نسبه وإسلامه
عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل أبو ربيع الأنصاري كان من سادة الأوس، أسلم عباد بن بشر على يد مصعب بن عمير قبل إسلام أسيد بن حضير وسعد بن معاذ وكان حينئذ في الخامسة والعشرين من عمره, كان عباد بن بشر من فضلاء الصحابة وكان سيدًا كبير القدر, أوجز الذهبي معالم وملامح الإقدام والسيادة في عباد، فقال: "كان أحد الشجعان الموصوفين".وقد اجتمع إلى الداعية المكي مصعب بن عمير فسرعان ما ألفت بين قلبيهما أواصر الإيمان وقد استمع إلى مصعب وهو يرتل القرآن بصوته الفضي الدافئ نبرته الشجية الآسرة, فشغف بكلام الله حبًّا وأفسح له في سويداء فؤاده مكانًا رحبًا وجعله شغله الشاغل فكان يردده في ليله ونهاره وحله وترحاله حتى عرف بين الصحابة بالإمام وصديق القرآن.
من مواقفه مع النبي صلي الله عليه وسلم
وبعد الهجرة النبوية، آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عمار بن ياسر، كما شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها.أسند النبي صلى الله عليه وسلم لعباد عددًا من المهام، فكان عباد من ضمن المفرزة التي قتلت كعب بن الأشرف، اليهوديّ الذى كان يُؤْذِي رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ويحرِّض على أذَاه. وقال عَبَّاد بن بشر في ذلك شعرًا:
صَرَخْتُ بِهِ فَلَمْ يَعْرِضْ لِصَوْتِي
وَوَافَى طَالِعًا مِنْ رَأْسِ جَدْرِ
فَعُـدْتُ لَهُ فَقَالَ مَنِ المَنَادِي
فَقُلْتُ أَخُوكَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرِ
وَهَذِي دِرْعُنا رَهْنًا فَخُذْهَا
لِشَهْرٍ إِنْ وَفَى أَوْ نِصْفَ شَهْرِ
فَقَالَ مَعَاشِـرُ سَغِبُوا وَجَاعُوا
وَمَا عَدَلُوا الغِنَى مِنْ غَيْرِ فَقْرِ
فَأَقْبَلَ نَحْوَنَا يَهْوِي سَرِيعًا
وَقَالَ لَنَا لَقَد جِئْـتُمْ بِأْمْرِ
وَفِي أَيْمَانِنَا بِيضٌ جِدَادٌ
مُجَرَّدَةٌ بِهَا الكُفَّارَ نَفرِي
فَعَانَقَهُ ابْنُ مَسْـلَمَةَ الْمَرَدَّي
بِهِ الكُفَّارُ كاللَّيْثِه الهِزَبْرِ
وَشَدَّ بِسَيْفِهِ صَلْتًا عَلَيهِ
فَقَطَّرَهُ أَبُو عَبْـسِ بْنِ جَبْرِ
فكَانَ اللَّهُ سَادِسَنَا فَأُبْنَا
بِأَنْعَمِ نِعْمَةٍ وَأَعَزِّ نَصْرِ
وَجَاءَ بِرَأْسِهِ نَفَرٌ كِرَامٌ
هُمُو نَاهِيكَ مِنْ صِدْقٍ وَبِرِّ
والذين قتلوا كَعْب بن الأشرف: محمد بن مسلمة، والحارث بن أوس، وعبَّاد بن بشر، وأبو عبس بن جَبْر، وأبو نائلة سلكان بن وَقْش الأشهليّ.
كما بعثه ليجمع صدقات مزينة وبني سليم، وبني المصطلق أحد بطون خزاعة، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم على قسمة غنائم غزوة حنين، كما جعله على قائدًا على حرسه في غزوة تبوك.
ومن المواقف التي تثبت شجاعة عباد بن بشر وفدائيته أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قفل عائدًا من غزوة "ذات الرقاع" نزل بالمسلمين في شعب من الشعاب ليقضوا ليلتهم فيه.
وكان أحد المسلمين قد سبى في أثناء الغزوة امرأة من نساء المشركين في غيبة زوجها، فلما حضر الزوج ولم يجد امرأته، أقسم باللات والعزى ليلحق بمحمد أصحابه، وألا يعود إلا إذا أراق منهم دمًا.
فما كاد المسلمون ينيخون رواحلهم في الشعب حتى قال لهم الرسول: "من يحرسنا في ليلتنا هذه؟".
فقام إليه عباد بن بشر وعمار بن ياسر وقالا: نحن يا رسول الله، وقد كان النبي آخى بينهما حين قدم المهاجرون على المدينة.
فلما خرجا إلى فم الشعب قال عباد بن بشر لأخيه عمار بن ياسر: أي شطري الليل تؤثر أن تنام فيه: أوله أم أخره؟ فقال عمار: بل أنام في أوله، ثم اضطجع غير بعيد عنه.
