نسبه ونشأته
شداد بن أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام بن حديلة أبو يعلى
بن أخي حسان بن ثابت الأنصاري، صحابي جليل، كان من سادات الصحابة وفضلائهم،
عالمًا عاملاً، وهو ابنُ أخي حسان بن ثابت، الأنصاري، لقب بشاعر النبي صلى
الله عليه وسلم، وهو من الصحابة الكرام، اشتهر بعلمه وزهده وكثره تعبده،
فقد كان كثير العبادة والورع وكثير الخوف من الله وقد روي الكثير من
الأحاديث النبوية عن رسول الله.
نشأ الصحابي شداد بن أوس في اسرة
بذلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما تملك من تأييد ونصره، فوالده أوس
بن ثابت الأنصاري كان أحد الرجال السبعين الذين بايعوا الرسول في ليلة
العقبة وعاهدوه أن يمنعوا عنه وعن من معه ما يمنعوا عن أهلهم، وأن يحافظوا
على الرسول والمسلمين ويكونوا لهم اخوة، وظل في كنف رسول الله يناضل ويحارب
الكفار وشهد غدوة بدر، واستشهد في غدوة أحد.
وقد اتيح لبيت شداد بن
أوس شرف استضافة رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخا الرسول
بين عثمان بن عفان وأوس ابن ثابت عندما اخا بين المسلمين والأنصار، كما
اختار والدة شداد كي تقيم ابنته بجوارها، وقد لقي عثمان وزوجة الكثير من
الرعاية والاهتمام في ذلك البيت المؤمن.
من صفاته رضي الله عنه
اشتهر
شداد بن أوس بالزهد والتقوية، واشتهر بعلمه الكثير كما أشتهر بحلمه فقلد
كان عندما يغضب يكظم غضبه، حتى قال عنه عبادة بن الصامت: مِنَ الناسِ مَنْ
أُوتي علمًا ولم يُؤْتَ حلمًا، ومنهم مَنْ أُوتي حلمًا ولم يُؤْتَ علمًا،
ومنهم مَنْ أُوتي علمًا وحلمًا، وإن شداد بن أوس من الذين أوتوا العلم
والحلم.
وروى الذهبي عن ابن سعد عن خالد بن معدان، قال: لن يبق بالشام أحد كان أوثق ولا أفقه ولا أرضى من عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس.
وروى ابن عساكر: كان أبو الدرداء يقول: إن لكل أمة فقيهًا، وإن فقيه هذه الأمة شداد بن الأوس.
وقال سعيد بن عبد العزيز: فُضِلَ شداد بن أوس الأنصاري بخصلتين: ببيان إذا نطق، وبكظم إذا غضب.
وقال ابن الأثير: "كان شداد بن أوس كثير العبادة والورع والخوف من الله تعالى".
قال
المفضل بن غسان الغلابي: زهاد الأنصار ثلاثة أبو الدرداء و شداد بن أوس
وعمير بن سعد رضي الله عنهم، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولاه حمص.
وكان
شداد بن أوس إذا أخذ مضجعة من الليل كالحبة على المقلي فيقول: اللهم إن
النار قد حالت بيني وبين النوم ثم يقوم فلا يزال يصلي حتى يصبح.
من مواقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم
وعن
شداد بن أوس: أنه كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجود بنفسه،
فقال: "ما لك يا شداد؟" قال: ضاقت بي الدنيا، فقال: "ليس عليك؛ إن الشام
سيفتح، وبيت المقدس سيفتح، وتكون أنت وولدك من بعدك أئمة فيهم". فنزلَ بيت
المقدس من الشام. وروى عنه أهل الشام. وقدم دمشق والجابية، وسكن بيت
المقدس، وكان شهد اليرموك.
وروى ابن عساكر والذهبي عن عبد الرحمن بن
غنم، قال: لما دخلنا الجابية وهي قرية من أعمال دمشق أنا وأبو الدرداء
لقينا عبادة بن الصامت، فبينا نحن كذلك إذ طلع علينا شداد بن أوس، وعوف بن
مالك، فجلسا إلينا، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس! لما سمعت
من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الشهوة الخفية والشرك، فقال
عبادة وأبو الدرداء: اللهم غفرًا، أولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب؟! فأما الشهوة الخفية
فقد عرفناها، فهي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها؛ فما هذا الشرك الذي
تخوفنا به يا شداد؟!.
قال: أرأيتم لو رأيتم أحدًا يصلي لرجل، أو يصوم
له، أو يتصدق له، أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم! قال: فإني سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد
أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك".
فقال عوف: أولاً يَعْمَدُ الله إلى ما
أبتغي فيه وجهه من ذلك العمل كله فيقبل منه ما خلص له، ويدع ما أشرك به
فيه؟ قال شداد: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن الله، قال:
"أنا خير قسيم، فمن أشرك بي شيئًا، فإن جسده وعمله، قليله وكثيره، لشريكه
الذي أشرك به، أنا عنه غنيّ".
وروى الذهبي: قال سلام بن مسكين:
حدثنا قتادة أن شداد بن أوس خطب فقال: أيها الناس؛ إن الدنيا أجل حاضر،
يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة أجل مستأخر، يحكم فيها ملك قادر ألا إن
الخير كله بحذافيره في الجنة، وإن الشر كله بحذافيره في النار.
وعن
شداد بن أوس أنه قال: الموت أفظع هولاً في الدنيا والآخرة على المؤمن.
والموت أشد من نشر المناشير وقرض بالمقاريض وغليٍ في القدور، ولو أن الميت
نُشِرَ فأخبر أهل الدنيا بألم الموت ما انتفعوا بعيش ولا لذوا بنوم.
وفاته رضي الله عنه
عندما
تولى عمر بن الخطاب الخلافة، وازدادت الدولة الإسلامية اخذ يولى على كل
منطقة والى وكان يختار الواله بدقة شديدة وعناية، وعندما عرف بصفات شداد
ابن أوس الحميدة فأولاه عمر على حمص بعدما تخلى عن ولايتها سعيد بن عامر،
واخذ يدير شؤنها وشؤن أهلها، وقد ارتاح أهل المدينة له واعجبوا به، واستمر
شداد كوالي لحمص حتى استشهد عثمان بن عفان.
فترك ولاية حمص وجمع أهله
وسافر واستقر في القدس، وعاش في فلسطين حتى كبر سنه وشاخ ولكنه استمر في
الحنين إلى بيت الله الحرام ومدينة رسول الله، وفي عام 58 هجرية توفى شداد
بن أوس عن عمر يناهز 75 عاما في أرض فلسطين رضى الله عنه وأرضاه.

إرسال تعليق