الجيش الإسلامي علي أرض أحد
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض
أُحُد، لكي يختار لمعسكره المكان المناسب، ووقع اختياره على مكان يكون فيه
جبل أُحُد حاميًا لظهر المسلمين وللجزء الأيمن من جيشهم، ويكون المسلمون في
مكان مرتفع نسبيًّا والجيش المكي في مكان منخفض.
كان جبل أحد على
شمال الجيش الإسلامي، ويعتبر ثغرة ضد المسلمين إذا استطاع المشركون
الالتفاف حوله، وبذلك يقع المسلمون في حصار المشركين من أمامهم ومن خلفهم.
ولأجل
أن يؤمِّن النبي هذه النقطة الخطيرة في أرض القتال، انتخب من أصحابه خمسين
من الرماة المهرة، ووضعهم على هذا الجبل، وأمرهم أن يصدوا عنه هجمات
الفرسان المشركين، وكان على رأس هؤلاء الفرسان عبد الله بن جبير، وقد أعطاه
الرسول صلى الله عليه وسلم له وللفرقة التي معه بعض الأوامر.
فقد
أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يثبتوا في أماكنهم وأن لا يخرجوا منها
وقال لهم: اثبتوا مكانكم لا نؤتى من قبلكم لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا
أو علينا وقال لهم صلى الله عليه وسلم: احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا
تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا وإن رأيتمونا هزمنا القوم
ووطئناهم فلا تبرحوا أماكنكم حتى أرسل إليكم، وكان هدفه صلى الله عليه وسلم
من هذا الأمر حتى يسد الثلمة الوحيدة التي يمكن لفرسان المشركين أن
يتسللوا منها إلى صفوف المسلمين حتى لا يقوموا بالالتفاف عليهم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن جبير: "انْضَحْ عَنَّا الْخَيْلَ بِالنَّبْلِ".
وقد
وجَّه الرسول صلى الله عليه وسلم هذه التوجيهات الواضحة الجليّة إلى فرقة
الرماة الخمسين، ونزل مرة أخرى إلى جيشه وبدأ يحفِّز الناس على الجهاد في
سبيل الله، ويذكرهم بالجنة.
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم على
الميمنة المنذر بن عمرو وعلى الميسرة الزبير بن العوام يسانده المقداد بن
الأسود وحرض أصحابه على القتال حتى أنه صلى الله عليه وسلم جرد سيفاً
باتراً فنادى فيهم: من يأخذ هذا السيف بحقه فقام إليه رجال ليأخذوه منهم
عمر وعلي والزبير بن العوام حتى قام إليه أبو دجانة "سماك بن خراش" فقال:
وما حقه يا رسول الله فقال: أن تضرب به وجوه العدو حتى ينحني فعصب أبو
دجانة على رأسه عصابة حمراء، فقال الأنصار: "لقد ربط أبو دجانة عصابة
الموت". فهذه العصابة الحمراء كان أبو دجانة يضعها على رأسه عندما يطلب
الموت، وبدأ يمشي متبخترًا بين صفوف المسلمين والمشركين، فقال النبي صلى
الله عليه وسلم: "هَذِهِ مِشْيَةٌ يَكْرَهُهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ
فِي هَذَا الْمَوْطِنِ".
وصول جيش المشركين إلى أرض أحد
وفي جيش
المشركين بدأ أبو سفيان بن حرب يرتب جيشه وينظمه، فوضع خالد بن الوليد على
الميمنة، وعكرمة بن أبي جهل على الميسرة، وصفوان بن أمية على المشاة، وعبد
الله بن ربيعة على الرماة، وأعطى اللواء لبني عبد الدار الذين كانوا دائمًا
حملة اللواء قبل الإسلام وبعد ظهوره؛ وكانوا يحملون اللواء في بدر، وقد
أراد أبا سفيان أن يستثير كل ما عند القوم من حميّة وبأس وقوة، فقال لهم:
"يا بني عبد الدار، قد وُلِّيتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم،
وإنما يُؤتَى الناس من قِبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكْفُونا
لواءنا، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه". فأثار هذا الكلام حميَّة
وغضب بني عبد الدار، فقالوا: "نحن نُسلِم إليك لواءنا!! ستعلم غدًا إذا
التقينا كيف نصنع"، وقد صدقوا في كلمتهم وسنري ما الذي حدث معهم عند بدأ
المعركة.
