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً، ثمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ وَعمرو بن العاص بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَأَمَرُوهُمَا أَمْرَهُمْ، وَقَالُوا لَهُمَا: ادْفَعُوا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمُوا النَّجَاشِيَّ فِيهِمْ، ثمَّ قَدِّمُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَاهُ، ثمَّ سَلُوهُ أَنْ يُسْلِمَهُمْ إِلَيْكُمْ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ. قَالَتْ: فَخَرَجَا فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ وَنَحْنُ عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ وَعِنْدَ خَيْرِ جَارٍ.."
النجاشي ووفد قريش
وصل عمرو بن العاص إلى الحبشة ولكنه لم يذهب مباشرة لمقابلة الملك بل ذهب إلى بطارقته ورجاله والذين يكونون عادة في مجلس النجاشي، وأعطاهم عمرو بن العاص من الهدايا الكثيرة التي أحضرها معه وطلب منهم أن يكونوا معه ضد المسلمين وقد نجح عمرو بن العاص في ذلك وقبلوا منه جميعًا الهدايا، وسمعوا لرأيه، واقتنعوا بفكرته.
قَالَتْ أم سلمة: فَخَرَجَا فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ وَنَحْنُ عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ وَعِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقٌ إِلَّا دَفَعَا إِلَيْهِ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ، ثمَّ قَالَا لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ: إِنَّهُ قَدْ صَبَا إِلَى بَلَدِ الْمَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ، وَجَاءُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَى الْمَلِكِ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ لِيَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا كَلَّمْنَا الْمَلِكَ فِيهِمْ فَتُشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُسْلِمَهُمْ إِلَيْنَا وَلَا يُكَلِّمَهُمْ، فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ. فَقَالُوا لَهُمَا: نَعَمْ.
قالت أم سلمة: ثمَّ إِنَّهُمَا قَرَّبَا هَدَايَاهُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمَا، ثمَّ كَلَّمَاهُ فَقَالَا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ قَدْ صَبَا إِلَى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ، وَجَاءُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ لِتَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وَعَاتَبُوهُمْ فِيهِ. قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ النَّجَاشِيُّ كَلَامَهُمْ.
وكان عمرو بن العاص يُريد أن يُوغر صدر النجاشي على المسلمين الذين لجئوا إلى بلده بكلامه هذا، وكان أبغض شئ لعمرو هو أن يسمع النجاشي كلام المسلمين لأنه يعلم أن حجتهم قوية وسوف ينتصروا عليه، كما دعم البطاركة عمرو فقالوا للملك: «صَدَقُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ، قَوْمُهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ، فَأَسْلِمْهُمْ إِلَيْهِمَا فَلْيَرُدَّاهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ وَقَوْمِهِمْ».
ولأن النجاشي ملك لا يظلم عنده أحد ورغم أن علاقته بعمرو وقريش قوية إلا أنه قرر أن يسمع للمسلمن فقال: «لَا هَا اللهِ ايْمُ اللهِ إِذَنْ لَا أُسْلِمُهُمْ إِلَيْهِمَا، وَلَا أُكَادُ قَوْمًا جَاوَرُونِي وَنَزَلُوا بِلَادِي وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ؛ حَتَّى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ مَاذَا يَقُولُ هَذَانِ فِي أَمْرِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولَانِ أَسْلَمْتُهُمْ إِلَيْهِمَا وَرَدَدْتُهُمْ إِلَى قَوْمِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمَا وَأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي»، ولذلك أرسل النجاشي في طلب المسلمين.
النجاشي ووفد المسلمين
قَالَتْ: ثمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا ثمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إِذَا جِئْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ وَاللهِ مَا عَلَّمَنَا وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم كَائِنٌ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ.
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ كَانَ الَّذِي يُكَلِّمُهُ مِنْهُمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه. فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ؟ فَارَقْتُمْ دِينَ قَوْمِكُمْ وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي يَهُودِيَّة وَلَا نَصْرَانِيَّة. فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا عَلَى الشِّرْكِ، نَعْبُدُ الأَوْثَانَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَسْتَحِلُّ الْمَحَارِمَ بَعْضُنَا مِنْ بَعْضٍ فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ وَغَيْرِهَا، لَا نُحِلُّ شَيْئًا وَلَا نُحَرِّمُهُ، فَبَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا نَعْرِفُ وَفَاءَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ، فَدَعَانَا إِلَى أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَصِلَ الأَرْحَامَ وَنَحْمِيَ الْجِوَارَ، وَنُصَلِّيَ للهِ عز وجل وَنَصُومَ لَهُ وَلَا نَعْبُدَ غَيْرَهُ. فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا لِيَفْتِنُونَا عَنْ دِينِنَا وَيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الْخَبَائِثِ. فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَضَيَّقُوا عَلَيْنَا وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إِلَى بِلَادِكَ وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ وَرَجَوْنَا أَلا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. قَالَتْ: فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِمَّا جَاءَ بِهِ؟ فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ «كهيعص»، فَبَكَى وَاللهِ النَّجَاشِيُّ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَيَخْرُجُ مِنَ الْمِشْكَاةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُوسَى، انْطَلِقُوا رَاشِدِينَ، لَا وَاللهِ لَا أَرُدُّهُمْ عَلَيْكُمْ وَلَا أُنْعِمُكُمْ عَيْنًا. فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْده".
ولكن لم تنتهي المناظرة إلى هنا فقد قرر عمرو بن العاص أن يخوض جولة أخرى ضد المسلمين بعد هزيمته في الجولة الأولى ولكن هذه المرة كانت مختلفة عن الأولي.
إرسال تعليق