مقدمة
كان القرآن الكريم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم متفرقاً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص علي إلا يفلت شئ منه حتى نزل قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة:16-19].
فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يكون صامتاً مطرقاً حتى ينتهي الوحي ثم يدعو كتبة الوحي ليكتبوا ما نزل من القرآن الكريم.
وكان كتبة الوحي يكتبون علي الرقاع واللخاف والعسب والكرانيف والأقتاب والأكتاف وهي عظام البعير والشاة، كما كان الصحابة يحفظون القرآن أولاً بأول وكانوا حريصين على ذلك وكانت لديهم ذاكرة قوية ساعدتهم علي الحفظ، كما كان جبريل عليه السلام يعارض النبي صلى الله عليه وسلم مرة كل عام بالقرآن في رمضان، وعارضه في السنة التي توفي فيها مرتين.
ومن أشهر كتاب الوحي: علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت... وغيرهم، وكثير من الصحابة كان يكتب لنفسه خاصة.
وقد حفظ القرآن كثير من الصحابة أشهرهم: أُبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب وغيرهم الكثير.
جمع القرآن في عهد الصديق
في حياة النبي صلى الله عليه وسلم استشهد سبعون من القراء في حادثة بئر معونة، وفي معركة اليمامة قتل الكثير من قراء القرآن وحفظته فذهب عمر رضي الله عنه إلى الصديق وقال: إن القتل قد استحر - اشتد - يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن.
كان الصديق رضي الله عنه معارضاً لهذه الفكرة في أول الأمر وقال: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فما زال عمر بأبي بكر يشرح له أهمية الأمر حتي شرح الله صدر أبو بكر لهذا الأمر، فأرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت وعنده عمر، فأشار عليه بالقيام بهذه المهمة، وقال: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه.
يقول زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علي مما كلفني من جمع القرآن.
خطة جمع القرآن
قام زيد فتتبع القرآن يجمعه من الرقاع والأكتاف والعُسب وصدور الرجال…وكانت الصحف التي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر.
أسباب اختيار زيد بن ثابت لجمع القرآن
- أنه كان شاباً يافعاً، وهذه الصفات تؤهله للقيام بمثل هذا العمل الصعب.
- أن زيداً كان معروفاً بوفرة عقله.
- أن زيداً كان يلي كتابة الوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد شاهد من أحوال القرآن ما لم يشاهده غيره.
- أنه لم يكن متهماً في دينه، فقد كان معروفاً بشدة الورع والأمانة وكمال الخلق والاستقامة في الدين.
- أنه كان حافظاً للقرآن الكريم عن ظهر قلب، قال أبو عبد الرحمن السلمي: قرأ زيد بن ثابت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الذي توفاه الله فيه مرتين، وإنما سُميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت، لأنه كتبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأها عليه وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمد عليه أبو بكر وعمر في جمع القرآن، وولاه عثمان كتابة المصاحف.
رُوي عن علي رضي الله عنه أنه قال: رحمة الله على أبي بكر، كان أعظم الناس أجراً في جمع المصاحف، وهو أول من جمع بين اللوحين، قال ابن حجر: وإذا تأمل المنصف ما فعله أبو بكر من ذلك جزم بأنه يُعدُّ في فضائله، ويُنوِّه بعظيم منقبته، لثبوت قوله صلى الله عليه وسلم: (من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) رواه مسلم. ثم قال: فما جمع أحد بعده إلا كان له مثل أجره إلى يوم القيامة.
-------------------------------------------
* المصادر
- تاريخ الرسل والملوك الطبري
- الانشراح ورفع الضيق في سيرة الصديق
- تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية
- سيرة الخلفاء الراشدين من سير أعلام النبلاء

إرسال تعليق