وبدأت نساء المشركين يحمِّسن المقاتلين بالحرب ضد
المسلمين، فوقفت هند بنت عتبة ومن معها من النساء يشجِّعن الجيش المشرك على
القتال وينشدن الأشعار في ذلك، وكانوا يضربن الدفوف ويغنين:
نحن بنات طارق نمشي على النمارق
إن تقبلوا نعانق وإن تدبروا نفارق
فراقاً غير وامق
وجعلت هند تقول:
ويها بني عبد الدار ويها حماة الأديار
ضربا بكل بتار
وقبل
نشوب المعركة حاول المشركون إيقاع الفرقة والنزاع بين المسلمين حيث أرسلوا
رسولاً إلى الأنصار وهم أهل المدينة يقولون لهم: خلو بيننا وبين بني عمنا
فننصرف عنكم فلا حاجة لنا في قتالكم، ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل حيث رد
عليهم الأنصار رداً عنيفاً واسمعوا رسول قريش ما يكره.
وقامت قريش
بمحاولة أخرى فخرج أبو عامر الفاسق، وكان يسمَّى الراهب، ولكنه لما أسلم ثم
ارتدّ سماه النبي صلى الله عليه وسلم أبا عامر الفاسق، وقد حاول تفتيت
الجيش المسلم، فنادى على قومه وكان من الأوس فقال: "يا معشر الأوس، أنا أبو
عامر". وكان ابنه حنظلة بن أبي عامر في صفِّ المسلمين، فقالوا له: "لا
أنعم الله بك عينًا يا فاسق"، فقال: "لقد أصاب قومي بعدي شر".
أحداث معركة أحد
وفي
يوم السبت الموافق السابع من شوال سنة 3، بدأ القتال وأول ما دار حوله
القتال كان راية الكفار، فقد كانت مع بني عبد الدار وكان أول من يحملها
طلحة بن أبي طلحة العبدري، وكان من أكبر وأعظم وأقوى فرسان قريش وكان يلقب
بكبش الكتيبة.
وقد خرج طلحة يطلب المبارزة وخرج وهو يحمل الراية وعلى
جمل وأحجم عنه المسلمون لما رأوا هيئته وقوة بأسه، فتقدم الزبير بن العوام
ووثب عليه وثبة الليث وقفز إليه قفزة الأسد حتى صار معه على جمله فألقاه
على الجمل فأقتحم به الأرض فذبحه بالسيف فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم
ما حدث كبر وكبر المسلمون وراءه وأثنى على الزبير وقال في حقه "إن لكل نبي
حوارياً وحواري الزبير بن العوام".
وبعد مقتل طلحة تقدم أخوه عثمان
بن أبي طلحة وطلب القتال فخرج له حمزة وقتله، فضربه على عاتقه ضربة بترت
يده مع كتفه حتى وصلت إلى سرته فبانت رئته فمات فحمل اللواء بعده أخوه أبو
سعد العبدري فرماه سعد بن أبي وقاص بسهم في حنجرته فمات لحينه فحمل اللواء
بعده أخوه مسافع العبدري فرماه عاصم بن ثابت بسهم فقتله فحمل اللواء بعده
أخوه كلاب العبدري فانقض عليه الزبير فقاتله حتى قتله فحمل اللواء بعده
أخوه الجلاس العبدري فطعنه طلحة بن عبد الله طعنة قضت عليه.
فهؤلاء ستة
نفر من بيت واحد قتلوا جميعاً حول لواء المشركين، وبرغم كل ما حدث في بيت
أبي طلحة خرج من بني عبد الدار رجل آخر هو أرطأة بن شرحبيل، فقتله علي بن
أبي طالب، ثم خرج شريح بن قارظ فقتله غلام أنصاري اسمه قزمان، ثم خرج عمرو
بن عبد مناف فقتله أيضا قزمان، فخرج ابن شرحبيل بن هاشم، فقتله أيضا قزمان،
وقد قاتل قزمان في ذلك اليوم قتالا شديدا.
فقُتِل يومئذ عشرة من
بني عبد الدار، وكلما قتل واحدًا منهم تسلم الراية رجلًا آخر وبذلك يكونوا
قد صدقوا في عهدهم مع أبو سفيان ودافعوا عن اللواء حتي قتلوا جميعاً، ثم
خرج مولى لبني عبد الدار وكان اسمه صواب من الحبشة وقاتل قتالًا أشد من
السابقين جميعًا حتى قطعت يده الأولى، ثم الثانية، ثم قطعت رأسه وهو يحمل
الراية وبسقوط هذا الغلام الحادي عشر سقطت الراية المشركة ولم ترفع بعد
ذلك.
بدأت المعركة واحتدم القتال بين الفريقين وكان شعار المسلمين
في هذا اليوم "أمت، أمت"، وفي هذه الأثناء انتشر المسلمون على شكل كتائب
متفرقة واستطاعت نبال المسلمين من إصابة الكثير من خيل أهل مكة وتدريجيا
بدأ جيش مكة بإلقاء دروعهم وتروسهم تخففا للهرب، وكان النصر في البداية
حليف المسلمين وانهارت معنويات الكفار، وارتفعت معنويات المسلمين إلى أعلى
درجة، وبدأ يسيطر المسلمون على الموقف وقاتلوا بقوة وبضراوة شديدة.
