أسباب سرية كعب بن الأشرف
كان كعب بن الأشرف رجلاً من طيء ثم أحد بني
نبهان، وأمه من بني النضير، وكان قائدًا وزعيمًا من زعماء بني النضير، وقد
قاد حربًا ضروسًا ضد المسلمين، وكثيرًا ما صرَّح بسبِّ الله وسبِّ الرسول
الكريم، وقد أنشد الأشعار في هجاء الصحابة، ولم يكتفِ بهذا الأمر، بل ذهب
ليؤلِّب القبائل على الدولة الإسلامية، وأنه لما بلغه الخبر عن مقتل أهل
بدر حين قدم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة قال والله لئن كان محمد أصاب
هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها، فلما تيقن عدو الله الخبر، خرج إلى
مكة فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهمي، وعنده عاتكة بنت أسيد
بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف فأنزلته وأكرمته، وألّب
قريشًا على المسلمين، وبدأ يذكِّرهم ويتذاكر معهم قتلاهم في بدر، بل فعل ما
هو أشد من ذلك وأنكى فهو من اليهود ويعلم أن الرسول مُرسَل من رب العالمين
فعندما سأله القرشيون وهم يعبدون الأصنام، قالوا له: "أديننا أحب إليك أم
دين محمد وأصحابه؟ وأيُّ الفريقين أهدى سبيلاً؟"، فقال الكافر: "أنتم أهدى
منهم سبيلاً"، وفي ذلك أنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا
نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ
آمَنُوا سَبِيلاً} [النساء: 51].
قال ابن إسحاق وغيره: كان عربياً من
بني نبهان وهم بطن من طيء، وكان أبوه أصاب دما في الجاهلية فأتى المدينة
فحالف بني النضير فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق فولدت له كعبا،
وكان طويلاًا جسيمًا ذا بطن وهامة، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخرج إلى
مكة فنزل على ابن وداعة السهمي والد المطلب، فهجاه حسان وهجا امرأته عاتكة
بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية فطردته، فرجع كعب إلى المدينة وتشبب بنساء
المسلمين حتى آذاهم.
وكان هذا الكلام الذي قاله كعب لقريش شجَّعهم
على حرب المسلمين، بل فعل هذا الكافر أمورًا تخرج عن أدب العرب وعن فطرتهم،
سواء في إسلامهم أو في جاهليتهم، فقد بدأ يتحدث بالفاحشة في أشعاره عن
نساء الصحابة، رضي الله عنهن وعن أزواجهن جميعًا.
خالف كعب بن الأشرف
نصوص المعاهدة الصريحة والواضحة التي كانت بينه وبين الرسول لأنه ارتكب
مجموعة من الجرائم، وقد كان ما فعله كعب كفيلاً بأن يأخذ النبي صلى الله
عليه وسلم قرارًا في منتهى الحسم، وهو قرار قتل كعب بن الأشرف.
فقام
محمد بن مسلمة وعباد بن بشر وأبو نائلة والحارث بن أوس ومجموعة من الأوس،
وقرروا القيام بهذه المهمة، وأدوها على أحسن وجه، وبهذا تخلصت الدولة
الإسلامية من أحد ألدِّ أعدائها، وهو كعب بن الأشرف.
أحداث سرية كعب بن الأشرف
كانت الخطة أن يجيء الصحابة لكعب على أنهم يرغبون بشراء طعام من عنده في مقابل رهن شيء من متاعهم، وقد جذب معه أبو نائلة أطراف الحديث وتناشدا الشعر، وأفهمه بأنهم يرغبون عن دين محمد الذي عاداهم العرب بسببه، ورمتهم القبائل، وقطعت عنهم السبل، وجهدت النفس، وقد طلب كعب الخبيث رهن نسائهم في البداية، ولما رفض أبو نائلة بحجة جماله، طلب رهن ابنائهم، ورفض كي لا تعايرهم القوم، فكان رهن السلاح هو المدخل للقدوم إليه مجددا، وكان محمد بن سلمة قد فعل ما فعله أبو نائلة من قبله.
ولما جاءت الليلة الموعودة، قال لهم الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم «انْطَلِقُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ، اللَّهمّ أَعِنْهُمْ» ولما ذهبوا لحصن كعب، توجست امرأته وشعرت بأنهم يضمرون شرًا، ولكن كعبا سعى لطمأنتها قائلًا أنهم أقرباؤه، وطلبوا أن يتمشوا معه إلى شعب العجوز المجاورة، وبالفعل مرت ساعة فساعة، وأبو نائلة يدخل يده في رأس كعب المعطرة ويشمه، وكأنه يستطيب رحيه، وكانت امرأته من أعطر نساء العرب، وفي إحدى المرات، أمسك برأسه ونادى أصحابه، فتعانقت سيوفهم والتصق بأبي نائلة، وأطلق صيحة مدوية أيقظت الحصون المجاورة، وجعلت نيرانها تشتعل جميعا، وهنا طعنه محمد بن مسلمة طعنة قوية في خصره وسقط، وجاءوا يكبرون حاملين رأسه للنبي صلى الله عليه وسلم، فكبر معهم وكان قائم يصلي لله، وتفل على جرح الْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ، الذي أصابته بعض أسياف رفاقه بالسرية بالخطأ.
قال
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: من لكعب بن الأشرف فإنه قد أذى الله
ورسوله، فقام محمد بن مسلمة فقال يا رسول الله أتحب أن أقتله، قال نعم، قال
فأذن لي أن أقول شيئا، قال قل فأتاه محمد بن مسلمة فقال إن هذا الرجل قد
سألنا صدقة وإنه قد عنانا وإني قد أتيتك أستسلفك، قال وأيضا والله لتملنه،
قال أنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه وقد
أردنا أن تسلفنا، قال نعم ارهنوني، قلت أي شيء تريد، قال ارهنوني نساءكم،
فقالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب، قال فارهنوني أبناءكم، قالوا كيف
نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا ولكن
نرهنك اللأمة - يعني السلاح - ، فواعده أن يأتيه ليلا فجاءه ليلا ومعه أبو
نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم فقالت له امرأته
أين تخرج هذه الساعة، وقال غير عمرو، قالت أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم،
قال إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعى إلى
طعنة بليل لأجاب.