كان الليل ساجيًا هادئًا وادعًا، وكان النجم والشجر الحجر تسبح بحمد ربها وتقدس له فتاقت نفس عباد بن بشر إلى العبادة واشتاق قلبه إلى القرآن, وكان أحلى ما يحلو له القرآن إذا رتله مصليًا فيجمع متعة الصلاة إلى متعة التلاوة.
فتوجه إلى القبلة ودخل في الصلاة وطفق يقرأ من سورة الكهف بصوته الشجي الندي العذب.
وفيما هو سابح في هذا النور الإلهي الأسنى تمارق في لألاء ضيائه أقبل الرجل يحث الخطى، فلما رأى عباد من بعيد منتصبًا على فم الشعب عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم بداخله وأنه حارس القوم، فوتر قوسه وتناول سهمًا من كنانته رماه به فوضعه فيه.
فانتزعه عباد من جسده ومضى متدفقًا في تلاوته غارقًا في صلاته.
فرماه الرجل بآخر فوضعه فيه فانتزعه كما انتزع سابقه, فرماه بثالث فانتزعه كما انتزع سابقيه، وزحف حتى غدا قريبًا من صاحبه وأيقظه قائلاً:
انهض فقد أثخنتني الجراح، فلما رآهما الرجل ولى هاربًا.
والتفت عمار بن ياسر إلى عباد بن بشر فرأى الدماء تنزف غزيرة من جراحه الثلاثة، فقال له: سبحان الله هلا أيقظتني عند أول سهم رماك به؟!
فقال عباد: كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها حتى أفرغ منها، وايم الله لولا خوفي أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله بحفظه لكان قطع نفسي أحب إلى من قطعها.
أما فدائية عباد فكانت شيئاً آخر فق شارك في قتل كعب بن الأشرف اليهودي وكفى رسول الله شر هذا الفاجر الأفاك.
وكان عباد بن بشر موصوفاً بشدة البأس والشجاعة حتى قال عمر لرسول الله في غزوة بني المصطلق: "مر عباد بن بشر فليضرب عنق المنافق عبد الله بن أبي بن سلول".
وفي غزوة الأحزاب تولى عباد حراسة قبة النبي:
قال سعد: وكان عباد بن بشر على حرس قبة رسول الله مع غيره من الأنصار يحرسونه كل ليلة, فكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو أبو سفيان في أصحابه يومًا ويغدو خالد بن الوليد يومًا ويغدو عمرو بن العاص يومًا ويغدو هبيرة بن أبي وهب يومًا ويغدو ضرار بن الخطاب الفهري يومًا.
وفي غزوة تبوك جعل رسول الله عباد بن بشر على حرسه وأوكل إليه هذه المهمة.
استشهاده رضي الله عنه
وفي الليلة التي سبقت معركة اليمامة رأى عباد بن بشر فيما يراه النائم أن السماء انفرجت له، فلما دخل فيها ضمته إليها وأغلقت عليه بابها. فلما أصبح حدث أبا سعيد الخدري برؤياه وقال: الله إنها الشهادة يا أبا سعيد.فلما طلع النهار واستؤنف القتال علا عباد بن بشر نشزًا (مكان مرتفع من الأرض) وجعل يصيح: "يا معشر الأنصار تميزوا من الناس، واحطموا جفون السيوف، ولا تتركوا الإسلام يؤتي من قبلكم".
وما زال يردد ذلك النداء حتى اجتمع عليه نحو أربعمائة منهم على رأسهم ثابت بن قيس والبراء بن مالك وأبو دجانة صاحب سيف رسول الله، ومضى عباد بن بشر بمن معه يشق الصفوف بسيفه ويلقى الحتوف بصدره حتى كسرت شوكة مسيلمة الكذاب ومن معه وألجئوا إلى حديقة الموت.
وهناك عند أسوار الحديقة سقط عباد بن بشر شهيدًا مضرجًا بدمائه وفيه ما فيه من ضربات السيوف وطعنات الرماح ووقع السهام حتى إنهم لم يعرفوه إلا بعلامة كانت في جسده.
استشهد يوم اليمامة سنة 12هـ، وعمره 45 سنة.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: تهجد النبي في بيتي، فسمع صوت عباد يصلي في المسجد, فقال: "يا عائشة، أصوت عباد هذا؟"، قالت: نعم قال: "اللهم ارحم عباد"، وفي رواية: "اللهم اغفر له".
قالت عائشة رضي الله عنها: «ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلاً، كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ وعباد بن بشر وأسيد بن حضير».
وروى أنس بن مالك أن عباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند النبي محمد في ليلة مظلمة، فأضاءت عصا أحدهما، فلما افترقا أضاءت عصا كل واحد منهما.

إرسال تعليق