مقدمة عن العام الحادي عشر من البعثة
هاجر أكثر من نصف المسلمين إلى الحبشة بعدما ازداد حنق المشركين علي النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين أما من بقي في مكة فقد كمن دون حراك، وفي ذلك الوقت كان النبي صلى الله عليه وسلم في إجارة المطعم بن عدي وهو رجل كافر حيث ابتعدت بني هاشم عن الساحة بعد وفاة أبو طالب.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو كل من قدم إلى مكة ولم يكن صلى الله عليه وسلم يسمع بقادم إلى مكة من العرب، له اسم وشرف، إلا تصدى له، فدعاه إلى الله، وعرض عليه ما عنده، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة يدعوهم إلى الإسلام والإيمان بالله أما الآن فقد تغير الوضع وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى نصرته حتي يبلغ رسالة ربه.
يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْقِفِ فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ فَإِنَّ قريشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي».
ويقول كذلك: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ فَيَقُولُ: «هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ فَإِنَّ قريشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي عز وجل؟» فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ هَمْدَانَ فَقَالَ: «مِمَّنْ أَنْتَ؟» فَقَالَ الرَّجُلُ: مِنْ هَمْدَانَ. قَالَ: «فَهَلْ عِنْدَ قَوْمِكَ مِنْ مَنَعَةٍ؟» قَالَ: نَعَمْ. ثمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَشِيَ أَنْ يَحْقِرَهُ قَوْمُهُ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: آتِيهِمْ فَأُخْبِرُهُمْ ثمَّ آتِيكَ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ. قَالَ: «نَعَمْ». فَانْطَلَقَ وَجَاءَ وَفْدُ الأَنْصَارِ فِي رَجَبٍ.
خطة النبي صلى الله عليه وسلم لدعوة القبائل
اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم بعض الإجراءات التي تضمن له نجاح مهمته وتأمين اللقاء حيث كان دعوته صلى الله عليه وسلم للقبائل بمثابة إعلان حرب علي مكة فكان من ضمن الإجراءات:
1- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب إلى هذه القبائل ليلًا أو في وقت الظهيرة حتى لا يلفت أنظار القرشيين.
2- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي القبائل في منازلهم بعيدًا عن الكعبة، بل كان يذهب إليهم خارج مكة بعيدًا عن أعين المراقبين.
3- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصطحب معه أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وأحيانًا علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ وذلك لأن أبا بكر الصديق كان يعرف أنساب القبائل، فكان يستطيع أن يُمَيِّز بين القبيلة القوية الشريفة والقبيلة الضعيفة القليلة.
قبيلة كندة
قابل النبي صلى الله عليه وسلم الكثير من القبائل في موسم الحج فلم يكل ولم يمل صلى الله عليه وسلم، وكان من ضمن هذه القبائل قبيلة كندة، وكانت هذه القبيلة تحكم منطقة كبيرة من الجزيرة العربية وكان منها الكثير من الملوك، ولذلك رفضوا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وتأخر إسلامهم حتى العام التاسع من الهجرة قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: أَنَّهُ أَتَى كِنْدَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَفِيهِمْ سَيِّدٌ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: مُلَيْحٌ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللهِ عز وجل، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ.
ورغم رفضهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنهم لم يخرجوا عن حدود الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم قال البلاذري: «ولم يكن حي من العرب ألين قولًا له ولا أحسن ردًّا عليه من كندة».
قبيلة بني كلب
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَتَى كَلْبًا فِي مَنَازِلِهِمْ، إلَى بَطْنٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَبْدِ اللهِ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، حَتَّى إنَّهُ لَيَقُولُ لَهُمْ: يَا بَنِي عَبْدِ اللهِ، إنَّ اللهَ عز وجل قَدْ أَحْسَنَ اسْمَ أَبِيكُمْ. فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ.
وكانت قبيلة بني كلب من ضمن القبائل التي دعاها النبي صلى الله عليه وسلم وليس القبيلة كلها إنما فرع منهم ولكنهم رفضوا، قال البلاذري: «ودعا كلبًا، فلم يقبلوا منه، وقال شيخ منهم: ما أحسن ما يدعو إليه هذا الفتى إلا أن قومه قد باعدوه، ولو صالح قومه، لاتبعته العرب».
قبيلة بني حنيفة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى بَنِي حَنِيفَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ أَقْبَحَ عَلَيْهِ رَدًّا مِنْهُمْ.
كانت هذه القبيلة هي أقبح القبائل رداً على النبي صلى الله عليه وسلم وقد ظلوا علي هذا الحال حتي العام التاسع الهجري حين جاء وفداً منهم فأسلموا ثم ارتدوا مرة أخرى، وكان ذلك لسببين الأول أنهم من ربيعة والنبي صلى الله عليه وسلم من مضر ومع أن الفرعين ينتميان في النهاية إلى عدنان فإن المنافَسة كانت بين الفرعين على أشدِّها، والسبب الثاني أنهم كانوا في معظمهم من الأعراب الذين لم يألفوا حياة المدن والتحضُّر، فكان طول العيش في الصحراء سببًا في جفاء أخلاقهم، وغلظة طباعهم.
