تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

غزوة بني قينقاع



 مكائد ودسائس اليهود

كان في داخل المدينة المنورة ثلاث قبائل لليهود: قبيلة بني قينقاع، وقبيلة بني النضير، وقبيلة بني قريظة؛ وفي شمال المدينة المنورة يقع تجمع ضخم لليهود هو تجمع خيبر.
عاش اليهود في عزلة عن أهل المدينة، وأطلقوا سيل المؤامرات والدسائس كمحاولة منهم للقضاء على الدولة الإسلامية، وكانت أول الجماعات اليهودية إعلانا لهذه العداوة بنو قينقاع الذين كانوا يسكنون أطراف المدينة، ولم يتوقفوا لحظة عن إحداث الشقاق وإثارة المشكلات بين صفوف المسلمين، وكانوا مصدر إيحاء وتوجيه للمنافقين، وتأييد وتشجيع للمشركين.
وقد أقام رسول الله معاهدة مع اليهود، وقد حاولوا مرارًا وتكرارًا أن يخالفوا هذه المعاهدات، وأن ينقضوا الميثاق، وتحدثوا كثيرًا بالسوء، ليس فقط عن الصحابة، وليس فقط عن رسول الله، بل عن ربِّ العالمين، وتطاولوا كثيرًا في هذه الكلمات، لكن الرسول كان يضبط النفس، ويتحكم قدر المستطاع في أن يمنع الصحابة من الصدام المباشر مع اليهود؛ لأن الوضع في المدينة المنورة لم يكن مستقرًّا.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً كل الحرص على تنفيذ ما جاء في هذه المعاهدة، وفعلاً لم يأت من المسلمين ما يخالف حرفاً واحداً من نصوصها‏.‏ ولكن اليهود الذين ملأوا تاريخهم بالغدر والخيانة ونكث العهود، لم يلبثوا أن تمشوا مع طبائعهم القديمة، وأخذوا في طريق الدس والمؤامرة والتحريش وإثارة القلق والاضطراب في صفوف المسلمين‏.
وكانوا يحاولون إثارة القلاقل والفتن في المسلمين، وإقامة العراقيل في سبيل الدعوة الإسلامية، وقد كانت لهم خطط شتي في هذا السبيل‏.‏ فكانوا يبثون الدعايات الكاذبة، ويؤمنون وجه النهار، ثم يكفرون آخره؛ ليزرعوا بذور الشك في قلوب الضعفاء، وكانوا يضيقون سبل المعيشة على من آمن إن كان لهم به ارتباط مإلى، فإن كان لهم عليه يتقاضونه صباح مساء، وإن كان له عليهم يأكلونـه بالباطل، ويمتنعون عن أدائه وكانوا يقولون‏:‏ إنما كان علينا قرضك حينما كنت على دين آبائك، فأما إذ صبوت فليس لك علينا من سبيل‏.‏ كانوا يفعلون كل ذلك قبل بدر على رغم المعاهدة التي عقدوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يصبرون على كل ذلك؛ حرصاً على رشدهم، وعلى بسط الأمن والسلام في المنطقة‏.‏

أسباب غزوة بني قينقاع

لما رأى اليهود بالمدينة أن الله قد نصر المؤمنين نصراً مؤزراً في معركة بدر، وصارت لهم عزة وهيبة في قلب القاصي والداني، اغتاظت قلوبهم، وجاهروا بالبغي والأذى وكان أعظمهم حقداً وأكبرهم شراً يهود بني قينقاع، الذين كانوا يسكنون داخل المدينة في حي باسمهم، وكانوا صاغة وحدادين وصنَّاعاً للأواني، ولأجل هذه الحرف توفرت لكل رجل منهم آلات الحرب، وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة، وكانوا أشجع يهود المدينة، وهم أول من نقض العهد والميثاق من اليهود، لذا عندما دخل الرسول المدينة، جمع يهود بني قينقاع وحذَّرهم من مغبَّة الطغيان والمخالفة المستمرة التي كانوا عليها، وقال لهم: "يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا".

لكنّ ردَّ فعل بني قينقاع كان عنيفًا للغاية؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "لَمَّا أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ جَمَعَ الْيَهُودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا". قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، لاَ يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنَّكَ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ، كَانُوا أَغْمَارًا لاَ يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ، إِنَّكَ لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ، وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا".
فهذا إعلان واضح وصريح من اليهود بالحرب، ومخالفة صريحة وواضحة لبنود المعاهدة التي تنصُّ على وقف الحرب بين الطائفتين، فهذه بدايات انشقاقات كبيرة داخل المدينة المنورة، فلما قال يهود بني قينقاع هذا الكلام، أَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ آيات بينات توضح العلاقة بين المسلمين واليهود خلال الفترة القادمة، قال الله: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ} [آل عمران:12].
وقد نزلت هذه الآيات في بني قينقاع: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ} [آل عمران:13].

ثم جاء السبب الرئيسي لهذه الغزوة عندما جاءت امرأة مسلمة إلى سوق بني قينقاع، وجلست إلى أحد الصاغة اليهود تبيع وتشتري منه، وأثناء وجودها في محل ذلك الصائغ اليهودي، حاول بعض المستهترين من شباب اليهود كشف وجهها والحديث إليها، فامتنعت وأنهته. فقام أحد اليهود بربط طرف ثوبها وعقده إلى ظهرها دون أن تشعر، فلما وقفت ارتفع ثوبها وانكشف جسدها. فاخذ اليهود يضحكون منها ويتندرون عليها فصاحت تستنجد من يعينها عليهم. فتقدم رجل مسلم رأى ما حدث لها، فهجم على اليهودي فقتله، ولما حاول منعهم عنها وإخراجها من بينهم تكاثر عليه اليهود وقتلوه، فكانت هذه بوادر أزمة ضخمة في داخل المدينة المنورة، فقد اجتمعت قبيلة بني قينقاع على قتل المسلم، بعد أن قاموا بجريمة كشف عورة المرأة المسلمة.

