أسباب غزوة أحد
كان موقف قريش بعد هزيمتهم في غزوة بدر سيئًا للغاية،
فهي في أزمة اقتصادية كبيرة حيث قُطعت طرق تجارتها مع الشام، وأزمة سياسية
ضخمة حيث أُهينت كرامتها وضاعت هيبتها في الجزيرة العربية بعد الهزيمة
المرّة التي مُنيت بها على يد المسلمين، كما أن كلٌّ بيت في مكة يريد أن
يأخذ الثأر لأبيه أو أخيه أو عمه أو خاله أو أحد أقاربه.
وكان من نتائج
غزوة بدر ازدياد قوة المسلمين، وتهديدهم لطريق قريش التجاري إلى بلاد
الشام، بل وشكلوا تهديدًا لنفوذها في منطقة الحجاز بأسرها؛ لأن اقتصاد قريش
قائم على رحلتي الشتاء والصيف، وإن تم قطع أحد الطرق فذلك يلحق ضررًا
بالآخر؛ لأن تجارتهم في بلاد الشام قائمة على سلع اليمن، وتجارتهم في اليمن
قائمة كذلك على سلع بلاد الشام، فأرادت قريش أن تهاجم المسلمين لتقضي
عليهم قبل أن يصبحوا قوة تهدد كيانهم.
لذا كان السبب الرئيسي للغزوة
هو رغبة قريش في الانتقام من المسلمين بعد أن ألحقوا بها الهزيمة في غزوة
بدر، ومن أجل استعادة مكانتها بين القبائل العربية التي تضررت بعد غزوة
بدر.
استعدادات المشركين للمعركة
أوقفت قريش التصرف في قافلة أبي
سفيان التي أفلتت في بدر لتجهيز جيش بأموالها لحرب المسلمين، فذهب كل من
صفوان بن أمية، وعبد الله بن ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل إلى أبي سفيان
ليطلبوا منه مال قافلته كي يستطيعوا تجهيز الجيش لمهاجمة المسلمين، حيث كان
مقدار ربح القافلة حوالي خمسين ألف دينار.
وافق أبو سفيان، وبعثت
قريش مندوبين إلى القبائل لتحريضهم على القتال، وقالوا للذين كانت لهم فيها
أموال إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا
ندرك منه ثأراً فأجابوهم لذلك فأنزل الله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ
وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: 36].
فتحت
قريش باب التطوع للرجال من قبائل الأحباش وكنانة وأهل تهامة. فجمعت قريش
ثلاثة آلاف مقاتل مع أسلحة و700 درع، وكان معهم أيضًا 3 آلاف من البعير
ورقم كبير جداً و200 فَرسًا و15 ناقة ركبت عليهن 15 امرأة لتشجيع
المقاتلين، وتذكيرهم بما حدث في غزوة بدر، ودعمهم في حال الحاجة، وكانت
تتقدمهم هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان، ومعها زوجات القادة في جيش مكة من
أمثال صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام، وغيرهم.
كما
خرج كل زعمائهم على رأس هذا الجيش، فكانت القيادة العامة العام لأبو سفيان
بن حرب، وكان سلاح الفرسان بقيادة خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل، وكان
اللواء مع بني عبد الدار.
ورغم كل هذه القوة وهذا الإعداد الجيد
للجيش المكي إلا أنه ينبغي أن تكون هذه الموقعة أسهل على المسلمين من بدر؛
وذلك بسبب أن المسلمون يعلمون بأمر هذه الحرب ولدى المسلمين من الوقت ما
يستطيعون فيه أن يجهِّزوا أنفسهم لهذه الحرب جيدًا، كما أن قريش فَقَدت
معظم قادتها في بدر وكذلك الحالة المعنوية لكلا الفريقين متباينة
تمامًا؛ فالجيش الإسلامي في حالة معنوية مرتفعة للغاية، بينما الحالة
المعنوية لكفار قريش في الحضيض.
وصلت أنباء الاستعدادات القرشية للمدينة المنورة، حيث أرسل العباس بن عبد المطلب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم سرًا بالخطر الذي يتهدد المسلمين. فبدأ
النبي صلى الله عليه وسلم بتأمين المدينة، فكانت هناك فرقة لحماية رسول
الله، وكان على رأس هذه الفرقة التي تحمي الرسول: سعد بن معاذ، وسعد بن
عبادة، وأسيد بن حضير، وقامت هذه الفرقة بإحاطة بيت الرسول والمسجد النبوي،
والسير معه في كل وقت وفي كل مكان.
كما تكونت فرق لحماية مداخل
المدينة المنورة، حتى لا يباغت المسلمون ليلاً أو نهارًا، وكذلك عمل دوريات
مراقبة حول المدينة المنورة؛ لاستطلاع مكان وخطوات وتحركات جيش المشركين. وأصبح الجميع في المدينة المنورة، سواء من المهاجرين أو الأنصار لا يتحركون إلا بالسلاح، وفي أثناء الصلاة أيضًا يكون معهم سلاحهم.