ثم دخل محمد بن مسلمة معه رجلين، فقال إذا ما جاء فإني
مائل بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، وقال
مرة ثم أشمكم، فنزل إليهم متوشحا وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال ما رأيت
كاليوم ريحا أي أطيب، فقال أتأذن لي أن أشم رأسك، قال نعم، فشمه ثم أشم
أصحابه، ثم قال أتأذن لي، قال نعم، فلما استمكن منه قال دونكم، فقتلوه ثم
أتوا النبي فأخبروه.
وفي رواية أخرى قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
"من لي بابن الأشرف؟" فقال له: محمد بن مسلمة: "أنا لك يا رسول الله أنا
أقتله؟" قال:" فافعل إن قدرت على ذلك" فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا
يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق به نفسه فذكر ذلك للرسول فدعاه فقال له: "لم
تركت الطعام والشراب؟" فقال: "يا رسول الله قلت لك قولا لا أدري هل أفين لك
به أم لا؟" فقال: "إنما عليك الجهد" فقال: "يا رسول الله إنه لا بد لنا من
أن نقول" قال: "قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك".
فاجتمع في
قتله محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلام بن وقش وهو أبو نائلة أحد بني عبد
الأشهل، وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة وعباد بن بشر بن وقش، أحد بني
عبد الأشهل، والحارث بن أوس بن معاذ، أحد بني عبد الأشهل، وأبو عبس بن جبر
أحد بني حارثة ; ثم ذهب سلكان بن سلامة بن وقش أبا نائلة إلى كعب بن الأشرف
قبل أن يأتوه، فجاءه فتحدث معه ساعة وتناشدوا شعرا، وكان أبو نائلة يقول
الشعر ثم قال: "ويحك يا ابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك، فاكتم
عني" قال: "افعل" قال: "كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء عادتنا
به العرب، ورمتنا عن قوس واحد وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس
وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا". فقال كعب: "أنا ابن الأشرف أما والله لقد
كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول" فقال له سلكان: "إني
قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك، ونحسن في ذلك" فقال: "أترهنونني
أبناءكم؟" قال: "لقد أردت أن تفضحنا، إن معي أصحابا لي على مثل رأيي، وقد
أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء".
وأراد
سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاءوا بها، قال: "إن في الحلقة لوفاء" فرجع
سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره وأمرهم أن يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا
فيجتمعوا إليه فاجتمعوا عند رسول الله.
قال ابن هشام: ويقال
أترهنونني نساءكم؟ قال كيف نرهنك نساءنا وأنت أشب أهل يثرب وأعطرهم قال
أترهنونني أبناءكم؟، قالوا كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو
وسقين هذا عار علينا ولكن نرهنك اللأمة - يعني السلاح - ، فواعده أن يأتيه
ليلا فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة.
قال ابن
إسحاق: فحدثني ثور بن زيد عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مشى معهم رسول الله
إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم فقال: انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم ثم رجع
رسول الله إلى بيته وهو في ليلة مقمرة وأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فهتف به
أبو نائلة، وكان حديث عهد بعرس فوثب في ملحفته فأخذت امرأته بناحيتها،
وقالت: "إنك امرئ محارب وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة" قال:
"إنه أبو نائلة، لو وجدني نائما لما أيقظني"، فقالت: "والله إني لأعرف في
صوته الشر؟" قال يقول لها كعب لو يدعى الفتى لطعنة لأجاب.
فنزل
فتحدث معهم ساعة وحدثوا معه ثم قال هل لك يا ابن الأشرف أن تتماشى إلى شعب
العجوز، فنتحدث به بقية ليلتنا هذه؟ قال إن شئتم. فخرجوا يتماشون فمشوا
ساعة، ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ثم شم يده فقال ما رأيت كالليلة
طيبا أعطر قط، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة ثم عاد
لمثلها، فأخذ بفود رأسه ثم قال اضربوا عدو الله فضربه فاختلفت عليه أسيافهم
فلم تغن شيئا.
قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا في سيفي، حين رأيت
أسيافنا لا تغني شيئا، فأخذته، وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا
وقد أوقدت عليه نار قال فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته
فوقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ فجرح في رأسه أو في رجله
أصابه بعض أسيافنا.
قال فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيد، ثم
على بني قريظة، ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض، وقد أبطأ علينا
صاحبنا الحارث بن أوس، ونزف الدم فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا. قال
فاحتملناه فجئنا به رسول الله آخر الليل وهو قائم يصلي، فسلمنا عليه فخرج
إلينا، فأخبرناه بقتل عدو الله وتفل على جرح صاحبنا، فرجع ورجعنا إلى أهلنا
فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو الله فليس بها يهودي إلا وهو يخاف على
نفسه.
نتائج سرية مقتل كعب بن الأشرف
لما علمت اليهود بمصرع طاغيتها كعب بن الأشرف، دَبَّ الرعب في قلوبهم العنيدة، وعلموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لن يتوانى في استخدام القوة حين يرى أن النصح لن يجدي نفعًا لمن يريد العبث بالأمن، وإثارة الاضطرابات، وعدم احترام المواثيق، فلم يحركوا ساكنًا لقتل طاغيتهم، بل لزموا الهدوء، وتظاهروا بإيفاء العهود.

إرسال تعليق