الغزوات والسرايا بين بدر وأحد
كانت غزوة بدر الكبرى هي أول الغزوات والمواجهات بين رسول الله صلى الله
عليه وسلم والمشركين، ولم تكن كذلك آخرها، فقد تعددت الغزوات بينهما كذلك
بعد بدر وقبل غزوة أحد، ومنها:
1- غزوة بني سليم بالكدر
وكانت هذه الغزوة في شوال سنة 2هـ بعد الرجوع من بدر بسبعة أيام.
أول
ما نقلت استخبارات المدينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد بدر أن بني
سليم وبني غطفان تحشد قواتها لغزو المدينة، فباغتهم النبي صلى الله عليه
وسلم في مائتي راكب في عقر دراهم، وبلغ إلى منازلهم في موضع يقال له:
الكُدْر. ففر بنو سليم، وتركوا في الوادي خمسمائة بعير استولي عليها جيش
المدينة، وقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إخراج الخمس فأصاب كل
رجل بعيرين، وأصاب غلاما يقال له "يسار" فأعتقه.
وأقام النبي صلى
الله عليه وسلم في ديارهم ثلاثة أيام، ثم رجع إلى المدينة، واستخلف في هذه
الغزوة على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطَة. وقيل: ابن أم مكتوم رضي الله
عنه.
2- قتل أبو عفك اليهودي
كانت سريَّةُ سالِمِ بنِ عُمَيرٍ
رَضي اللهُ عنه إلى أبي عَفَكٍ اليَهوديِّ في شوَّالٍ على رأسِ عشرين شهرًا
من مُهاجَرِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان أبو عَفَكٍ من بني
عمرِو بن عوفٍ شَيخاً كبيرًا قد بلغ عشرين ومئةَ سنةٍ، وكان يَهوديًّا،
عَظيمَ الكُفرِ، شديدَ الطَّعنِ على المسلمين، قد امتَلَأ قلبُه بالحقدِ
والحسدِ للمسلمين، وهو يرى الْتِفافَ الأوسِ والخزرجِ على نُصرةِ رسولِ
الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وازدادَ كيدُه بالإسلامِ وأهلِهِ بعد أنْ
رَأى رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يزداد قوَّةً وتَمكينًا في
المدينةِ وما حولَها بعد غزوةِ بدرٍ، فلم يُطِقْ لذلك صَبرًا، فأخذ يُنشِدُ
الشِّعرَ يَهجو به رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويُحرِّضُ على
عداوَتِه، ويُسَفِّهُ رأيَ الأنصارِ لمُتابَعَتِهم رسولَ الله صلَّى اللهُ
عليه وسلَّم ومُناصَرَتِه.
فقال سالِمُ بنُ عُمَيرٍ وهو أحدُ
البَكَّائين في غَزوةِ تَبوكَ ومِمَّن شَهِد بَدرًا: "عليَّ نَذرٌ أن
أقتُلَ أبا عَفَكٍ أو أموتَ دُونَه"، فأمهَلَ يَطلُبُ له غِرَّةً، حتى كانت
ليلةٌ صائِفةٌ، فنام أبو عَفَكٍ بالفِناءِ، وسَمِعَ به سالِمُ بنُ عُميرٍ،
فأقبَلَ فوَضَعَ السَّيفَ على كَبِدِه، ثم اعتَمَدَ عليه حتى خَشَّ في
الفراشِ، وصاح عدوُّ اللهِ، فثاب إليه ناسٌ مِمَّن هم على قَولِه، فأدخَلوه
منزلَه وقَبَروه.
وكان أبو عَفَكٍ مِمَّن نَجَم نِفاقُه حين قَتَلَ
رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الحارِثَ بنُ سُويدِ بنِ الصَّامِتِ،
وشَهِدَ سالِمٌ بَدرًا، وأُحدًا، والخَندَقَ، والمَشاهِدَ كُلَّها مع رسول
الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتوُفِّي في خِلافةِ مُعاويةَ بن أبي
سُفيانَ رَضي اللهُ عنهما.
3- غزوة السويق
كانت غزوة السويق في 5 ذي
الحجة سنة 2هـ، وسميت بهذا الاسم نسبة لنوع من القمح كان أبوسفيان وأصحابه
يلقونه من عيرهم للتخفف والهرب من ملاحقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بينما
كان صفوان بن أمية واليهود والمنافقون يقومون بمؤامراتهم وعملياتهم، كان
أبوسفيان يفكر في عمل قليل المغارم ظاهر الأثر، يتعجل به، ليحفظ مكانة
قومه، ويبرز ما لديهم من قوة، بعد هزيمتهم في بدر، وتندر العرب بهم، وقد
نذر أبوسفيان ألا يمس النساء حتى يغزو محمدا، وكان لا يجرؤ على مهاجمة
المدينة جهارا، فدخل في ضواحي المدينة في الليل مستخفيا.