النبي صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه
بدأ
النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته يفكرون في أمر القتال، فكان أمامهم
خيارين إما الخروج لملاقاة الجيش القادم خارج المدينة، أم ينتظرون قدومه
إليهم؟. وقبل أن يأخذوا القرار قصَّ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم
رؤيا، وقال لهم: "إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ وَاللَّهِ خَيْرًا؛ رَأَيْتُ
بَقَرًا يُذْبَحُ، وَرَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثُلْمًا، وَرَأَيْتُ
أَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ".
والمقصود بالبقر التي
تذبح هو عدد من الصحابة يقتلون، أما المقصود بالكسر "الثلم" الذي يحصل
للسيف فهو إصابة أحد أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، أما الدرع الحصينة
فهي المدينة المنورة، أي أنه يقاتل في داخل المدينة المنورة.
لم يقص
النبي صلى الله عليه وسلم هذه الرؤيا على أنها قرار يجب عليهم أن يأخذوا
به، ولكنه عرضها عليهم في صورة رأي، وذلك لأنه لو كان وحيًا ما جاز له أن
يستشيرهم فيه، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم عليهم أنه يفضل أن يقاتل
في داخل المدينة المنورة، فقال: "يُقَاتِلُ الْمُسِلْمُونَ عَلَى أَفْوَاهِ
الأَزِقَّةِ، وَالنِّسَاءُ مِنْ فَوْقِ الْبُيُوتِ". وبالتالي تكون الحرب
حرب شوارع، وهذه الحرب سوف تكون صعبة جدًّا على الجيش المهاجم.
لكنَّ
معظم المسلمين وخاصةً من لم يشاركوا في بدر، كانوا لهم رأي آخر فقد كانوا
في شوق إلى قتال المشركين خارج المدينة المنورة، حتى قال قائلهم: "يا رسول
الله، كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله، فقد ساقه إلينا وقرب المسير، أخرج
إلى أعدائنا لا يرون أنا جَبُنَّا عنهم". وقال حمزة بن عبد المطلب لرسول
الله صلى الله عليه وسلم: "والذي أنزل عليك الكتاب، لا أطعم طعامًا حتى
أجالدهم بسيفي خارج المدينة". وممن كان على رأي الرسول أيضًا زعيم
المنافقين عبد الله بن أُبيّ بن سلول، ولم يكن هذا لاقتناعه برأي الرسول،
ولكن ليسهل عليه الفرار في داخل المدينة المنورة.
ولأن معظم الناس
على هذا الرأي، ولم يكن على رأي الرسول إلا القليل من الصحابة، فقد نزل
النبي صلى الله عليه وسلم على رأي الشورى حتى وإن كان مخالفًا لرأيه، لأنه
لما رأى أن ذلك ليس وحيًا من الله، تنازل عن رأيه لصالح رأي الأغلبية،
وقرَّر الخروج من المدينة المنورة لقتال المشركين.
صلَّى رسول الله
بالناس يوم الجمعة ووعظهم وأمرهم بالاجتهاد والجد، وبشرهم بالنصر إن هم
صبروا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حفَّز الجيش بالجنة في خطبة
الجمعة، وكذلك عندما خرج بعد صلاة العصر، وعندما سمع الناس بعد ذلك نداء
الجهاد في سبيل الله خرج الجميع للجهاد، حتى خرج حنظلة بن عامر وكان قد
تزوج حديثاً.
حشد النبي صلى الله عليه وسلم أهل العوالي وأهل المدينة
المنورة، وجمع أصحابه أجمعين، وبدأ هو شخصيًّا يستعدّ للخروج للقتال؛ فدخل
بيته بعد صلاة العصر ومعه صاحباه أبو بكر وعمر فعمماه وألبساه لباس الحرب
فتدجج صلى الله عليه وسلم ولبس درعاً فوق درع وتقلد سيفه ثم خرج على الناس،
وقبل أن يخرج من بيته اجتمع الأنصار مع المهاجرين، وقال لهم سعد بن معاذ
وأسيد بن حضير: "استكرهتم رسول الله على الخروج، فرُدُّوا الأمر إليه".
إذن،
فقد قرر الصحابة أن يردوا الأمر مرة ثانية إلى النبي صلى الله عليه، لأنهم
يعلمون أن رأيه هو الأحكم والأعلم والأنسب لأنه رسول الله، فلما خرج وهو
يرتدي عدة الحرب قالوا له: "يا رسول الله، ما كان لنا أن نخالفك، فاصنع ما
شئت، إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل". لكن الرسول قد أخذ القرار واستعد
فقال لهم: "مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ -درع الحرب-
أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ".
