تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

هل ما حدث يوم أحد هزيمة؟


هل ما حدث يوم أحد هزيمة؟


ما وقع يوم أحد كان نتيجة لأخطاء معروفة، وسنن الله تعالى لا تحابي أحدا ولو كان الأنبياء والصحابة، ولذلك حكم عظيمة.
وبالنظر إلى غزوة أُحُد من بدايتها نجد أن كلمة هزيمة لا تنطبق انطباقًا كاملاً على وصف غزوة أُحُد، فجيش المشركين لم يحتل مواقع جيش المسلمين، وجيش المسلمين الأساسي لم يفر مع شدة الارتباك، كذلك لم يفكر الجيش المكي أن يطارد المسلمين مع علمه أن النبي صلى الله عليه وسلم حيٌّ ورغم قلة الصحابة الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقع أسير واحد من المسلمين في أيدي الكفار، كذلك لم تكن هناك غنائم من المسلمين في أيدي الكفار، ولم يقم الجيش المكي يومًا أو يومين أو ثلاثة كعادة الجيوش المنتصرة في ذلك الوقت، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر، ولم يفكر المشركون في غزو المدينة المنورة مع أن المدينة خالية من أيِّ جيش.

كما أن المسلمين قد انتصروا أولاً في ابتداءِ المعركة، حتى استطاعوا طردَ المشركين من معسكرِهم، والإحاطة بنِسائهم وأموالهم، وتعفير لوائهم في التراب، ولكن التفاف خالِد بن الوليد وراءَ المسلمين وقطع خطِّ الرجعة عليهم، جعَل قوَّات المشركين تُطبق على المسلمين مِن كافة الجوانب، وهذا الموقف في المعركة جعَل خسائر المسلمين تكثُر، ولكن بقِي النصر في جانبِهم إلى آخِر لحظة؛ لأنَّ نتيجة كل معركة عسكريًّا لا تُقاس بعدَد الخسائر في الأرواح فقط، بل تقاس بالحصول على هدفِ القتال، وهو القضاء المبرم على العدوِّ ماديًّا ومعنويًّا، وهذا هو الذي لم يحدُث، ولا يمكن اعتبار فشل القوَّة الكبيرة - وهي قوَّة قريش حينئذٍ - في القضاء على القوَّة الصغيرة ماديًّا ومعنويًّا في مِثل هذا الموقف - نصرًا.

أمَّا الأسباب التي أدت إلى ما حدث للمسلمين يوم أحد:

1- عصيان الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم باعتباره نبيًّا يجِب اتِّباعُ أمرِه، وباعتبارِه قائدًا يجب التزامُ أوامره وتوجيهاته.

2- عدَم مطاردة الجيش الإسلامي لجيشِ الكُفر بعدَ انتصاره الأول، بل ترَكوهم وأعطوهم فرصةً للمِّ الشمل، وجمْع الصف، وإعادة التنظيم.

3- انشغال المسلمين بجَمْع الغنائم بعدَ النصر في الجولة الأولى، الأمر الذي أتاح للكفَّار وقتًا ثمينًا للتفكير والتدبير.

4- المباغتة مِن الكفَّار، حيث هجَموا هجومًا مباغتًا لم يخطرْ على بال المسلمين، ولا سيَّما أنَّ المسلمين في تلك الحال كانوا آمنين وقد وضَعوا عنهم سلاحَهم.

5- إشاعة مَقْتل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في بدءِ الجولة الثانية، حيث صاح الشيطان أنَّ محمدًا قُتِل، الأمر الذي أضعفَ عزيمةَ أكثر المسلمين، وقوَّى عزيمة المشركين.

وقد سمي الله سبحانه وتعالى ما حدث يوم أحد بإسم المصيبة، فقال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165]. وقال سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ التَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 166].
وقد عمت المصيبة كل الجيش ولم تعم أصحاب المخالفة فقط لأن أمر الدنيا قد تغلغل في قلوب البعض قبل ذلك، إلى درجة أن تدفع المسلم إلى المخالفة الصريحة المتعمدة لكلام الحبيب.

