أسباب غزوة حمراء الأسد
لم تكن حمراء الأسد غزوة مستقلة، وإنما هي جزء
من غزوة أُحُد، إذ بات الرسول صلى الله عليه وسلم يفكر في الموقف بعد أحد،
وأشفق من أن يعود جيش المشركين لغزو المدينة، وأحسّ بما يقاسيه أصحابه من
مرارة ما حدث في أحد، لذلك رأي النبي صلى الله عليه وسلم أن الخروج بجيشٍ
مُثقل بالجراح هو خير رسالة للأعداء بأن المسلمين لا زالوا أعزّة قادرين
على المواجهة، ومن ثم عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقوم بعملية
مطاردة الجيش المكي رغم ما به هو أيضا من جروح.
أحداث الغزوة
وفي
صباح يوم الأحد الثامن من شهر شوال من السنة الثالثة من الهجرة، أي في
اليوم التالي لمعركة أحد، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً أن ينادي في
الناس بضرورة التعجيل للخروج للجهاد، ولم يكن الأمر عامّاً لجميع
المؤمنين، بل كان مقصوراً على أولئك الذين شهدوا معركة أحد بالأمس، قال:
"لا يخرج معنا إلا من شهد القتال"، فقال له عبد الله بن أبي: أركب
معك؟ قال: لا.
وقد استأذنه جابر بن عبد الله رضي الله عنه،
وقال: يا رسول الله، إني أحب ألا تشهد مشهداً إلا كنت معك، وإنما خلفني
أبي على بناته فائذن لي أسير معك، فأذن له.
وعن عائشة رضي الله
عنها: { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا
أَصَابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ واتَّقَوْا أَجْر
عَظِيم }(آل عمران: 172)، قالت لعروةَ: يا ابنَ أُخْتي، كانَ أَبَوَاكَ
منهم الزبير وأبو بكر، لمَّا أَصاب نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم ما أَصاب
يوم أُحد، فانصرف عنه المشركون خاف أَن يرجعوا، فقال: مَنْ يذهب في
إِثْرِهِم؟ فانتدب منهم سبعون رَجُلا، قال: كان فيهم أبو بكر والزُّبَيْرُ.
وهذا
رجل من بني عبد الأشهل يصور حرص الصحابة على الخروج للجهاد فيقول: "شهدت
أحداً أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه
وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لأخي وقال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم؟ والله مالنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل،
فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أيسر جرحاً منه، فكان إذا
غلب حملته عقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون".
وقد
تجمع أولئك الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمس، وقد
أصابهم القرح، وأنهكتهم الجروح والآلام، ولم يسترح أحد منهم بعد، ومع ذلك
انطلقوا جميعا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبون المشركين.
قال
تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا
أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ
عَظِيمٌ} [آل عمران: 172].
سار رسول الله صلى الله عليه وسلم
والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد، على بعد ثمانية أميال من المدينة،
فعسكروا هناك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بإشعال النيران
فكانوا يشعلون في وقت واحد خمسمائة نار، وذلك من قبيل الحرب النفسية على
العدو.
وفكر أبو سفيان في العودة إلى المدينة لاستئصال شأفة
المسلمين من المدينة المنورة فما زال الرسول حيًّا، وما زال أبو بكر وعمر
على قيد الحياة، فعندما نزل جيش مكة بالروحاء على بعد ستة وثلاثين ميلاً من
المدينة تلاوموا فيما بينهم، قال بعضهم لبعض:لم تصنعوا شيئاً، أصبتم
شوكتهم وحدهم، ثم تركتموهم، وقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى
نستأصل شأفتهم.
ولكن خالفهم صفوان بن أمية قائلاً: يا قوم، لا
تفعلوا فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلف من الخروج، أي من المسلمين في غزوة
أحد، فارجعوا والدولة لكم، فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم. وقد قوبل هذا الرأي بالرفض أمام رأي الأغلبية الساحقة، وأجمع جيش مكة على المسير نحو المدينة.
وهنا
تتجلى عبقرية الرسول، فهو قد خرج إلى حمراء الأسد، ولكنه يعلم مدى الضعف
والمعاناة التي يمر بها جيش المدينة؛ ومن ثَمَّ لجأ إلى حيلة ذكية وهي أنه
أرسل رجلاً يسمَّى مَعْبَد بن أبي معبد، حتى يخذِّل قريشًا، فذهب إلى قريش
وقابل أبا سفيان، فلما رأى أبو سفيان معبدًا مقبلاً، قال: "ما وراءك يا
معبد؟" قال: "محمد قد خرج في أصحابه في طلبكم في جمعٍ لم أرَ مثله قَطُّ،
يتحرقون عليكم تحرُّقًا". قال: "ويلك ما تقول؟! والله لقد أجمعنا الكرة على
أصحابه لنستأصلهم". قال: "فإني والله أنهاك عن ذلك بهم، والله ما أرى أن
ترتحل حتى ترى نواصي الخيل". وهنا خاف أبو سفيان وخافت قريش، وصدق قوله
تعالى: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا
تَأْلَمُونَ} [النساء: 104].
ورغم انسحاب أبو سفيان إلا أنه قام قام
بحرب أعصاب دعائية ضد الجيش الإسلامي، لعله ينجح في كف هذا الجيش عن
مواصلة المطاردة، فقد مر به ركب من عبد القيس يريد المدينة، فقال: هل
أنتم مبلغون عني محمداً رسالة، وأوقر لكم راحلتكم هذه زبيبًا بعكاظ إذا
أتيتم إلى مكة؟ قالوا: نعم. قال: فأبلغوا محمداً أنا قد أجمعنا
الكرة ؛ لنستأصله ونستأصل أصحابه.
فمر الركب برسول الله صلى الله عليه
وسلم وأصحابه، وهم بحمراء الأسد، فأخبرهم بالذي قال له أبو سفيان،
وقالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
فَزَادَهُمْ}، أي زاد المسلمين قولهم ذلك: {إِيمَاناً وَقَالُواْ
حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ
وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ
ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران:173-174]. وأقام رسول الله ثلاثة أيام في حمراء الأسد ينتظر قريشًا، فأصبح في مكان المنتصر والمنتظر لعدوه.
نتائج غزوة حمراء الأسد
أخذ
رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الرجوع إلى المدينة أبا عَزَّة الجمحي،
وهو الذي كان أطلقه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان أسيراً يوم بدر
بغير فداء رحمةً ببناته ولفقره، واشترط عليه ألا يقف ضد المسلمين، فلم
يحترم الرجل العهد، وقاتل مع المشركين في أحد، فلما وقف بين يدي النبي صلى
الله عليه وسلم رجاه أن يُعفو عنه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أمر
بقتله.
كما قتل أيضاً معاوية بن المغيرة بن أبي العاص جد عبد الملك
بن مروان لأمه ؛ وذلك أنه لما رجع المشركون يوم أحد جاء معاوية هذا إلى ابن
عمه عثمان بن عفان رضي الله عنه فاستأمن له عثمان رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قتله. فلما خلت المدينة من الجيش
الإسلامي أقام فيها أكثر من ثلاث يتجسس لحساب قريش، فلما رجع الجيش خرج
معاوية هارباً، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعمار بن
ياسر، فتعقباه حتى قتلاه.
عاد المسلمون بعد ذلك إلى المدينة بروح
قوية متوثبة، مسحت ما حدث في أحد، فدخلوا المدينة أعزة رفيعي الجانب، قد
أفسدوا انتصار المشركين، وأحبطوا شماتة المنافقين واليهود.
وقد حققت
غزوة حمراء الأسد هدفها، فقد أظهرت قدرة المسلمين وهم في أحلك الظروف على
التصدي لخصومهم وأعدائهم، لأنهم إذا كانوا قادرين على متابعة التحرك
العسكري خارج المدينة بقسم من قواتهم، فإنهم لا شك أقدر على مواجهة أعدائهم
داخل المدينة، من اليهود والمنافقين وبقايا المشركين.
وقد أشار القرآن
الكريم إلى ذلك في قول الله تعالى: { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ
وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا
مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً
وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا
بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا
رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ
الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ
كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }(آل عمران من الآية:172- 175).

إرسال تعليق