حصار اليهود

وصل الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الفور جمع الصحابة وجهّز جيشًا، وانتقل سريعًا إلى حصون بني قينقاع، وحاصر الحصون وفي داخلها بنو قينقاع، وأصرَّ على استكمال الحصار حتى ينزل اليهود على أمره. وما حدث هو نوع من الامتهان للكرامة بهذه العملية الفاجرة من اليهود، فأخذ النبي الأمر بمنتهى الجدّية، وانتقل بجيشه إلى حصار بني قينقاع، وهم من أصحاب السلاح والقلاع والحصون والبأس الشديد في الحرب.
بدأ الحصار في يوم السبت نصف شوال سنة 2هـ، وظل محاصرًا لبني قينقاع أسبوعين كاملين، وقذف الله الرعب في قلوب اليهود، فنزلوا على حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان حكمه في ذلك الوقت هو قتلهم لهذه المخالفات الشنيعة التي فعلوها.
لم يتساهل الرسول صلى الله عليه وسلم مطلقًا مع اليهود بعد موقفهم مع المرأة المسلمة، ومع الرجل المسلم الذي قُتل، وكان ما فعله اليهود مخالفة صريحة للمعاهدة المبرمة بينهم وبين رسول الله، ولو سكت الرسول على مخالفة اليهود للمعاهدة المرة تلو الأخرى؛ فإن اليهود من دون شك سيزيدون من تطاولهم، ويدخلون في مرحلة أخرى من الاستهزاء بالدولة الإسلامية وكرامة الأمة الإسلامية.

موقف عبدالله بن أبي بن سلول من اليهود

نزل اليهود على حكم رسول الله، وخرجوا من حصونهم، وكان القرار هو قتل بني قينقاع.
وهنا جاء عبد الله بن أُبي بن سلول، ولم يكن قد أسلم إلا منذ أيام قليلة، وكان حليفًا لبني قينقاع، وطلب من الرسول أن يحسن في مواليه بني قينقاع، ورفض رسول الله ذلك؛ فقد ذهب إليه وقال:" يا محمد، أحسن في موالي وكانوا حلفاء الخزرج قبل الهجرة، فأبطأ عليه رسول الله، فقال: " يا محمد، أحسن في موالي، فأعرض عنه، فأدخل يده في ثوب رسول الله وجذبه بقوة، فغضب النبي حتى احمر وجهه وقال: أرسلني، فقال له: " لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة؟ إني امرؤ أخشى الدوائر " فقال له رسول الله: هم لك، فأنزل الله تعالى قوله: { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ } (المائدة:52).

فقد كان هذا المنافق حليفًا لبني قينقاع، وكان لهم جيشٌ قوامه سبعمائة رجل؛ أربعمائة من غير دروع، وثلاثمائة دارع، وهؤلاء السبعمائة قد منعوه من الأحمر والأسود. فكانت هذه القوة هي المساعدة لعبد الله بن أُبيّ زعيم الخزرج قبل أن يأتي الرسول، وهذه القوة تمنعه من كل الناس، ويقول المنافق: وربما تدور الدوائر على المدينة بعد ذلك فلا أجد من يحميني، فقد كانت علاقته باليهود أشد توثيقًا من علاقته برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كان يعذره رسول الله؛ لأنه كان ما زال حديث الإسلام، وقَبِل منه أن يفتدي هؤلاء، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم اشترط أن يترك اليهود من بني قينقاع المدينة المنورة بكاملهم، وقَبِلَ اليهود بذلك، وخرجوا من المدينة المنورة إلى منطقة تسمى أذرعات بالشام، ويقال: إنهم قد هلكوا هناك بعد فترة وجيزة.

موقف عبادة بن الصامت من اليهود

أما موقف الصحابي عبادة بن الصامت والذي كان حليفا آخر ليهود بني قينقاع فقد كان مختلفاً تماماً، فقد أعلن براءته من حلفائه بكل وضوح قائلا: "يا رسول الله، أبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم ".
وقد أنزل الله سبحانه وتعالى في موالاة عبد الله بن أبي لليهود، وبراءة عبادة بن الصامت منهم قرآنا، فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }(المائدة:51).
وهكذا خرج يهود بني قينقاع من المدينة صاغرين، قد ألقوا سلاحهم، وتركوا أموالهم غنيمة للمسلمين، وهم كانوا من أشجع يهود المدينة وأشدهم بأساً، ومن ثم لاذت القبائل اليهودية الأخرى بالصمت والهدوء فترة من الزمن، بعد هذا العقاب الرادع ليهود بني قينقاع، وسيطر الرعب على قلوبها.

ومن غزوة بني قينقاع يظهر لنا مدى عزة وكرامة المسلم، فقد سار رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه في جيش كامل لينصر امرأة مسلمة نِيل من حجابها، ورجلا أُرِيق دمُه، فالمسلم أخو المسلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسْلِمُه، و من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما، ستره الله يوم القيامة.
لقد كانت غزوة بني قينقاع في جملتها دلالة واضحة على مدى ما في طبيعة اليهود من غدر وخيانة، وأنهم لا تروق لهم الحياة مع من يجاورونهم أو يعاهدونهم إلا بأن يبيتوا لهم شرا، أو يدبروا لهم غدرا، فاليهود هم اليهود، نقضة للعهود حتى مع الأنبياء، وفي كل زمان ومكان حالهم مع المسلمين حقد وحسد، وغدر وإيذاء، ومع ذلك هم أشد ما يكون من الجبن والخوف عند الحروب.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب