نسبه وإسلامه
عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم من بني سالم بن عوف من
الخزرج. ولد عبادة بن الصامت في المدينة قبل الهجرة بثمانٍ وثلاثين سنة،
فهو أصغر من رسول الله بخمسة عشر عامًا. أبوه الصامت بن قيس لم يدرك
الإسلام، وتُوفِّي على دين قومه، أما أُمُّه قرة العين بنت عبادة بن نضلة
بن مالك من الخزرج، فقد أسلمت وبايعت رسول الله.
أسلم عبادة بن الصامت
قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يثرب، قال ابن إسحاق أنه شهد بيعة
العقبة الأولى، وكان أحد نقباء الأنصار الذين بايعوا النبي محمد في مكة
بيعة العقبة الثانية. وبعد الهجرة النبوية، آخى النبي صلى الله عليه وسلم
بينه وبين أبي مرثد الغنوي، وشهد عبادة بن الصامت مع النبي صلى الله عليه
وسلم المشاهد كلها، كما استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الصدقات.
موافقه مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته
كان
عبادة بن الصامت ممن بايعوا رسول الله في بيعة العقبة الأولى، أو كما
عُرفت ببيعة النساء؛ قال عبادة بن الصامت: "كنت ممن حضر العقبة الأولى،
وكنا اثني عشر رجلاً، فبايعنا رسول الله على بيعة النساء، وذلك قبل أن
تفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل
أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في
معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم ذلك فأمركم إلى الله ، إن شاء
عذَّب وإن شاء غفر".
وتمت بيعة العقبة الثانية التي فيها النصر
والحماية، وقال نبي الله: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم
وأبناءكم". فقالوا: يا رسول الله، نبايعك. فقال: "تبايعوني على السمع
والطاعة في المنشط والمكره، والنفقة في العسر واليسر، لا تخافوا في الله
لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم
وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة". فبايعوه على ذلك، وقال رسول الله
للأنصار: "أخرجوا منكم اثني عشر نقيبًا؛ تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس".
فكان عبادة بن الصامت أحد نقباء الخزرج.
وكان عبادة بن الصامت من
الرعيل الأول الذي عاش خير حياته وأعظمها وأثراها مع الرسول الكريم ،
الرعيل الذي صهره النضال وصقلته التضحية، وعانق الإسلام رغبًا لا رهبًا،
وباع نفسه وماله. وقد استعمله رسول الله على الصدقات، وقال له: "اتقِ الله،
ألا تأتي يوم القيامة ببعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة لها
ثُؤَاج". فقال عبادة: فوالذي بعثك بالحق، لا أعمل عمل اثنين. وبايع النبي
على ألاَّ يخاف في الله لومة لائم.
أما بطولته في المعارك فقد تجلت في
مواطن كثيرة؛ فعندما طلب عمرو بن العاص مددًا من الخليفة لإتمام فتح مصر،
أرسل إليه أربعة آلاف رجل، على رأس كل منهم قائد حكيم، وصفهم الخليفة
قائلاً: "إني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف رجل منهم رجلٌ بألف رجل".
وكان عبادة بن الصامت واحدًا من هؤلاء الأربعة الأبطال.
عن أبي قلابة
قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث. قال: قالوا:
أبو الأشعث، أبو الأشعث. فجلس، فقلت له: حدِّث أخانا حديث عبادة بن الصامت.
قال: نعم، غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما
غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع
الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقام فقال: "إني سمعت رسول الله ينهى
عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبُرّ، والشعير بالشعير،
والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء، عينًا بعين، فمن زاد أو
ازداد فقد أربى". فردَّ الناس ما أخذوا.
فبلغ ذلك معاوية، فقام خطيبًا
فقال: "ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله أحاديث، قد كنا نشهده ونصحبه
فلم نسمعها منه". فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة، ثم قال: لنُحدثَنَّ
بما سمعنا من رسول الله وإن كره معاوية.