وكان
أبو دجانة من أبرز المقاتلين في ذلك الوقت وهو الذي أخذ السيف من النبي
لما قال: "مَنْ يَأْخُذ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ". وربط على رأسه عصابة
حمراء وقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت. وجال في الأرض وقتل
كثيرا من المشركين.
وكان الزبير بن العوام يجد في نفسه؛ لأن النبي أعطى
السيف لأبي دجانة ولم يعطه له هو فقال الزبير في نفسه: أنا ابن صفية عمته
ومن قريش وقد قمت إليه فسألته السيف قبل أبي دجانة فأعطاه له وتركني والله
لأنظرن ما يصنع فاتبعته فرأيته وهو يقول:
أنا الذي عاهدني خليلي
ونحن بالسفح لدى النخيل.
أن لا أقوم الدهر في الكيول
أضرب بسيف الله والرسول.
يقول الزبير بن العوام فجعل لا يلقى أحد من المشركين إلا قتله.
وكان
في المشركين رجل يقتل كل جريح مسلم، فيقول الزبير: فدعوت الله أن يجمع
بينه وبين أبي دجانة. مع أن الزبير من كبار الفارسين، فاجتمعا فضرب ضربتين
فضرب المشرك أبا دجانة، فاتقاه بدرقته أي بدرعه فعضت بسيفه، فضربه أبو
دجانة فقتله.
واستطاع أبو دجانة أن يخترق صفوف المشركين حتى وصل إلى
صفوف النساء، يقول أبو دجانة: رأيت إنسانًا يخمش الناس خمشًا شديدًا، فصمدت
له، فلما حملت عليه السيف وَلْوَل فإذا هو امرأة وكانت هند بنت عتبة
فأكرمت سيف رسول الله أن أضرب به امرأة.
استشهاد حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه
ولم
يكن أبو دجانة وحده الذي قاتل قتالاً شديداً فقد كان هناك حمزة بن
عبدالمطلب رضي الله عنه فقد قاتل قتالًا شديدًا ولم يقف في وجهه أحد من
المشركين، ولكن ظهر هنا وحشي بن حرب أحد الغلمان في جيش المشركين، الذي خرج
معهم لأجل قتل حمزة رضي الله عنه.
يحكي وحشي بن حرب قصته فيقول: كنت
غلامًا لجبير بن مطعم، وكان عمه عدي قد أصيب يوم بدر فلما أجمعت قريش
المسير إلى أحد قال لي جبير: إنك إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق، قال
فخرجت مع الناس وكنت رجلًا حبشيًا أقذف بالحربة قذف الحبشة قلما أخطئ بها
شيئًا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس
مثل الجمل الأورق يهد الناس هدًا ما يقوم له شيء، يقول وحشي: فهززت حربتي
حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في ثنته (أي في أحشائه) حتى خرجت من
بين رجليه وذهب لينوء نحوي فغُلب. وكان يريد قتل وحشي، ويقول وحشي: فتركته
حتى مات، فأخذت حربتي وذهبت إلى العسكر فقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة
وإنما قتلته لأعتق فلما قدمت مكة عتقت. ورغم قتل حمزة رضي الله عنه فقد
ظل المسلمون مسيطرون على الموقف تمامًا في أرض أحد، وقد قاتل عامة المسلمين
يومئذ قتالًا عظيمًا شديدًا، وأبلوا بلاءً حسنًا في ذلك اليوم.
حاول
لخالد بن الوليد وكان يومئذ مشركًا أن يخترق جيش المسلمين من خلال الثغرة
التي يمكن له من خلالها الالتفاف بفرقة كانت معه من فرسان المشركين حول
جبل الرماة، إلا أنه فوجئ بسيل من السهام من فوق الجبل من كتيبة الرماة
التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم فوق الجبل فرَدّت خالد بن الوليد، وقد
كرر ذلك مرات عديدة إلا أنه في كل مرة ترده فرقة الرماة من فوق الجبل.
بدأت
الهزيمة تدب في جيش المشركين، وبدأ المشركين يفكرون جديًا في الهرب وبدأوا
يتراجعون إلى الوراء شيئًا فشيئًا ثم فروا قِبَل مكة تاركين النساء وراءهم
حتى النساء هربن، ويقول الزبير بن العوام: لقد رأيت خدم هند بنت عتبة
وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير. وهكذا دارت رحى الحرب لصالح المسلمين فخارت عزائم المشركين وأخذت جموعهم تتبدد ذات الشمال وذات اليمين.

إرسال تعليق