فخرج في
مائتي راكب ليبِرَّ يمينه، حتى نزل بصدْر قَناة إلى جبل يقال له: ثَيبٌ،
من المدينة على بَرِيد أو نحوه، ولكنه لم يجرؤ على مهاجمة المدينة جهاراً،
فقام بعمل هو أشبه بأعمال القرصنة، فإنه دخل في ضواحي المدينة في الليل
مستخفياً تحت جنح الظلام، فأتي حيي بن أخطب، فاستفتح بابه، فأبي وخاف،
فانصرف إلى سَلاَّم بن مِشْكَم سيد بنِي النضير، وصاحب كنزهم إذ ذاك،
فاستأذن عليه فأذن، فَقَرَاه وسقاه الخمر، وبَطَن له من خبر الناس، ثم خرج
أبو سفيان في عقب ليلته حتى أتي أصحابه، فبعث مفرزة منهم، فأغارت على ناحية
من المدينة يقال لها: (العُرَيض)، فقطعوا وأحرقوا هناك أصْْوَارًا من
النخل، ووجدوا رجلاً من الأنصار هو معبد بن عمرو وحليفاً له في حرث لهما
فقتلوهما، وفروا راجعين إلى مكة.
وبلغ رسول الله صلى الله عليه
وسلم الخبر، فسارع لمطاردة أبي سفيان وأصحابه، ولكنهم فروا ببالغ السرعة،
وطرحوا سويقاً كثيراً من أزوادهم وتمويناتهم، يتخففون به، فتمكنوا من
الإفلات، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قَرْقَرَةِِ الكُدْر، ثم
انصرف راجعاً، وحمل المسلمون ما طرحه الكفار من سويقهم، وسموا هذه
المناوشة بغزوة السويق.
وانصرف رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم راجعاً إلى المدينة، وكان غاب خمسة أيام.
قال ابن إسحاق: وقال المسلمون حين رجع بهم رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم: يا رسول اللهّٰ أتطمع أن تكون لنا غزوة؟، قال: «نعم».
4- غزوة ذي أمر
من الأحداث الهامة التي وقعت بعد غزوة بدر غزوة ذي أمر وهي موضع من ديار غطفان، وسميت أيضاً غزوة غطفان أو غزوة أنمار
وهي أكبر حملة عسكرية قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل معركة أحد، قادها في المحرم سنة 3هـ.
وسببها
أن الأخبار وصلت إلى المدينة المنورة أن جمعاً كبيراً من بني ثعلبة ومحارب
تجمعوا يريدون الإغارة على أطراف المدينة، فسار إليهم النبي صلى الله عليه
وسلم في أربعمائة وخمسين مقاتلاً ما بين راكب وراجل، ليشعرهم ويُشْعِر
الأعراب بقوة المسلمين، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان.
وفي الطريق
قبضوا على رجل يقال له: جُبَار من بني ثعلبة، فأدخل على رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فدعاه إلى الإسلام فأسلم، فضمه إلى بلال، وصار دليلاً لجيش
المسلمين إلى أرض العدو.
وحين سمعوا بقدوم جيش المدينة تفرق
الأعداء في رءوس الجبال حين سمعوا بقدوم جيش المدينة، أما النبي صلى الله
عليه وسلم فقد أقام هناك في مكان تجمعهم، وهو الماء المسمي بذي أمر،
فأقام هناك صفراً كله، من سنة 3هـ أو قريباً من ذلك، ليشعر الأعراب بقوة
المسلمين، ويستولي عليهم الرعب والرهبة، ثم رجح إلى المدينة، وبقي في نجد
مدة تقارب الشهر دون أن يلقى كيداً من أحد، وعاد بعدها إلى المدينة
المنورة.
وفي هذه الغزوة أسلم دعثور بن الحارث الذي كان سيداً
مطاعاً في قومه بعد أن حدثت معه معجزة على يدي رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فقد روى ابن كثير والبيهقي، وغيرهما أنه "لما بلغ رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن جمعاً من غطفان من بنى ثعلبة بن محارب تجمعوا بذي أمر يريدون
حربه، خرج إليهم من المدينة يوم الخميس لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة
ثلاث، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان، فغاب أحد عشر يوماً، وكان معه
أربعمائة وخمسون رجلاً، وهربت منه الأعراب في رؤوس الجبال، حتى بلغ ماء
يقال له: ذو أمر، فعسكر به، وأصابهم مطر كثير، فابتلت ثياب رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فنزل تحت شجرة هناك، ونشر ثيابه لتجف، وذلك بمرأى من
المشركين، واشتغل المشركون في شؤونهم، فبعث المشركون رجلاً شجاعاً منهم،
يقال له غورث بن الحارث أو دُعْثور بن الحارث، فقالوا: قد أمكنك الله من
قتل محمد، فذهب ذلك الرجل ومعه سيف صقيل، حتى قام على رسول الله صلى الله
عليه وسلم بالسيف مشهوراً، فقال: يا محمد! من يمنعك مني اليوم؟ قال: الله،
ودفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فقال: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن
محمداً رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعا أبداً، فأعطاه رسول الله صلى
الله عليه وسلم سيفه، فلما رجع إلى أصحابه، فقالوا: ويلك! مالك؟ فقال: نظرت
إلى رجل طويل، فدفع في صدري، فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملك، وشهدت أن محمداً
رسول الله، والله لا أكثر عليه جمعاً، وجعل يدعو قومه إلى الإسلام، قال:
ونزل في ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا
نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ
أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} (المائدة:11)".
وفي
موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع دعثور بن الحارث في غزوة ذي أمر تَجَلَّى
حب النبي صلى الله عليه وسلم للعفو والصفح عمن أساء إليه، قال ابن حجر:
"فمنّ عليه (عفا عنه)، لشدة رغبته صلى الله عليه وسلم في استئلاف الكفار؛
ليدخلوا في الإسلام". وقد ترك هذا الموقف النبوي الكريم أثراً كبيراً في
أعراب هذه المنطقة من غطفان، وبين لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس
رجلاً شجاعاً وكريماً وعفواً فحسب، وإنما هو أيضاً نبي مرسل؛ لأنه ليس من
عادة الملوك والقادة أن يتركوا من وقف على رؤوسهم بالسيف مهدِّداً بقتلهم
دون أن يقتلوه، وليس من عادتهم الرحمة والتسامح إلى هذا الحد، مما كان لذلك
أبلغ الأثر في تفكير هؤلاء الأعراب جديًّاً في الدخول في الإسلام.
وقال ابن كثير عند حديثه عن غزوة ذي أمر: "قال البيهقي: وسيأتي في غزوة ذات الرقاع قصة تشبه هذه، فلعلهما قصتان.
وقال
ابن حجر في "الإصابة" عند ترجمة دعثور بن الحارث: "دعثور بن الحارث
الغطفانيّ...وقصته هذه شبيهة بقصة غورث بن الحارث المخرجة في "الصحيح" من
حديث جابر، فيُحتمل التعدد أو أحد الاسمين لقب إن ثبت الاتحاد".
5- غزوة بُحران
وهي
دورية قتال كبيرة، قوامها ثلاثمائة مقاتل، قادها الرسول صلى الله عليه
وسلم في شهر ربيع الآخر سنة 3هـ إلى أرض يقال لها: بحران، وهي مَعْدِن
بالحجاز من ناحية الفُرْع، فأقام بها شهر ربيع الآخر ثم جمادى الأولى من
السنة الثالثة من الهجرة ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق حرباً.
6- سرية زيد بن حارثة إلى القردة
سيطر
المسلمون سيطرة كاملة على شمال مكة والطريق إلى الشام، فبدأت قريش تفكر
فيما ينبغي أن يفعلوا، فقد وقفت التجارة إلى الشام، وهذا عصب حياة أهل مكة،
فاجتمعوا اجتماعًا كبيرًا وقال صفوان بن أمية لقريش وكان قائدًا للحملة
التي ينبغي أن تذهب إلى الشام في هذا العام: "إن محمدًا وصحبه عوَّرُوا
علينا متجرنا، فما ندري كيف نفعل بأصحابه، وهم لا يبرحون الساحل؟! وأهل
الساحل قد وادعهم، ودخل عامَّتهم معهم، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا في
دارنا هذه أكلنا رءوس أموالنا، فلم يكن لها من بقاء، وإنما حياتنا بمكة على
التجارة إلى الشام في الصيف، وإلى الحبشة في الشتاء". فقام الأسود بن عبد المطلب وقال: "فَنَكِّبْ عن الساحل وخُذْ طريقَ العراق".
وكان
هذا الطريق طويل جدًّا يخترق نجد إلى الشام، ويمرُّ هذا الطريق شرق
المدينة، ولم تكن قريش تعرف هذا الطريق، وإن أرادت أن تسير فيه فلا بد من
دليل ماهر لكي يمر بها من هذا الطريق الوعر والصعب جدًّا، حتى يصلوا إلى
الشام. وبالفعل اختارت قريش هذا الطريق، وكان دليلهم فرات بن حيان من بني
بكر بن وائل.
وخرجت عيرُ قريش بقيادة صفوان بن أمية، منطلقة في
الطريق الجديد، وعلى الفور وصلت أخبار هذه القافلة إلى النبي صلى الله عليه
وسلم، فجهَّز رسول الله سريعًا سرية بقيادة زيد بن حارثة، وكان قوام هذه
السرية مائة راكب، وانطلقت السرية مسرعة لقطع طريق هذه القافلة. وبالفعل
نجحوا في الإمساك بالقافلة، وفرَّ صفوان بن أمية ومن معه، وتم أسر فرات بن
حيان دليلُ القافلة، وأخذ المسلمون القافلة بكاملها، فكانت غنيمة كبيرة
جدًّا من الأواني والفضة التي كانت تحملها القافلة للتجارة بالشام، وقد
قُدِّرت قيمة هذه القافلة بمائة ألف دينار، قُسِّمت على أفراد السرية،
وأسلم الأسير فرات بن حيان بعد ذلك، فكانت هذه نكبة كبيرة أصابت قريشًا بعد
بدر.

إرسال تعليق