بني عامر بن صعصعة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: «وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ أَتَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللهِ عز وجل، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ -يُقَالُ لَهُ: بَيْحَرَةُ بْنُ فِرَاسٍ-: وَاللهِ، لَوْ أَنِّي أَخَذْتُ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ، لأَكَلْتُ بِهِ الْعَرَبَ. ثُمَّ قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ نَحْنُ تَابَعْنَاكَ عَلَى أمْرِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللهُ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، أَيَكُونُ لَنَا الأَمْرُ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: «الأَمْرُ إلَى اللهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ». قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أَفَتُهْدَفُ نَحُورُنَا لِلْعَرَبِ دُونَكَ، فَإِذَا أَظْهَرَكَ اللهُ كَانَ الأَمْرُ لِغَيْرِنَا! لَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِكَ. فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ رَجَعَتْ بَنُو عَامِرٍ إلَى شَيْخٍ لَهُمْ، قَدْ كَانَتْ أَدْرَكَتْهُ السِّنُّ، حَتَّى لَا يَقْدِرَ أَنْ يُوَافِيَ مَعَهُمُ الْمَوَاسِمَ، فَكَانُوا إذَا رَجَعُوا إلَيْهِ حَدَّثُوهُ بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِك الْمَوْسِمِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ ذَلِك الْعَامَ سَأَلَهُمْ عَمَّا كَانَ فِي مَوْسِمِهِمْ، فَقَالُوا: جَاءَنَا فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، يَدْعُونَا إلَى أَنْ نَمْنَعَهُ وَنَقُومَ مَعَهُ، وَنَخْرُجَ بِهِ إلَى بِلَادِنَا. قَالَ: فَوَضَعَ الشَّيْخُ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ، هَلْ لَهَا مِنْ تَلَافٍ، هَلْ لِذُنَابَاهَا مِنْ مَطْلَبٍ، وَالَّذِي نَفْسُ فُلَانٍ بِيَدِهِ، مَا تَقَوَّلَهَا إسْمَاعِيلِيٌّ قَطُّ، وَإِنَّهَا لَحَقٌّ، فَأَيْنَ رَأْيُكُمْ كَانَ عَنْكُمْ؟».
كانت قبيلة بني عامر قبيلة كبيرة وقوية ذهب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وعرض عليهم الإسلام والنصرة فأعجبهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم كان بيحرة يعلم أن هذه الرسالة سيكون لها شأن كبير، ويرى أنه لو كان حاميًا لها مدافعًا عنها فإنه سيأتي وقت يُسيطر فيه على العرب أجمعين، ولكنه كان يبحث عن الزعامة والرئاسة وأن يكون الأمر لهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأَمْرُ إِلَى اللهِ، يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ».
دعوة سويد بن الصامت
كان شاعرًا لبيباً من سكان يثرب، يسميه قومه الكامل، لِجَلَدِهِ وَشِعْرِه وَشَرَفه ونسبه، جاء مكة حاجا أو معتمرا، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقال سويد: "لعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما الذي معك؟ قال: حكمة لقمان، قال: اعرضها عليّ، فعرضها، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم: إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله تعالى علي، هو هدى ونور، فَتَلَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْقُرْآنَ وَدَعَاهُ إلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ، وَقَالَ: إنَّ هَذَا لَقَوْلٌ حَسَنٌ. ثمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى قَوْمِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَتَلَتْهُ الْخَزْرَجُ، فَإِنْ كَانَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ لَيَقُولُونَ: إنَّا لَنَرَاهُ قَدْ قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ. وَكَانَ قَتْلُهُ قَبْلَ يَوْمِ بُعَاثٍ.
إسلام إياس بن معاذ
عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَخِي بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو الْحَيْسَرِ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ مَكَّةَ وَمَعَهُ فِتْيَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ فِيهِمْ إِيَاسُ بْنُ معَاذٍ يَلْتَمِسُونَ الْحِلْفَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنَ الْخَزْرَجِ سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَاهُمْ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: «هَلْ لَكُمْ إِلَى خَيْرٍ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ؟» قَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: «أَنَا رَسُولُ اللهِ بَعَثَنِي إِلَى الْعِبَادِ أَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ لَا يُشْرِكُوا بِهِ شيئًا، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ كِتَابٌ». ثمَّ ذَكَرَ الإِسْلَامَ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ إِيَاسُ بْنُ معَاذٍ -وَكَانَ غلامًا حَدَثًا-: أَيْ قَوْمِ هَذَا وَاللهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ. قَالَ: فَأَخَذَ أَبُو الْحَيْسَرِ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ فَضَرَبَ بِهَا فِي وَجْهِ إِيَاسِ بْنِ معَاذٍ، وَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهُمْ، وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكَانَتْ وَقْعَةُ بُعَاثٍ بَيْنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، قَالَ: ثمَّ لَمْ يَلْبَثْ إِيَاسُ بْنُ معَاذٍ أَنْ هَلَكَ. قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَهُ يُهَلِّلُ اللهَ وَيُكَبِّرُهُ وَيَحْمَدُهُ وَيُسَبِّحُهُ حَتَّى مَاتَ، فَمَا كَانُوا يَشُكُّونَ أَنْ قَدْ مَاتَ مسلمًا.
ثم كان لقاء النبي صلى الله عليه وسلم مع بني شيبان وكان هذا اللقاء مختلفاً عن اللقاءات السابقة.
إرسال تعليق