وقد استشهاد سبعين من الصحابة وقد نالوا الدرجات العالية، يقول الله تعالى تعليقًا على غزوة أُحُد: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: 140].
وتكمن المصيبة يوم أحد في مخالفة فريق من المسلمين لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم، فبعد أن كانوا يقاتلون في سبيل الله ومن أجل الجنة، أصبح فريق منهم يقاتلون من أجل الدنيا.
وقد وصف الله ذلك في كتابه تعليقًا على أُحُد: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152].

ويقول عبد الله بن مسعود: "ما كنت أحسب أن أحدًا من أصحاب النبي يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ} [آل عمران: 152].
ومما حدث أيضاً يوم أحد أن بعض المسلمين قعدوا عن القتال إحباطًا، فالإحباط غير مقبول في عرف المسلمين، فالإحباط من شيم الكافرين، قال تعالى في كتابه الكريم: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ} [الحجر: 56]. وقال: {إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].
وأن يقعد المسلم ويفتر ويكسل عن القتال في أرض القتال، هذا غير مقبول حتى مع إشاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قُتِل.
وهناك بعض المسلمين الذين أصروا على الفرار، رغم أنهم سمعوا نداء النبي: "إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ".

الحكمة مما حدث في غزوة أحد

1- تصفية وتنقية صف المسلمين فمن الخير في أُحُد أنها كشفت شأن المنافقين، وعلي رأسهم المنافق عبد الله بن أُبي بن سلول حيث عاد بثلاثمائة من المنافقين، وفي هذا خير؛ لأن الله يقول: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 47].

2- تعليم المسلمين أضرار المعصية وعقوبة المعصية

3- لفت أنظار المسلمين إلى الزهد في الدنيا وعدم الإقبال عليها، وقد رأينا مصيبة الدنيا في أُحد، عندما قالوا: "الغنيمة الغنيمة".

4- كذلك أن يتعلم المسلمين أن خطأ بعض المسلمين يعم على كل المسلمين، فقد خالف أربعون من الرماة ونزلوا من فوق الجبل فأثر ذلك على الجيش بأكمله.

معالجة القرآن الكريم لأحداث غزوة أحد

نزل القرآن الكريم لمعالجة أحداث غزوة أحد ومن أجل رفع الروح المعنوية للمسلم بلفت نظره إلى أماكن القوة فيه، يقول تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139].
وقد لفت القرآن الكريم نظر المسلمين إلى شؤم المعصية، وبيان خطورة المنافقين، وبيان عقوبة مخالفة النبي، وخطورة الدنيا، وإلى انتقاء بعض المسلمين شهداء.
وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه إذا نصرنا فلنا السيادة والغلبة بشرط أن ننصر الله، فهذه الآية فيها وعدٌ بالقيام من جديد، {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160].
وقد نزلت آيات في المقارنة بين المسلمين وأعدائهم فقد قتل من المشركين سبعة وثلاثون وقيل: اثنان وعشرون.
يقول تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140]. وقوله تعالى: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].

وكذلك مهما فعل المسلم فيمكنه أن يبدأ بداية جديدة وبصفحة بيضاء دون خطايا أو ذنوب في مغفرة الله، يقول تعالى في بداية الحديث عن غزوة أُحد: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133].
أما الذين فروا من أرض المعركة يوم أحد فقد عفا الله عنهم، وهذا تحفيز للمسلمين إلى البداية من جديد بصفحة بيضاء، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155].

ونزلت أيضاً آيات توضح أن المشركون مآلهم جهنم وبئس المصير، ربما ينتصرون في معركة أو معركتين، ولكن مصيرهم جهنم يَصْلَونها بما قدمت أيديهم، قال تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196، 197].
أما بالنسبة للمسلمين يقول تعالى: {فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآَخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 148]. فالثواب الحق هو ثواب الآخرة.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب