هل ما حدث يوم أحد هزيمة؟
وقد استشهاد
سبعين من الصحابة وقد نالوا الدرجات العالية، يقول الله تعالى تعليقًا على
غزوة أُحُد: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: 140].
وتكمن
المصيبة يوم أحد في مخالفة فريق من المسلمين لأوامر النبي صلى الله عليه
وسلم، فبعد أن كانوا يقاتلون في سبيل الله ومن أجل الجنة، أصبح فريق منهم
يقاتلون من أجل الدنيا.
وقد وصف الله ذلك في كتابه تعليقًا على أُحُد:
{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ
حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ
بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152].
ويقول عبد الله بن مسعود: "ما كنت
أحسب أن أحدًا من أصحاب النبي يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل: {مِنْكُمْ
مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ} [آل عمران:
152].
ومما حدث أيضاً يوم أحد أن بعض المسلمين قعدوا عن القتال
إحباطًا، فالإحباط غير مقبول في عرف المسلمين، فالإحباط من شيم الكافرين،
قال تعالى في كتابه الكريم: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ
إِلاَّ الضَّالُّونَ} [الحجر: 56]. وقال: {إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ
رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].
وأن يقعد المسلم ويفتر ويكسل عن القتال في أرض القتال، هذا غير مقبول حتى مع إشاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قُتِل.
وهناك بعض المسلمين الذين أصروا على الفرار، رغم أنهم سمعوا نداء النبي: "إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ".
الحكمة مما حدث في غزوة أحد
1-
تصفية وتنقية صف المسلمين فمن الخير في أُحُد أنها كشفت شأن المنافقين،
وعلي رأسهم المنافق عبد الله بن أُبي بن سلول حيث عاد بثلاثمائة من
المنافقين، وفي هذا خير؛ لأن الله يقول: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا
زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ
الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ
بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 47].
2- تعليم المسلمين أضرار المعصية وعقوبة المعصية
3- لفت أنظار المسلمين إلى الزهد في الدنيا وعدم الإقبال عليها، وقد رأينا مصيبة الدنيا في أُحد، عندما قالوا: "الغنيمة الغنيمة".
4-
كذلك أن يتعلم المسلمين أن خطأ بعض المسلمين يعم على كل المسلمين، فقد
خالف أربعون من الرماة ونزلوا من فوق الجبل فأثر ذلك على الجيش بأكمله.
معالجة القرآن الكريم لأحداث غزوة أحد
نزل
القرآن الكريم لمعالجة أحداث غزوة أحد ومن أجل رفع الروح المعنوية للمسلم
بلفت نظره إلى أماكن القوة فيه، يقول تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ
تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:
139].
وقد لفت القرآن الكريم نظر المسلمين إلى شؤم المعصية، وبيان
خطورة المنافقين، وبيان عقوبة مخالفة النبي، وخطورة الدنيا، وإلى انتقاء
بعض المسلمين شهداء.
وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه إذا نصرنا
فلنا السيادة والغلبة بشرط أن ننصر الله، فهذه الآية فيها وعدٌ بالقيام من
جديد، {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ
فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160].
وقد نزلت آيات في المقارنة بين المسلمين وأعدائهم فقد قتل من المشركين سبعة وثلاثون وقيل: اثنان وعشرون.
يقول
تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ
وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ
الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ
الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140]. وقوله تعالى: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ
فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا
لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].
وكذلك
مهما فعل المسلم فيمكنه أن يبدأ بداية جديدة وبصفحة بيضاء دون خطايا أو
ذنوب في مغفرة الله، يقول تعالى في بداية الحديث عن غزوة أُحد:
{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133].
أما
الذين فروا من أرض المعركة يوم أحد فقد عفا الله عنهم، وهذا تحفيز
للمسلمين إلى البداية من جديد بصفحة بيضاء، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ
تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ
الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ
اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155].
ونزلت أيضاً آيات توضح أن
المشركون مآلهم جهنم وبئس المصير، ربما ينتصرون في معركة أو معركتين، ولكن
مصيرهم جهنم يَصْلَونها بما قدمت أيديهم، قال تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ
تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ
مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196، 197].
أما
بالنسبة للمسلمين يقول تعالى: {فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا
وَحُسْنَ ثَوَابِ الآَخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:
148]. فالثواب الحق هو ثواب الآخرة.

إرسال تعليق