نسبه ومولده
هو زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة.
ولد قبل الهجرة بسبعة وأربعين سنة، وقيل بثلاثة وأربعين سنة في ديار قومه بني كلب أحد بطون قضاعة.
زيد مولي النبي صلى الله عليه وسلم
خرجت به أمه تزور قومها بني معن، فأغارت عليهم خيل بني القين بن جسر، وأخذوا زيد أسيراً وقاموا ببيعه في سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمَّتِه خديجة بنت خويلد، فوهبته خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل النبوة.
وقد وفد أناساً من بني كلب للحج في مكة فرأوا زيد فعرفهم وعرفوه، فذهبوا وأخبروا أبوه بمكانه.
خرج حارثة وأخوه كعب ابنا شراحيل لفدائه، فقدما مكة، فدخلا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا ابن عبد المطلب، يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه، جئناك في ابننا عندك فامنن علينا، وأحسن إلينا في فدائه. فقال: "مَنْ هُوَ؟" قالوا: زيد بن حارثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَهَلاَّ غَيْرَ ذَلِكَ". قالوا: ما هو؟ قال: "ادْعُوهُ وَخَيِّرُوهُ، فَإِنِ اخْتَارَكُمْ فَهُوَ لَكُمْ، وَإِنِ اخْتَارَنِي فَوَاللَّهِ مَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَى مَنِ اخْتَارَنِي أَحَدًا". قالا: قد زدتنا على النَّصْف وأحسنت.
فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هَلْ تَعِرْفُ هَؤُلاَءِ؟" قال: نعم. هذا أبي وهذا عمي. قال: "أَنَا مَنْ قَدْ عَرَفْتَ، وَرَأَيْتَ صُحْبَتِي لَكَ، فَاخْتَرْنِي أَوِ اخْتَرْهُمَا". قال: ما أريدهما، وما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني مكان الأب والعم. فقالا: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وأهل بيتك؟! قال: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئًا، ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحِجْر، فقال: "يَا مَنْ حَضَرَ، اشْهَدُوا أَنَّ زَيْدًا ابْنِي، يَرِثُنِي وَأَرِثُهُ". فلما رأى ذلك أبوه وعمُّه طابت نفوسهما وانصرفا.
وفي رواية أخرى قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ بِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَصَيْفًا، فَاسْتَوْهَبَتْهُ مِنْهُ عَمَّتُهُ خَدِيجَةُ، وَهِي يَوْمَئِذٍ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَوَهَبَهُ لَهَا، فَوَهَبَتْهُ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَعْتَقَهُ وَتَبَنَّاهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ أَبُوهُ وَهُوَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنْ شِئْتَ فَأَقِمْ عِنْدِي، وَإِنْ شِئْتَ فَانْطَلِقْ مَعَ أَبِيكَ". قَالَ: بَلْ أُقِيمُ عِنْدَكَ. فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَعَثَهُ اللهُ، فَصَدَّقَهُ وَأَسْلَمَ وَصَلَّى مَعَهُ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ عز وجل {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} [الأحزاب: 5] قَالَ: أَنَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ.
إسلامه
كان زيد رضي الله عنه من السابقين الأولين إلى الإسلام وهو أول من أسلم من الموالي، وكان عمره في حدود الثلاثين، وقد بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في مكة حتي أمره بالهجرة إلى المدينة، وقد آخي النبي صلى الله عليه وسلم بين زيد بن حارثة وعمه حمزة بن عبدالمطلب.
وقد حضر الغزوات كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أرسله النبي إلى المدينة يبشرهم بنصره في بدر، وقد كان زيد رضي الله عنه أميراً علي سبعة سرايا.
زيد بن حارثة وذكره في القرآن
كان زيد رضي الله عنه هو الصحابي الوحيد الذي ذكر اسمه في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا}[الأحزاب: 37].
وكانت تحته زينب بنت جحش ابنة عمة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكان قد وقع في قلب الرسول لو طلقها زيد لتزوَّجها، فقدَّر اللّه أن يكون بينها وبين زيد ما اقتضى أن جاء زيد بن حارثة يستأذن النبي صلى اللّه عليه وسلم في فراقها.