وفي خلافة أمير المؤمنين عمر،
لم يستطع الفاروق أن يحمله على قبول منصبٍ ما، إلا تعليم الناس وتفقيههم في
الدين. فهذا هو العمل الوحيد الذي آثره عبادة بن الصامت، مبتعدًا بنفسه عن
الأعمال الأخرى المحفوفة بالزهو وبالسلطان وبالثراء، والمحفوفة أيضًا
بالأخطار التي يخشاها على مصيره ودينه.
قصة عبادة بن الصامت مع المقوقس
عندما حاصر عمرو بن العاص حصن “بابليون” أرسل عبادةَ بن الصامت على رأس وفد من المسلمين إلى المقوقس ليحاوره.
وكان
عبادُ بنُ الصَّامِتِ أسودَ؛ فلمَّا ركِبُوا السُّفُنَ إلى المُقَوْقَسِ،
ودخلوا عليه تقَدَّمَ عبادةُ؛ فهابه المُقَوْقَسُ لسواده، فقال: (نَحُّوا
عَنِّي هذا الأسودَ، وقَدِّمُوا غَيْرَهُ يُكَلِّمُنِي).
فقالوا جميعا:
إنَّ هذا الأسودَ أفضلنا رأيَا وعلمًا، وهو سيِّدُنا وخيرنُا، والمُقدَّمُ
علينا، وإنما نرجع إلى قوله ورأيه، وقد أَمَّرَهُ الأميرُ دُوننا بِمَا
أَمَّرَهُ به، وأَمَرَنَا بأن لا نُخالفَ رأيه وقوله.
قال: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسودُ أفضلَكم؟ وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم.
قالوا: كلَّا! إنه وإن كان أسودَ كما ترى فإنه من أفضلنا موضعا، وأفضلنا عقلًا ورأيًا، وليس يُنْكَرُ السَّوادُ فينا.
فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا أسود، وكلمني برفق؛ فإني أهاب سوادك، وإن اشتدَّ كلامُك عليَّ ازْدَتُّ لذلك هيبةً.
فتقدَّم إليه عبادةُ فقال: وإن فيمن خَلَّقْتُ من أصحابي ألفَ رجلٍ أسودَ كلُّهم أشدُّ سوادًا مني وأفظعُ منظرًا.
ولو
رأيتهم لكنتَ أهيبَ لهم منك لي، وأنا قد ولَّيْتُ وأدْبَرَ شبابي، وإني مع
ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعا، وكذلك
أصحابي، وذلك أنا إنما رَغْبَتُنَا وهِمَّتُنَا الجهادُ في الله،
واتِّبَاعُ رِضْوَانِه، وليس غزوُنا عدوَّنا ممن حارب اللهَ لرغبةٍ في
دُنيا، ولا طلبا للاستكثار منها؛ إلا أن الله قد أحلَّ ذلك لنا، وجعل ما
غَنِمْنَا من ذلك حلالا، وما يبالي أحدُنا أكان له قِنْطَارٌ من ذهبٍ، أم
لا يملك دِرْهَمًا؛ لأن غايةَ أحدِنا من الدنيا أكلةٌ يأكلها يسُدُّ بها
جَوْعَتَهُ لليلِه ونهارِه، وشَمْلَةٌ يَلْتَحِفُهَا؛ فإنْ كان أحدُنا لا
يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطارٌ من ذهبٍ أنفقه في طاعة الله، واقتصر
على هذا الذي بيده، ويُبَلِّغُهُ ما كان في الدُّنيا؛ لأن نعيم الدنيا ليس
بنعيم، ورخاءها ليس برخاء؛ إنما النعيم والرخاءُ في الآخرةِ، وبذلك أمرَنا
رَبُّنَا، وأمرَنا به نَبِيُّنَا، وعهد إلينا أن لا تكون هِمَّةُ أحدنا من
الدنيا إلا ما يُمسكُ جوعتًهُ، ويسترُ عورتَهُ، وتكونُ همتُّهُ وشُغلهُ في
رضاء ربِّهِ وجهاد عدوه.
