هو أبو الدحداح، وقيل: أبو الدحداحة بن الدحداحة الأنصاري مذكور في
الصحابة. قال أبو عمر: لا أقف على اسمه ولا نسبه أكثر من أنه من الأنصار
حليف لهم. وقيل: ثابت بن الدحداح، هو أبو الدحداح الأنصاري.
شهد
أُحُدًا، فلما رأى انكشاف المسلمين، وسمع منادي المشركين يدَّعي قتل النبي
صلى الله عليه وسلم، قال: "يا معشر الأنصار! إن كان محمد قتل، فإن الله حي
لا يموت، فقاتلوا عن دينكم".
روى الواقدي عن عبد الله بن عامر قال: قال
ثابت بن الدحداح يوم أحد والمسلمون أوزاع: "يا معشر الأنصار إليَّ إليَّ،
إن كان محمد قد قتل فإن الله حي لا يموت، فقاتلوا عن دينكم"، فنهض إليه نفر
من الأنصار؛ فجعل يحمل بمن معه، وقد وقفت له كتيبة خشناء فيها خالد بن
الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة، فحمل عليه خالد بن الوليد بالرمح فأنفذه
فوقع ميتًا وقتل من كان معه.
كان أبو الدحداح رضي الله عنه من
المسارعين في الخيرات، المتسابقين في الباقيات الصالحات، وقد ترك لنا موقفه
في صدقته وثناء النبي صلى الله عليه وسلم عليه وتبشيره بالجنة درساً
ومثالاً عملياً في الجود والسخاء، والبذل والعطاء، وقد مات رضي الله عنه
ولكن صدقته ستبقى دافعة للأمة للصدقة والإنفاق في سبيل الله تعالى.
وعن
عبد الله بن مسعود قال لما نزلت هذه الآية: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ
اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [الحديد:11]، قال أبو الدحداح
الأنصاري: وإنَّ الله ليريد منا القرض، قال: "نعم يا أبا الدحداح"، قال:
أرني يدك يا رسول الله، قال: فناوله رسول الله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي
حائطي، قال: وحائطه له فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها، قال:
فجاء أبو الدحداح فنادى: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي من الحائط
فقد أقرضته ربي.
وقيل: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يجلس وسط
أصحابه عندما دخل شاب يتيم إلى الرسول يشكو إليه، فقال الشاب; يا رسول
الله، كنت أقوم بعمل سور حول بستاني فقطع طريق البناء نخله هي لجاري طلبت
منه أن يتركها لي لكي يستقيم السور، فرفض، فطلبت منه أن يبيعني إياها فرفض.
فطلب
الرسول أن يأتوه بالجار، وأتى الجار إلى النبي وقص عليه صلى الله عليه
وسلم شكوى الشاب اليتيم، فصدق الرجل على كلام النبي، فسأله الرسول أن يترك
له النخلة أو يبيعها له فرفض الرجل، فأعاد الرسول قوله; بع له النخلة ولك
نخلة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائه عام; فذهل أصحاب رسول الله من
العرض المغري، فمن يدخل النار وله نخله كهذه في الجنة، وما الذي تساويه
نخلة في الدنيا مقابل نخلة في الجنة، لكن الرجل رغم ذلك رفض طمعًا في متاع
الدنيا.
فتدخل أبو الدحداح وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: "إن اشتريتُ
تلك النخلة وتركتها للشاب ألي نخلة في الجنة يارسول الله ؟ فأجاب الرسول
نعم، فقال أبو الدحداح للرجل "أتعرف بستاني يا هذا؟"، فقال الرجل، نعم، فمن
في المدينة لا يعرف بستان ابا الدحداح ذو الستمائة نخلة والقصر المنيف
والبئر العذب والسور الشاهق حوله".
فقال أبو الدحداح، "بعني نخلتك مقابل
بستاني وقصري وبئري"، فنظر الرجل إلى الرسول غير مصدق ما يسمعه، فوافق
الرجل وأشهد الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة على البيع
وتمت البيعة".
وفي رواية أخرى أنها لما سمعته يقول ذلك عمدت إلى
صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: "كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح".
وقالت أم الدحداح: ربح البيع، ربح البيع، أو كلمة تشبهها.
شهد
أبو الدرداء أحدًا وقتل بها شهيدًا طعنه خالد بن الوليد برمح فأنفذه وقيل:
إنه مات على فراشه مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية. ولما توفي
دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصم بن عدي فقال: "هل كان له فيكم
نسب؟"، قال: لا، فأعطى ميراثه ابن أخته أبا لبابة بن المنذر.
وقيل: أنه جرح بأحد وعاش ثم انتقضت فمات بعد ذلك بمدة، وهو الراجح.
وعن
جابر بن سَمُرَة رضي الله عنه قال: كنَّا مع النبي صلى الله عليه وسلم في
جنازةِ أبي الدَّحداح، فلمَّا صلَّى عليها، أُتِي بفرَسٍ فركِبه، ونحن نسعى
خَلْفه، فقال صلى الله عليه وسلم: كم مِن عِذْقٍ مُدَلًّى لأبي الدَّحداحِ
في الجنَّة.

إرسال تعليق