استعدادات المسلمين لغزوة أحد
بدأ
رسول الله يُعِدّ العدة فجهّز ألف مقاتل، وجعل على كتيبة المهاجرين مصعبَ
بن عمير، وعلى كتيبة الأوس أُسيد بن حضير، وعلى كتيبة الخزرج الحباب بن
المنذر، وجهّز الجيش بمائة درع، كما رَدَّ النبي صلى الله عليه وسلم
الأطفال الذين لا يستطيعون القتال مثل عبد الله بن عمر وزيد بن أرقم، وزيد
بن ثابت، وأبا سعيد الخدري، وأسامة بن زيد.
كذلك حرص شباب الصحابة
على المشاركة في القتال في أُحُد، قال رافع بن خديج عندما لم يجزه النبي:
جَعَلْت أَتَطَاوَلُ وَعَلَيَّ خُفّانِ لِي، فَأَجَازَنِي رَسُولُ اللّهِ،
فَلَمّا أَجَازَنِي قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ لِرَبِيبِهِ مُرَيّ بْنِ
سِنَانٍ الْحَارِثِيّ -وَهُوَ زَوْجُ أُمِّهِ-: يَا أَبَتِ، أَجَازَ
رَسُولُ اللّهِ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ وَرَدّنِي، وَأَنَا أَصْرَعُ رَافِعَ
بْنَ خَدِيجٍ. فَقَالَ مُرَيّ بْنُ سِنَانٍ الْحَارِثِيّ: يَا رَسُولَ
اللّهِ، رَدَدْتَ ابْنِي وَأَجَزْتَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَابْنِي
يَصْرَعُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ: "تَصَارَعَا". فَصَرَعَ سَمُرَةُ
رَافِعًا، فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللّهِ.
كذلك رد النبي صلى الله عليه
وسلم كتيبة اليهود ومنعهم من المشاركة في أُحُد، فقد جاءت كتيبةٌ وكانت
حسنة التسليح فسأل عنها الرسول، فقالوا له: هذه كتيبة من اليهود من حلفاء
الخزرج. فقال: "هَلْ أَسْلَمُوا؟" فقالوا: لا. فردَّهم الرسول وقال:
"قُولُوا لَهُمْ: فَلْيَرْجِعُوا، فَإِنَّا لاَ نَسْتَعِينُ
بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ".
خروج المسلمين إلى أحد وانسحاب المنافقين
خرج
الجيش الإسلامي وتوجه في طريق أُحُد، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم
مكتوم ليصلي بمن بقي في المدينة، وتكتم الرسول صلى الله عليه وسلم قدر
استطاعته أثناء السير، وسار من وسط المزارع التي تقع حول المدينة المنورة،
حتى لا يُكتشف أمره من قِبَل الجيش المشرك، ووصل إلى منطقة أُحُد، ومن
بعيدٍ رأى جيش المشركين.
بات النبي صلى الله عليه وسلم بالجيش بين
أحد والمدينة وأختار خمسين رجلاً لحراسة المعسكر حيث كان بمقربة من جيش
العدو يراهم ويرونه وقبل طلوع الفجر تمرد المنافقون فقام زعيم المنافقين
عبد الله بن أبي بن سلول وقال لا ندري علام نقتل أنفسنا، وقال بأن الرسول
صلى الله عليه وسلم ترك رأيه وأطاع رأي غيره فانسحب ورجع هو ومن على شاكلته
وكانوا ثلاثمائة، أي ما يقرب من ثلث الجيش، وكان السبب الحقيقي في انسحاب
عبدالله بن أبي هو الخور والجبن والنفاق، وقد أراد أن يشق العصا وأن يحدث
البلبلة والاضطراب في جيش المسلمين على مرأى ومسمع من عدوهم.
تبعهم
عبد الله بن حرام فذكرهم بخطر الانسحاب في هذا الموقف الشديد وهذا الظرف
المحرج وقال لهم: "تعالَوْا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا". فقالوا: "لو
نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع". وحاول معهم كثيرًا لكنهم رفضوا تمامًا، فقال
لهم: "أبعدكم الله أعداء الله! فسيغني الله عنكم نبيه"، فنزل قوله تعالى:
{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا
فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً
لاَتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ
لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ
أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران: 167].
وقال الله تعالى يصف حال
المنافقين: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً
وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ
سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 47].
وكانت
هذه الكلمات التي قالها عبد الله بن أُبيّ في أرض المعركة، قد أثَّرت في
طائفتين من المسلمين وهم طائفة بني حارثة من الأوس، وطائفة بني سلمة من
الخزرج؛ فقد فكرت هاتان الطائفتان في أمر الرجوع، لولا أن الله ثبّتهم
بصدق إيمانهم، وقد وقف معهم الرسول والصحابة، وأقنعوهم بالبقاء في أرض
المعركة حتى يكملوا اللقاء، ونزل قول الله: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ
مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122].

إرسال تعليق