وكان زيد بن حارثة يُدعى " زيد بن محمد " قد تبناه النبي صلى اللّه عليه وسلم، فصار يدعى إليه حتى نزل (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ) فقيل له: " زيد بن حارثة ".
زيد بن حارثة وغزوة مؤتة
عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: بعثَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ جَيشَ الأمراءِ فقالَ: عليكُم زيدُ بنُ حارثةَ، فإن أصيبَ زيدٌ فجعفرُ بنُ أبي طالبٍ، فإن أُصيبَ جعفَرٌ فعبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ الأنصاريُّ فوثبَ جعفرٌ فقالَ: بأبي أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللَّهِ ما كنتُ أرهبُ أن تَستَعملَ عليَّ زيدًا قالَ: امضِهْ، فإنَّكَ لا تدري أيِّ ذلِكَ خيرٌ ؟ فانطلقوا، فلبِثوا ما شاءَ اللَّهُ، ثمَّ إنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ صعِدَ المنبرَ، وأمرَ أن يُنادَى الصَّلاةُ جامعةٌ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ نابَ خيرٌ أو باتَ خيرٌ أو ثابَ خيرٌ شكَّ عبدُ الرَّحمنِ يعني ابنَ مهديٍّ ألا أخبرُكُم عَن جيشِكُم هذا الغازي ؟ إنَّهمُ انطلقوا، فلقَوا العدوَّ، فأصيبَ زيدٌ شَهيدًا، فاستَغفِروا لَهُ، ثمَّ أخذا اللِّواءَ جعفرُ بنُ أبي طالبٍ، فشدَّ علَى القومِ حتَّى قُتلَ شَهيدًا، أشهدُ لهُ بالشَّهادةِ، فاستَغفِروا لَهُ، ثمَّ أخذَ اللِّواءَ عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ، فأثبتَ قدميهِ حتَّى قُتلَ شَهيدًا، فاستَغفِروا لَهُ، ثمَّ أخذَ اللِّواءَ خالدُ بنُ الوليدِ، ولم يَكُن مِنَ الأمراءِ هوَ أمَّرَ نفسَهُ، ثمَّ رفعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ أصبُعَيْهِ فقالَ: اللَّهمَّ هو سيفٌ من سيوفِكَ، فانصُرهُ فمِن يومِئذٍ سُمِّيَ خالدُ سيفَ اللَّهِ ثمَّ قالَ: انفِروا فأمد إخوانَكُم، ولا يتَخلَّفَنَّ أحَدٌ فنفرَ النَّاسُ في حرٍّ شديدٍ مشاةً ورُكْبانًا.
وكانت مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، وقتل زيد يومئذ وهو ابن خمس وخمسين سنة.
صفته وأسرته
كان زيد بن حارثة قصيرًا، شديد الأدمة، أفطس وقيل كان شديد البياض أحمر، وكان ابنه أسامة آدم شديد الأدمة.
أما أسرته فقد زوّجه النبي محمد من مولاته وحاضنته أم أيمن، فولدت له أسامة.
وتزوج ابنة عمة النبي زينب بنت جحش ثم طلّقها.
وتزوّج أم كلثوم بنت عقبة بن معيط فأنجبت له زيد لكنه مات صغيرًا، ورُقية ماتت أخرى صغيرة.
وتزوّج هند بنت العوام بن خويلد أخت الزبير.
مناقبه وفضائله
قالت عائشة بنت أبي بكر عن زيد: «ما بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زيد بن حارثة في سريّة، إلا أمره عليهم، ولو بقي لاستخلفه».
وحين فرض عمر بن الخطاب لأسامة بن زيد عطاءً من بيت مال المسلمين أكثر مما فرض لابنه عبد الله بن عمر، كلمه عبد الله في ذلك، فقال: «إنه كان أحب إلى رسول الله منك، وإن أباه كان أحب إلى رسول الله من أبيك».
وكان أصحاب النبي محمد يُسمونه «حِبُّ رسول الله».

إرسال تعليق