فلما سمع المقوقسُ ذلك منه قال لمن حوله:هل
سمعتم مثل كلام هذا الرجلِ قَطُّ؟ لقد هِبْتُ مَنْظَرَهُ، وإن قولَه لأهيبُ
عندي من منظره، إن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض، ما أظنُّ
مُلْكَهُمْ إلا سيغلبُ على الأرض.
علمه رضي الله عنه
كان عبادة
حافظًا للقرآن، فكان يُعَلِّم أهل الصفة القرآن، وبعد وفاة النبي صلى الله
عليه وسلم، وتوسّع الفتوح الإسلامية، انتقل عبادة بن الصامت إلى الشام، حيث
قال محمد بن كعب القرظي: «جمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم
خمسة من الأنصار: معاذ وعبادة وأُبيّ وأبو أيوب وأبو الدرداء، فلما كان
عمر، كتب يزيد بن أبي سفيان إليه: «إن أهل الشام كثير، وقد احتاجوا إلى من
يعلمهم القرآن ويفقههم»، فقال: «أعينوني بثلاثة»، فقالوا: «هذا شيخ كبير -
لأبي أيوب -، وهذا سقيم - لأُبيّ -»، فخرج الثلاثة إلى الشام معاذ بن جبل،
وعبادة بن الصامت، وأبا الدرداء، فقال: «ابدءوا بحمص، فإذا رضيتم منهم،
فليخرج واحد إلى دمشق، وآخر إلى فلسطين»». قال خليفة بن خياط في تاريخه أن
أبا عبيدة ولّاه إمرة حمص، ثم عزله، وولى عبد الله بن قرط، فسكن عبادة بيت
المقدس، وزعم الأوزاعي أن عبادة أول من ولي قضاء فلسطين، كما قيل أنه شهد
الفتح الإسلامي لمصر حيث كان من أمراء المدد الذي بُعث لعمرو بن العاص.
وفاته رضي الله عنه
لمّا
حضرت عبادة الوفاة قال: "أخرجوا فراشي إلى الصحن"، ثم قال: "اجمعوا لي
مَوَاليَّ وخدمي وجيراني، ومن كان يدخل عليَّ". فجُمِعوا له، فقال: "إنّ
يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي عليَّ من الدنيا، وأول ليلة من الآخرة،
وإني لا أدري لعلّه قد فرط منّي إليكم بيدي أو بلساني شيء، وهو -والذي نفس
عبادة بيده- القِصاص يوم القيامة، وأُحَرِّج على أحد منكم في نفسه شيء من
ذلك إلا اقتصَّ مني قبل أن تخرج نفسي". فقالوا: بل كنت مؤدبًا. قال: "اللهم
اشهد".
ثم قال: "أمّا لا، فاحفظوا وصيّتي: أُحَرِّج على إنسانٍ منكم
يبكي عليَّ، فإذا خرجت نفسي فتوضئوا وأحسنوا الوضوء، ثم ليدخل كلّ إنسان
منكم المسجد فيصلي ثم يستغفر (لعُبَادة) ولنفسه؛ فإن الله تبارك وتعالى
قال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [البقرة: 45]. ثم أسرعوا بي
إلى حفرتي، ولا تُتبِعُني نار، ولا تضعوا تحتي أرجوانًا".
وكانت وفاته سنة 34 من هجرة رسول الله بمدينة الرملة في فلسطين، وهو يناهز الاثنين وسبعين عامًا.
وكان
رجلاً طويلاً جسيمًا جميلاً، وكان لعبادة بن الصامت من الولد الوليد أمه
جميلة بنت أبي صعصعة أخت الصحابي قيس بن أبي صعصعة، ومحمد أمه أم حرام بنت
ملحان، وداود وعبيد الله لم تذكر أمهاتهم.

إرسال تعليق